لبنان يلغي عقوبة الإعدام فهل نحافظ على هيبة العدالة ?

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}  

بقلم المحامية ميرنا حلبي

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – أمام مجلس الامن.. روسيا تطلق تحذيرا خطيرا بشأن اليمن وتوجه انتقادا لاذعا لـ التحالف العربي بقيادة السعودية

 

في خطوة تاريخية تحمل أبعاداً قانونية وإنسانية عميقة، أقرّ مجلس النواب اللبناني إلغاء عقوبة الإعدام، ليصبح لبنان أول دولة عربية تخطو نحو إلغائها تشريعياً. وإذا كانت هذه العقوبة لم تُنفّذ في لبنان منذ عام 2004، فإن إلغاءها اليوم من النص القانوني ينقل البلاد من واقع الامتناع عن التنفيذ إلى خيار تشريعي واضح: الدولة تعاقب، لكنها لا تقتل. هذه الخطوة تستحق التقدير، لأن إلغاء الإعدام لا يعني التساهل مع الجريمة، ولا الانتقاص من فداحتها، بل يعكس مفهوماً للعدالة يرفض أن يكون إنهاء حياة إنسان وسيلة للاقتصاص منه. فالحق في الحياة هو أصل الحقوق، والروح، في جوهر الإيمان، من الله الذي يهبها ويأخذها، ولا يملك الإنسان أن ينهي حياة إنسان آخر، مهما بلغت بشاعة الجريمة التي ارتكبها. لكن احترام حياة الجاني لا يعني التهاون في محاسبته. فبين الإعدام والإفلات من العقاب مساحة واسعة اسمها العدالة. ومن هنا، فإن السجن المؤبد الحقيقي يشكّل بديلاً أكثر اتزاناً عن عقوبة الإعدام في الجرائم الأشد خطورة. فالدولة لا تسلب الجاني حياته، لكنها تسلبه حريته مدى الحياة، وتحمله تبعة فعل ارتكبه بإرادته. وهكذا تُصان الحياة من جهة، ويُحفظ حق الضحية والمجتمع في القصاص القانوني والردع من جهة أخرى. غير أن المفارقة برزت مع إقرار قانون العفو العام في اليوم التالي، وما تضمّنه من تخفيض للعقوبة التي كانت تستوجب الإعدام إلى 28 سنة سجنية. وهنا يصبح النقاش ضرورياً، لأن الإشكالية ليست في معالجة اكتظاظ السجون، وهي أزمة حقيقية تستوجب حلولاً عاجلة، ولا في اعتماد مقاربة أكثر إنسانية لبعض العقوبات، بل في أن يؤدي التخفيض إلى الإخلال بمبدأ أساسي من مبادئ العدالة الجنائية: التناسب بين جسامة الجريمة وشدة العقوبة. فالقتل العمد لا يفقد فداحته بإلغاء الإعدام، وتهريب المخدرات والاتجار بها لا يفقدان خطورتهما على المجتمع لمجرد تغيير السياسة العقابية للدولة. وحين تتحول عقوبات الجرائم الأشد خطورة إلى مدد مؤقتة، يصبح مشروعاً التساؤل عمّا إذا كانت العقوبة ما زالت تحقق الغاية منها، وتحفظ الردع، وتعكس جسامة الفعل المرتكب. العدالة ليست انتقاماً، لكنها ليست تساهلاً أيضاً. وحقوق الإنسان لا تبدأ عند الجاني وتنتهي عنده؛ للضحية حقوق أيضاً، ولعائلتها حق في عدالة توازي حجم الفقد، وللمجتمع حق في قانون يحميه ويشعره بأن الاعتداء على حياة الإنسان وأمنه لن يصبح جريمة ذات كلفة محدودة. لذلك، فإن القيمة الحقيقية لإلغاء عقوبة الإعدام لا تكتمل إلا ضمن سياسة جنائية متوازنة: تحمي الحق في الحياة من دون أن تفرّط بحق الضحية، وتتبنى الرحمة من دون أن تضعف الردع، وتعالج اكتظاظ السجون بإصلاح القضاء والسجون وتسريع المحاكمات، لا بمجرد اختصار العقوبات في الجرائم التي تستوجب أقصى درجات المحاسبة. لقد اختار لبنان، بإلغاء عقوبة الإعدام، أن ينتصر للحق في الحياة وأن لا تقتل الدولة بأسم القانون. ويبقى التحدي أن ينتصر، في الوقت نفسه، لحق الضحية وهيبة القانون تلك هي العدالة التي تليق بلبنان . 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً