لَميا مكارم: من صلة رأْس المتن إِلى صالات عربية وعالمية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم تكُن تعلَم أَنَّ هوايتها الفنية، منذ الطفولة، ستحمل ريشتها لوحاتٍ مميَّزةً إِلى صالات عرضٍ كبرى في مدن وعواصم عربية وعالمية، وإِلى مشاركات لافتة بأَعمالٍ لها تتنوَّع بين اللوحات الفنية والأَشكال النحتية والخزَف والفسيفساء.
هكذا، خلال 30 سنة (منذ 1996) حتى اليوم، تتشكَّلُ مسيرة تشكيلية مشرقة للفنانة اللبنانية لميا غرزالدين مكارم.

اقرأ أيضا: زلزال البيرو… فيديو يوثّق الرعب أمام فندق؟ النهار تتحقق FactCheck

مطالعها العالية مع الكبار

إِذا كانت بداياتُها في محترف حيدر حموي وأُسلوبه، فاطِّلاعها اللاحق على أَعمال الكبار جذَبَ إِليها فضاءات جديدة غذَّت مخيِّلتَها الفنية الفتيَّة. وكانت ملاحظات وجيه نحلة مفيدة جدًا لها في تطوير عملها، وكذلك استئْناسها إِلى تقنية رؤُوف الرفاعي والتشكيلي العراقي محمود شُبَّر، والنحات بيار كرم. غنِمَت من الجميع، وانتقلت من مرحلة الهواية إِلى البدء بتكوين شخصية لها مستقلة تحمل اليوم بَصْمَتَها الخاصة.        

لَميا غرزالدين مكارم: الفن بحث دائم

من وجيه نحلة امتلكَت جرأَة اللون، وتمكَّنَت من حرية الحركة، والانفتاح على مساحات في القماشة البيضاء والفضاءات اللونية. وتأَنَّت أَكثر في البحث عن عُمق الفكرة، والقواعد الأَساسية الأَكاديمية، لإِيصال اللوحة إِلى المتلقي في قامتها الأَكمل. 

الفن هوية التعبير

مع غوصها في عالَم الريشة، راحت تثق أَكثر بما لديها من فسحات للتعبير عن ذاتها بالخطوط والأَلوان. وبات انفصالها إِلى محترفها دخولًا واسعًا إِلى متنفَّسٍ مريح، للتعبير عن خوالجها لا بالكلمات بل بالرسم الصامت الموحي أَكثر من التعابير اللفظية. عند هذه المرحلة لم يعُد الفن هوايةً بل التزامًا بالتواضع والاحترام، وبحثًا متواصلًا عن أَفضل السبل لتطوير الذات.

رأْس المتن بالفسيفساء

عند معالجتها الوجوه  والأَقنعة، ترسم مرآة الروح التي هي المدخل إِلى عمق المشاعر. فالملامح في الوجه تختزل الأَحاسيس الداخلية، وهذا ما ترمي إِليه عند رسمها كلَّ وجه. لذا تأْتي الأَقنعة، ولو على الوجوه الحاسرة، لتُخفي تلك الأَحاسيس. من هنا اعتنقت فكرة أَنَّ الفن ملاذُ الإِنسان ضدَّ كل ما هو افتراضي، لأَنه يعيد إِلى الحقيقة التي لا يمكن أَيُّ افتراض أَن يُقَنِّعها. ومن هنا أَن لوحتها دائمًا تدعو إِلى اكتشاف الذات لدى الفنان كما لدى المتلقّي.

الفكرة تفرض المادة

لا تكتفي بالأَلوان الزيتية. تذهب إِلى الفخَّار، إِلى الخزَف، إِلى الطين. وتجدُ فيه وجهًا من التحدِّي: كيف يمكن من المادة الجامدة إِخراجُ الحياة النابضة، وصياغة الروح في المادة. هكذا يصبح التعبير أَجدى لأَنه ينطلق من الجماد إِلى الحركة، وهنا علامةُ ما يمتلك الفنان من موهبة لقطف الحرية المطلقة من قيد المادة المكبِّلة، وعلى اختلاف المشاعر بين مادة وأُخرى (خزَف، طين، حجَر، …). لكُل مادة نبضُها الذي يشبهها في التعبير، ولا يمكن الارتجال بتعبيرٍ لِمادةٍ ليست له. صحيح أَن الفكرة هي ذاتها، لكن التعبير عنها يختلف بين مادة أَو بين واسطة وأُخرى.

محترَفُها عالَمُها الصغير الكبير

اقرأ أيضا: قفزة في أسعار الذهب في مصر وعيار 21 يسجل 6,625 جنيهًا

الفن أَرشيف الحضارة

اللون يستفزُّها، ويأْخذها إِلى عالِمه، حتى إِذا بلغَتْهُ تُطوِّر فيه من داخله لا من خارج المأْلوف فيه. وهنا سرُّ الإِبداع: الفن يحتاج دومًا إِلى ثقافة بصرية كي يصل إِلى المتلقّي. فالفن ذاكرة الوطن وأَرشيف الحضارات، خصوصًا حين الفنان يعطي المعلومة بصدق وشفافية. وها اليوم: اندثرت حضارات كثيرة، وبقيَت منها الآثار الفنية من أَنصاب وتماثيل وأَعمال فنية أُخرى قديمة لا تزال ماثلة في الحاضر وإِلى المستقبل. فالفن شاهد على عصره، ولا يحتاج ترجمة لكي يبلغ المتلقِّي. وإِذا الغرب يركز على التقنية لإِيصال الفكرة، يركِّزُ الشرق على الرموز والبُعد الإِنساني.

من لبنان إِلى العالَم

بهذا المنطق الواضح في اكتناه الفن ورسالته، بنُضج وبساطة وعمق وصدق مع الذات ومع المتلقي، بحثًا عن الذات في جوهر الفن، حملت لَميا غرزالدين مكارم لوحاتها إِلى ستة معارض شخصية في لبنان (بين 2009 و2021)، ومعرض في القاهرة (2018 – لدى نقابة الفنانين التشكيليين في الأُوبرا) وفي عمَّان (2025 – غالري شقير)، ومعارض جماعية ومُلْتَقيات ومنتديات فنية محلية ودولية (1996 – 2026 في لبنان ومصر والسعودية والأُردن وكندا وألمانيا (نورنبرغ وبرلين). ونالت من أَكثرها جوائز وتنويهات.

تُهدي الطين نبضةَ حياة

بهذا التنسُّك للفن في مختلف مواده ووسائط تعبيره، تُواصل لَميا غرزالدين مكارم رحلتها الفنية، كما تواصل مسؤُولياتها في بلدتها الجميلة رأْس المتن، نائبةً لـرئيسة “جمعية سيّدات رأْس المتن” (مؤَسِّسَتُها سنة 1986 ورئيستُها السيِّدة منى غزال)، إِلى كونها المسؤُولة الفنية عن “سمبوزيوم رأْس المتن للرسم والنحت”، وتشارك فيه كلَّ عامٍ بلوحاتها الخاصة.

لَميا غرز الدين مكارم، حملَت ريشتها من خُضرة صنوبرات رأْس المتن، طافت بها على عواصمَ عربية وعالِمية، وعادت متوَّجةً بنجاحٍ بات علامةً لبنانيةً لكل فنٍّ ينطلق من جوهر الرسالة التي يختصُّ بها كلُّ إِبداع لبناني.

اقرأ أيضا: الموعد والتشكيل المتوقع لمباراة أهلي جدة وأبها بالدوري السعودي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً