مضيق هرمز وإعادة رسم خريطة القوة في عالم الطاقة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

قد تبدو أزمة مضيق هرمز للوهلة الأولى أزمة نفط وأسعار وإمدادات، شبيهة بأزمات عرفها العالم كلما تعرض أحد شرايين الطاقة الرئيسية للتهديد. هذا المقال يستعرض القراءة الأعمق التي يقدمها جيسون بوردوف وميغان أوسوليفان في مجلة Foreign Affairs والتي تقود إلى استنتاج أكثر أهمية مما تنشره بعض الصحف الغربية؛ فالأزمة برأيهما لم تختبر قدرة الأسواق على التعامل مع انقطاع جزء كبير من إمدادات الطاقة فحسب، بل كشفت عن تحول عميق في جغرافيا القوة العالمية، وعن الطريقة التي أعادت بها الولايات المتحدة والصين وإيران، كل من موقعه، تشكيل مفهوم القوة في عصر الطاقة الجديد.

اقرأ أيضا: عائلات 4 من موقوفي أسطول الصمود بتونس تطالب بالإفراج الفوري عن أبنائها

وسائد الحماية من أزمة هرمز

المفارقة أن إغلاق المضيق لأشهر، رغم مرور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبره عادة، لم يؤدِّ إلى الانهيار الاقتصادي العالمي المتوقع، ولم يصل النفط إلى مستويات قاربت ٢٠٠ دولار للبرميل. لكن اعتبار ذلك دليلًا على تراجع أهمية هرمز سيكون خطأ؛ فالاقتصاد العالمي استطاع امتصاص الصدمة بفضل مجموعة استثنائية من «وسائد الحماية».

فالسوق كان يدخل الأزمة مع فائض نسبي في المعروض، والمخزونات التجارية والاستراتيجية كانت مرتفعة، وتمكنت السعودية والإمارات من استخدام خطوط أنابيب ومسارات تصدير تتجاوز المضيق، فيما أصبحت الولايات المتحدة منتجًا ضخمًا للنفط والغاز، الأمر الذي منحها قدرة أكبر على تحمل الصدمات الخارجية. وفي المقابل، خفضت الصين وارداتها النفطية بصورة كبيرة، واستخدمت جزءًا من احتياطياتها التي راكمتها خلال السنوات السابقة.

لذلك لم تكن قصة هرمز قصة انهيار، بل قصة نجاح مؤقت في امتصاص الصدمة. غير أن هذه الوسائد نفسها بدأت تستنزف؛ فقد انخفضت المخزونات، وبدأ الطلب العالمي بالتعافي، وتضررت بعض البنية التحتية للطاقة، وأصبحت المنتجات المكررة، خصوصًا الديزل ووقود الطائرات، أكثر حساسية لأي اضطراب جديد. كما أن أي تصعيد في البحر الأحمر قد يهدد بعض المسارات البديلة التي ساعدت على تجاوز هرمز.

التحولات الاستراتيجية للأزمة

لهذا قد تكون المرحلة المقبلة أكثر خطورة؛ فأي إغلاق جديد وطويل للمضيق لن يبدأ من الظروف المريحة نسبيًا التي بدأت منها الأزمة الأولى، بل من سوق استُنزفت فيه نسبة مهمة من أدوات الحماية.

أبرز التحولات يتعلق بالولايات المتحدة. فأميركا اليوم ليست أميركا السبعينيات، حين كانت تعتمد بدرجة كبيرة على النفط المستورد وكانت صدمات الأسعار تشكل تهديدًا مباشرًا لاقتصادها. فقد حولها توسع إنتاج النفط والغاز، ولا سيما بعد ثورة النفط الصخري، إلى واحدة من أكبر القوى المنتجة والمصدرة للطاقة.

وهذا التحول الاقتصادي له انعكاس سياسي؛ فالدولة التي كانت شديدة الحساسية تجاه اضطرابات إمدادات الشرق الأوسط أصبحت أكثر قدرة على تحملها. ومع تراجع تعرض واشنطن لتداعيات أزمات الطاقة، يتراجع أحد القيود التي كانت تدفعها تقليديًا إلى الحذر في سياساتها تجاه مناطق الطاقة. ففي الماضي كان اضطراب الشرق الأوسط يعني مباشرة ارتفاع الأسعار والتضخم والركود في الاقتصادات الكبرى، أما اليوم فأصبحت الولايات المتحدة أكثر قدرة على امتصاص جزء من هذه التداعيات، بما يمنحها مساحة أوسع للمناورة.

العين على الصين مجدداً

في المقابل، برزت الصين كقوة جديدة في سوق النفط، ليس فقط بحكم حجم استهلاكها، بل بفضل مخزوناتها. فعندما خفضت وارداتها بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا خلال الأزمة، لم يكن ذلك قرارًا تجاريًا فحسب، بل كان له تأثير مباشر في توازن السوق. وتقدر بعض التحليلات مخزونها النفطي بنحو ١.٤ مليار برميل، ما يمنح بكين قدرة استثنائية على إدارة صدمتها والتأثير في السوق العالمية.

وهنا تتغير معادلة استمرت لعقود. ففي أزمات النفط كان العالم يتطلع إلى واشنطن لمعرفة ما إذا كانت ستستخدم احتياطياتها، وإلى الرياض لمعرفة ما إذا كانت ستزيد الإنتاج. أما مستقبلًا فقد يصبح السؤال الثالث: ماذا ستفعل الصين؟

إذا زادت بكين مشترياتها، تستطيع دفع الأسعار إلى الأعلى بفعل حجم الطلب الذي تمثله، وإذا خفضت وارداتها واستخدمت مخزوناتها، تستطيع تخفيف الضغط عن السوق. ومن هذه الزاوية يمكن تشبيه الصين، إلى حد ما، بـ«البنك المركزي» لسوق النفط؛ ليس لأنها تتحكم به، وإنما لأن قراراتها بشأن المخزون والواردات أصبحت قادرة على التأثير في التوازن العالمي بين العرض والطلب.

الدول النامية تدفع الثمن

لكن استقرار الأسعار نسبيًا يخفي تفاوتًا كبيرًا في توزيع الخسائر. فالدولة الغنية تستطيع تحمل ارتفاع الأسعار لأشهر، بينما قد يدفع الارتفاع نفسه دولة نامية تعتمد على استيراد الوقود إلى أزمة مالية خانقة، خصوصًا إذا كانت تفتقر إلى الاحتياطيات والقدرة على دعم الأسعار.

ولهذا ظهرت آثار الأزمة في نقص الوقود، وتقنين الاستهلاك، وزيادة الدعم الحكومي، واتساع العجز المالي، بينما تمكنت الاقتصادات الكبرى من استخدام مواردها ومخزوناتها وقدراتها المالية لامتصاص جزء أكبر من الصدمة.

ومن هنا فإن القول إن الأزمة كانت «خفيفة» لأن النفط لم يصل إلى 200 دولار قراءة سطحية؛ فالكلفة لم تختفِ، بل انتقلت من الاقتصادات الأكثر قدرة على التحمل إلى الاقتصادات الأضعف.

لماذا لم يصل النفط إلى ٢٠٠ دولار؟

تكمن الإجابة في تضافر عدة عوامل: فائض نسبي في السوق قبل الأزمة، واستخدام السعودية والإمارات خطوطًا بديلة أتاحت نقل أكثر من خمسة ملايين برميل إضافي يوميًا بعيدًا عن هرمز، وإفراج دول وكالة الطاقة الدولية عن كميات كبيرة من الاحتياطيات، واستخدام الشركات مخزوناتها التجارية، وخفض الصين وارداتها، إضافة إلى تراجع الطلب العالمي بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من ٢٠٢٦.

لكن تجاوز الصدمة الأولى لا يعني القدرة على تحمل الثانية. فالمخزونات انخفضت، والطلب يتعافى، وبعض البنية التحتية تضررت، والأسواق أصبحت أكثر حساسية، فيما قد يهدد أي اضطراب إضافي في البحر الأحمر الطرق التي ساعدت على الالتفاف حول هرمز. ولذلك فإن إغلاقًا جديدًا وطويلًا للمضيق قد يأتي في سوق أكثر هشاشة وأقل امتلاكًا للاحتياطات والبدائل.

