iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
بعد سنوات من النمو السريع والصعود القوي في القيمة السوقية، تدخل “رسن” اليوم مرحلة ربما تكون أكثر تعقيداً من مرحلة التأسيس نفسها. فالشركة التي استفادت مبكراً من التحول الرقمي في سوق التأمين السعودية باتت تعمل في بيئة مختلفة؛ تطبيقات ومنصات جديدة تدخل السوق، والمنافسة على العميل تتزايد، وتجربة المستخدم أصبحت عاملاً حاسماً في الاحتفاظ بالحصة السوقية، فيما لم يعد التفوق الرقمي الذي منح الشركات المبكرة أفضلية في السابق ميزة يصعب تقليدها.
اقرأ أيضا: تجارة الألماس في دبي تكسر رقماً قياسياً عمره 14 عاماً وتبلغ 41.7 مليار دولار
و”رسن” شركة سعودية تعمل في مجال التأمين الرقمي، حيث تقدّم منصات وتطبيقات لمقارنة وشراء وثائق التأمين وخدمات التقنية المالية المرتبطة بها، وهي مدرجة في السوق المالية السعودية “تداول” منذ يونيو/حزيران 2024.
وبعد صعود قوي أوصل سهم “رسن” إلى مستويات قاربت 160 ريالاً (نحو 42.7 دولاراً) خلال 2026، دخل السهم في موجة تصحيح أعادته إلى نحو 130 ريالاً (نحو 34.7 دولاراً) بحلول 10 أغسطس/آب، بانخفاض يقارب 18.5% عن أعلى مستوى له خلال 52 أسبوعاً البالغ 159.60 ريال (نحو 42.6 دولاراً)، رغم بقائه مرتفعاً بأكثر من 13% منذ بداية العام.
ولا يمكن الجزم بأن المنافسة وحدها كانت سبب تراجع السهم من قمته، إلا أن اتساع عدد البدائل الرقمية يضع “رسن” أمام اختبار مختلف عن سنوات التأسيس: ليس فقط الاستمرار في النمو، بل الدفاع عن حصتها السوقية والمحافظة على العملاء وهوامش الربحية في سوق تتزايد فيه المنافسة عاماً بعد آخر.
هذا التحدي مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع تطور تطبيقات التأمين، وتحسن تقنيات المقارنة والتسعير، وارتفاع توقعات العملاء تجاه سرعة الخدمة وتجربتها، ما يجعل القدرة على الابتكار والاحتفاظ بالعملاء أكثر أهمية من مجرد السبق إلى السوق.
لكن الضغط الذي تعرض له السهم لم يتزامن حتى الآن مع ضعف مماثل في الأداء التشغيلي؛ إذ قفزت إيرادات “رسن” 111% في النصف الأول من 2026 على أساس سنوي، وارتفع صافي الربح 168% إلى 174 مليون ريال (نحو 46.4 مليون دولار)، فيما نما الربح التشغيلي 177% وتحسن هامشه إلى 35%.
وهنا تبرز المفارقة التي ستحدد الفصل المقبل من قصة “رسن”: شركة تحقق نمواً تشغيلياً متسارعاً، لكنها تعمل في سوق لم يعد يخلو من المنافسين، فيما أصبح المستثمرون أكثر تدقيقاً في قدرتها على تحويل هذا النمو إلى ميزة تنافسية مستدامة.
وبالنسبة إلى مؤيد عبدالله الفلاج، الذي انتقل في أغسطس/آب 2026 إلى رئاسة مجلس الإدارة، فإن التحدي لم يعد بناء الشركة والوصول بها إلى السوق المالية فقط، وإنما الدفاع عن موقعها بعد أن أصبح النجاح نفسه جاذباً لمنافسين جدد.

من العمليات إلى مجلس الإدارة
حين تأسست شركة رسن لتقنية المعلومات في مايو/أيار 2016، كان التأمين الرقمي في السعودية لا يزال في مرحلة مبكرة، وكانت القنوات التقليدية تهيمن على شراء وثائق التأمين، فيما لم تكن منصات المقارنة والشراء الإلكتروني قد اكتسبت حضورها الحالي.
في ذلك التوقيت، شارك الفلاج في تأسيس “رسن” برأسمال لم يتجاوز ثلاثة ملايين ريال (نحو 800 ألف دولار)، واضعاً رهانه على التحول الرقمي في قطاع التأمين والخدمات المالية.
ولم تكن علاقته بالشركة علاقة مؤسس يراقب نموها من بعيد؛ فقد بدأ من إدارة العمليات، ثم انتقل إلى تطوير الأعمال، قبل أن يتولى قيادتها رئيساً تنفيذياً.
كما شغل منصب العضو المنتدب، إلى جانب عضويته في مجلس الإدارة واللجنة التنفيذية ولجنة الاستثمار، وتولى رئاسة مجلسي إدارة شركتي “تأميني” و”عون للتقنية المالية” التابعتين للمجموعة.
وخلال تلك السنوات، انخفضت ملكية الفلاج تدريجياً مع دخول مستثمرين جدد والجولات الاستثمارية التي سبقت الإدراج، وهو مسار مألوف في شركات التقنية سريعة النمو التي توسع قاعدة مساهميها لتمويل مراحل جديدة من التوسع.
لكن تراجع نسبة الملكية لم يترافق مع ابتعاده عن القيادة. فقد ظل حاضراً في المراحل المتعاقبة لنمو “رسن”، من التأسيس إلى التوسع ثم الإدراج.
هذه الرحلة الداخلية تمنح قصة الفلاج بعداً يتجاوز قصة الإدراج نفسها. فهو أحد الذين عايشوا الشركة منذ مرحلة البحث عن نموذج أعمال قابل للنمو، وحتى تحولها إلى شركة مدرجة تجاوزت قيمتها السوقية 10 مليارات ريال (نحو 2.67 مليار دولار) بعد الإدراج.
وكان التحول الأوضح خلال سنوات قيادته التنفيذية في حجم الأعمال وربحيتها.
وفي أغسطس/آب 2026، انتقل الفلاج إلى المرحلة الأحدث من مسيرته داخل الشركة بتوليه رئاسة مجلس إدارتها.
وببلوغه 44 عاماً، أصبح من أصغر رؤساء مجالس الإدارات ضمن المجموعة المقارنة من الشركات المرتبطة بقطاع التأمين والمدرجة في السوق السعودية.
غير أن أهمية هذه المرحلة لا ترتبط بعمر رئيس المجلس بقدر ما ترتبط بطبيعة المهمة التي تنتظره.
سنوات النمو
في عام 2020، بلغت إيرادات “رسن” نحو 43.4 مليون ريال (نحو 11.6 مليون دولار). وبعد خمس سنوات فقط، وصلت إلى 653.3 مليون ريال (نحو 174.2 مليون دولار) في 2025، أي ما يعادل أكثر من 15 ضعفاً، وبمعدل نمو سنوي مركب يقارب 72%.
ولم يتوقف التوسع عند الإيرادات. فقد ارتفع صافي الربح من نحو 572 ألف ريال (نحو 152.5 ألف دولار) في 2020 إلى 246.8 مليون ريال (نحو 65.8 مليون دولار) في 2025.
كما زادت التدفقات النقدية التشغيلية من أقل من خمسة ملايين ريال (نحو 1.3 مليون دولار) إلى أكثر من 333 مليون ريال (نحو 88.8 مليون دولار) خلال الفترة نفسها. وتشير هذه الأرقام إلى أن توسع الشركة لم يكن قائماً على نمو المبيعات وحده، بل ترافق مع تحسن واضح في قدرتها على تحويل الإيرادات إلى أرباح وتدفقات نقدية.
وبالتوازي، تغير حجم الميزانية بصورة جذرية. فقد ارتفعت أصول “رسن” من نحو 24 مليون ريال (نحو 6.4 مليون دولار) إلى أكثر من 1.35 مليار ريال (نحو 360 مليون دولار). كما تجاوزت حقوق المساهمين 705 ملايين ريال (نحو 188 مليون دولار)، ووصل النقد وما في حكمه إلى نحو 741 مليون ريال (نحو 197.6 مليون دولار) بنهاية 2025.

2026.. النمو يتواصل رغم اشتداد المنافسة
إذا كان عام 2025 قد أكد قدرة “رسن” على توسيع أرباحها بعد الإدراج، فإن النصف الأول من 2026 أظهر أن الشركة لا تزال قادرة على تسجيل معدلات نمو مرتفعة رغم اتساع قاعدة أعمالها.
فالإيرادات ارتفعت 111% على أساس سنوي، وهو معدل لافت لشركة أصبحت قاعدة إيراداتها أكبر بكثير مما كانت عليه في سنواتها الأولى.
وارتبط النمو، وفق إفصاح الشركة، بعدة عوامل، من بينها المنتجات الجديدة، وزيادة عدد وثائق التأمين المباعة للمنتجات الحالية، واستقطاب عملاء جدد، إلى جانب رفع كفاءة الاحتفاظ بالعملاء وتحسين رحلتهم وتجربتهم مع المنصة.
أما على مستوى الأرباح، فقفز صافي الربح إلى 174 مليون ريال (نحو 46.4 مليون دولار) في ستة أشهر فقط، مقابل 65 مليون ريال (نحو 17.3 مليون دولار) في الفترة المقابلة من 2025.
والأكثر دلالة كان تحسن الربح التشغيلي بنسبة 177% وارتفاع هامشه إلى 35% من 27%، ما يعني أن نمو المصروفات والتكاليف جاء أبطأ من نمو الإيرادات خلال الفترة.
