لبنان… الصراحة الفجة في التعبير عن رفض الآخر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

اللبنانيون كلهم على حق، هكذا يتهيأ لكل فرد فيهم ولكل مجموعة، حزبية أو طائفية أو طبقية. يبحثون عن مصالحهم الفردية جداً في إطار الجماعة، والجماعة أصبحت أخيراً الطائفة ممثلة بحزبها أو بمجموعة أحزابها ومراكز القوى السياسية والاقتصادية فيها. المسيحي يجد دولته في البطريركيات وفي “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” وأحزاب “الكتائب” والطاشناق  و”المردة” وما تبقى من “الوطنيين الأحرار”… وبعض الشخصيات النافذة والمتمولة. والشيعي يرى دولته في حركة “أمل” وفي “حزب الله”، والسني يبحث عن دولة موزعة بين دار الفتوى ودار الحريري وأخيراً نواف سلام، والدرزي يجد دولته في قصر المختارة و”الحزب التقدمي الاشتراكي”.

اقرأ أيضا: “ريال مدريد” العلامة التجارية الأعلى قيمة في كرة القدم

تشذ عن هذه القاعدة مجموعات العلمانيين المتناقصة أعدادهم وأصحاب مواقف متعارضة مع “الدول” سالفة الذكر، ومتمسكون بمبادئ حداثية تناقض كل التركيبة الطائفية والمصلحية السائدة.

ليس الصراع السياسي الدائر حالياً حول سلاح “حزب الله” وسيادة الدولة وقرار الحرب والسلم الَا وجهاً من وجوه التأزم السياسي الذي رافق الجمهورية منذ ولادتها عام 1920 بإعلان فرنسي أرضى المسيحيين وأغضب معظم المسلمين. هو صراع انفجر علناً منذ عام 2005، وإن كانت بعض الأوساط تستشعره قبل ذلك، لكنه طال كثيراً وتسبب بتداعيات كبيرة جداً على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية. 

حلول لا تدوم

نادرة هي الفترات التي عاشها لبنان من دون تأزم سياسي منذ حكمه أهله. منذ الاستقلال اختلفوا ولجأوا إلى الحلول الترقيعية لخلافاتهم بمساعدة خارجية غالباً، اجترح بشارة الخوري ورياض الصلح “ميثاقاً وطنياً” شفوياً توفيقياً بين مسيحية لبنان (وغربيته) وعروبته لم يمنع من اندلاع أحداث 1958 بين اتباع الهويتين.

صراع الانتماء والهوية ظهر بشكل أعنف في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 بعد حوادث هيأت لها بين الجيش وحزب “الكتائب” من جهة والمنظمات الفلسطينية من جهة أخرى. حرب تداخلت فيها العوامل الداخلية الطائفية والقومية والوطنية والتحررية والطبقية وكذلك العوامل الخارجية، العربية والإسرائيلية والأميركية، ولاحقاً الإيرانية. لم تكن فترة “السلام” بعد اتفاق الطائف وحتى 2005 تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري خالية من الصراع، لكنه كان صراعاً مضبوطاً بالقبضة السورية القوية التي ما إن انفكت بخروج الجيش السوري من لبنان حتى عاد البلد إلى طبيعته الأصلية: بلد معقد صعب الحكم، لا بل زادت عقده عقداً.

يكشف الصراع السياسي والهوياتي الحالي عن عمق الأزمة الوجودية في لبنان. لا خطوط حمر ولا اعتبار لعيش مشترك درج السياسيون والروحيون على التباهي به وهو تعبير مادي لا يعير اعتباراً لما هو أعمق ويشكل أساساً لوحدة المجتمعات وهو الحياة المشتركة المتضمنة معنى العيش والقيم الروحية والوحدوية والمصلحية التي يتضمنها. لبنانيون كثر باتوا أكثر صراحة في التعبير عن رغبتهم في عدم العيش مع لبنانيين من طوائف أخرى.

اقرأ أيضا: مواقيت الصلاة اليوم الجمعة 21 – 8 – 2026 في القاهرة والمحافظات

وهؤلاء من معظم الطوائف. ما كان مدعاة خجل ومداراة أصبح في مواقع التواصل وعلى شاشات التلفزيون المفتوحة لكل من هب ودب خطاباً يومياً مقبولاً. تفضيل دول خارجية على لبنان وإعلان الرغبة في الانتماء إليها والدفاع عن سياساتها وأطماعها وتدخلاتها باتت تمر باعتبارها حرية تعبير. هنا التباس كبير بين الحرية وبين اللاانتماء. ما كان مكنوناً في النفوس انفجر في لحظة ضائعة بين أن تكون لحظة صراحة فجة أو لحظة تنفيس عن أحقاد دفينة.

ليس موحداً

ليس لبنان موحداً، هذا تحصيل حاصل، لكنه أكثر من ذلك، بات متشظياً. الكلام الجميل عن الوحدة الوطنية لم يعد يقنع أحداً، ربما لأن مطلقيه ليسوا مقتنعين به أصلاً. الوحدة الوطنية شعور وجداني جواني يعبر عنه بالممارسة لا بالخطاب. لكن الممارسة صعبة والخطاب عابر ولم يعد يداري لا المشاعر ولا المصلحة الوطنية العامة. إنها أزمة وجودية يعبر عنها بشكل متواصل في مواقع التواصل حيث ضاعت الحدود بين المسموح به والممنوع، بين الأخلاقي والسوقي، بين الوطني والملتبس الانتماء.

أخطر ما في الأزمة السياسية اللبنانية الحالية أن الطبقة السياسية اللبنانية تعرف كل ذلك وتغذيه فبزواله يزول مبرر بقائها ممسكة بتلابيب هذا البلد وأهله.

اقرأ أيضا: الولايات المتحدة – إيران: الحرب الباردة في المنطقة!

‫0 تعليق

اترك تعليقاً