إيران وسلاح الاستنزاف

أثبتت الأزمة أن إيران لا تستطيع بالضرورة خنق الاقتصاد العالمي فورًا بمجرد إغلاق هرمز، لكن ذلك لا يعني أن المضيق فقد قيمته كسلاح. فطهران لا تحتاج إلى إحداث انهيار عالمي؛ يكفي أن تمتلك القدرة على تهديد الملاحة حتى تفرض علاوة مخاطر على النفط والشحن والتأمين والاستثمار، وتجبر الشركات والدول على إعادة حساب طرقها ومخزوناتها وتكاليفها.

وهكذا تتحول قيمة هرمز من “زر نووي اقتصادي” يؤدي الضغط عليه إلى انهيار فوري، إلى أداة استنزاف وابتزاز جيو-اقتصادي طويل الأمد. فالقوة ليست فقط في القدرة على إغلاق الطريق، بل في أن يعرف الآخرون أنك تستطيع إغلاقه متى شئت.

اقرأ أيضا: تكدير الكبار في التأمين الصحي

إعادة تشكيل الصراع

ومن المفارقات أن الأزمة قد لا تسرّع بالضرورة الانتقال إلى الطاقة النظيفة. فقد تدفع بعض الدول إلى زيادة الاستثمار في الشمس والرياح والطاقة النووية والسيارات الكهربائية، لكنها قد تدفع دولًا أخرى إلى زيادة المخزونات، وبناء خطوط أنابيب جديدة، وتوسيع قدرات التكرير، وربما العودة إلى الفحم عندما يصبح أمن الإمدادات أولوية.

وهنا يظهر سؤال استراتيجي جديد: إذا كان الاعتماد على نفط الخليج يحمل مخاطر هرمز، فهل الاعتماد على الصين في البطاريات والمعادن الحرجة والألواح الشمسية والتكنولوجيا النظيفة أكثر أمانًا؟

فالانتقال إلى الطاقة النظيفة لا ينهي الجغرافيا السياسية للطاقة، بل ينقلها من حقول النفط وممرات الناقلات إلى المناجم والمصانع وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.

هرمز يعيد توزيع قوة الطاقة

في النهاية، لم تُنهِ أزمة هرمز قوة سلاح الطاقة، بل أعادت توزيعها. فالولايات المتحدة تمتلك قوة الحصانة بفضل إنتاجها المحلي، والصين تمتلك قوة الموازنة بفضل حجم طلبها ومخزوناتها، وإيران تمتلك قوة التعطيل بفضل موقعها الجغرافي، بينما تبقى الدول النامية والمستوردة للطاقة الأكثر عرضة لدفع الثمن.

وهذا يقود إلى استنتاج يتجاوز النفط نفسه: القوة في نظام الطاقة الجديد لم تعد تعني فقط من يملك المورد، بل من يستطيع إغلاق الطريق، ومن يستطيع تجاوزه، ومن يملك البديل والمخزون والبنية التحتية والقدرة على تحمل الصدمة.

لقد كانت صدمات الطاقة في الماضي تؤدب القوى الكبرى وتدفعها إلى الحذر لأن كلفتها كانت تصل إليها مباشرة. أما اليوم، فقد أصبحت القوى الكبرى أكثر قدرة على حماية نفسها، بينما يمكن أن تقع الكلفة الأكبر على الدول الأضعف.

وهذا ما يجعل أزمة هرمز تتجاوز كونها أزمة نفط؛ إنها في جوهرها قصة عن إعادة توزيع القوة في العالم. فمضيق صغير يمنح إيران قوة تعطيل، والإنتاج يمنح الولايات المتحدة قوة حصانة، والمخزون والطلب يمنحان الصين قوة موازنة، فيما تكشف الأزمة مجددًا أن الجغرافيا لم تختفِ من السياسة الدولية، بل عادت لتصبح أحد أهم مصادر القوة فيها.

ففي النظام الجديد، ليست المسألة فقط من يملك النفط، وإنما أيضًا من يملك الطريق، ومن يملك البديل، ومن يملك المخزون، ومن يستطيع الانتظار حتى تمر العاصفة.

مضيق هرمز.

اقرأ أيضا: قاعة المشاهير.. كيف يجعل تييري هنري المستحيل يبدو سهلاً

‫0 تعليق

اترك تعليقاً