اقرأ أيضا: علماء يستعدون لاختبار جهاز ثوري خلال كسوف الشمس المرتقب اليوم
وهذا التحسن مهم في تقييم المرحلة المقبلة؛ فمع اشتداد المنافسة، قد تضطر منصات التأمين إلى زيادة الإنفاق على التسويق والتقنية وخدمة العملاء. ومن ثم فإن قدرة “رسن” على المحافظة على هوامشها، بالتوازي مع الاحتفاظ بالعملاء، ستكون من المؤشرات الرئيسية على مدى استدامة ميزتها التنافسية.

من الشركة الناشئة إلى السوق المالية
في يونيو/حزيران 2024، أدرجت “رسن” أسهمها في السوق المالية السعودية، برأسمال بلغ 75.8 مليون ريال (نحو 20.2 مليون دولار)، وبقيمة سوقية عند الإدراج قاربت 2.8 مليار ريال (نحو 746.7 مليون دولار).
ولم تكن عملية الطرح مجرد خروج جزئي لمساهمين سابقين. فمن إجمالي متحصلات بلغ 841.4 مليون ريال (نحو 224.4 مليون دولار)، خُصص نحو 23.3% لزيادة رأسمال الشركة وتعزيز مواردها المالية، فيما ذهبت النسبة المتبقية إلى المساهمين البائعين.
وأتاح ذلك لـ”رسن” الجمع بين دخول السوق المالية والحصول على رأسمال إضافي يمكن توظيفه في مرحلة النمو التالية.
وفي فبراير/شباط 2025، رفعت الشركة رأسمالها بنحو 1.71 مليون ريال (نحو 456 ألف دولار) من خلال إصدار أسهم مرتبطة ببرنامج الحوافز طويلة الأجل للموظفين، في خطوة تعكس اهتمامها بربط الاحتفاظ بالكفاءات واستقطابها بمسار نمو الشركة على المدى الطويل.
لكن الاختبار الأهم لأي شركة بعد الطرح لا يتمثل في نجاح الاكتتاب، بل فيما يحدث عندما تبدأ السوق في إعادة تقييم أعمالها ونتائجها بصورة مستمرة. وهنا برزت “رسن” بصورة لافتة.
إدراج استثنائي حتى الآن
فمن بين 29 شركة أدرجت في السوق السعودية خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026، ارتفعت القيمة السوقية لـ”رسن” بأكثر من 250% مقارنة بقيمتها عند الإدراج، لتتجاوز 10 مليارات ريال (نحو 2.67 مليار دولار) بحلول أغسطس/آب 2026.
وجاءت “الماجد للعود” في المرتبة التالية ضمن المقارنة بارتفاع يقارب 28%، بينما لم تنجح سوى ثماني شركات من أصل 29 شركة في التداول فوق قيم إدراجها.
لكن الصعود الكبير للسهم لم يستمر من دون تقلبات. فبعد بلوغ السهم مستوى 159.60 ريال (نحو 42.6 دولاراً)، وهو أعلى سعر له خلال 52 أسبوعاً، تراجع إلى نحو 130 ريالاً (نحو 34.7 دولاراً) بحلول 10 أغسطس/آب 2026، أي بنحو 18.5% من القمة.
ومع ذلك، ظل السهم مرتفعاً بأكثر من 13% منذ بداية العام، ما يجعل الحركة أقرب إلى تصحيح بعد صعود قوي منها إلى انعكاس كامل في اتجاه السهم.
ويضيف هذا التحول بعداً مهماً إلى قصة الشركة. فالسوق التي كافأت “رسن” بقوة بعد الإدراج أصبحت الآن أكثر تطلباً، فيما بات على الشركة إثبات أن معدلات نموها المرتفعة يمكن الحفاظ عليها في بيئة تنافسية أكثر صعوبة.
الاختبار المقبل لـ”رسن”
كانت المرحلة الأولى من قصة “رسن” قائمة على اكتشاف الفرصة وبناء المنصة وتوسيع الأعمال. أما المرحلة المقبلة، فستدور على الأرجح حول سؤال أصعب: كيف تحافظ الشركة على موقعها عندما تصبح التقنية التي منحتها الأفضلية في البداية متاحة لعدد أكبر من المنافسين؟
فمن مؤسس يعمل في العمليات داخل شركة ناشئة، إلى رئيس مجلس إدارة شركة مدرجة تجاوزت قيمتها السوقية 10 مليارات ريال بعد الإدراج، بات الفلاج أمام مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي بدأ فيها قبل عقد من الزمن. فالسنوات المقبلة لن تكون اختباراً لقدرته على بناء النمو من نقطة الصفر، بل لقدرته على المحافظة عليه في سوق بات أكثر تنافسية وتطوراً، وأقل تسامحاً مع الشركات التي تتوقف عن الابتكار.
اقرأ أيضا: شروط وخطوات التقديم في شقق الإيجار التمليكي 2026 بالتفاصيل

