iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
انتقل الخلاف التجاري بين كندا والولايات المتحدة من المساومات المغلقة إلى مواجهة جمركية مباشرة. بعدما فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المئة على سلع كندية قيمتها 27.6 مليار دولار كندي، أي نحو 20 مليار دولار أميركي، أعلنت أوتاوا رداً “دولاراً بدولار ونسبةً بنسبة”، يشمل رسوماً تصل إلى 50 في المئة على مئات المنتجات الأميركية.
اقرأ أيضا: الجماهير تحسمها.. عودة بنزيما إلى الاتحاد بشرط
لكن المواجهة لا تزال محسوبة. لم تستهدف الحكومة الكندية صادرات الطاقة، أو تتخذ قراراً بتقييد صادرات الكهرباء أو المعادن الحرجة عن الولايات المتحدة، بل ركزت على منتجات يمكن استبدالها محلياً أو استيرادها من بلدان أخرى، وعلى سلع تأتي من ولايات تريد أوتاوا الضغط عليها سياسياً. وفي المقابل، هدد الرئيس دونالد ترامب بتوسيع الحرب إلى السيارات والشاحنات وقطع الغيار الكندية في مطلع عام 2027، ما قد ينقل النزاع المحدود إلى قلب سلاسل الإنتاج في أميركا الشمالية.
بدت واشنطن وأوتاوا قريبتين من اتفاق يخفض الرسوم الجمركية الأميركية على السيارات الكندية والمركبات الخفيفة من 25 في المئة إلى 15 في المئة، وعلى الصلب والألمنيوم من 50 في المئة إلى 25 في المئة. وفي المقابل، أبدت حكومة رئيس الوزراء مارك كارني استعدادها لخفض ما تبقى من رسومها الانتقامية على القطاعات نفسها، وتشجيع المقاطعات على إعادة المشروبات الأميركية إلى متاجرها، واتخاذ خطوات إدارية تتصل بحصص منتجات الألبان، من دون التخلي عن نظام حماية المنتجين الكنديين. لكن الخلاف استمر حول المركبات المتوسطة والثقيلة، والأخشاب اللينة، وقواعد احتساب المكونات الأميركية في السيارات.
رسوم أميركية بقانون من ثلاثينات القرن الماضي
استخدم ترامب المادة 338 من قانون التعرفات لعام 1930 لفرض رسوم تصل إلى 50 في المئة على النبيذ والأثاث ومنتجات الألبان والإسمنت والملابس ومعدات الصيد والسلع الرياضية وغيرها. ولا تستفيد المنتجات المشمولة من المعاملة التفضيلية بموجب الاتفاقية الأميركية- الكندية- المكسيكية.
تطاول الرسوم ما يزيد قليلاً عن خمسة في المئة من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة. لذلك لا يُتوقَّع أن تؤدي الحزمة وحدها إلى انهيار الاقتصاد الكندي، لكنها قد تحدث أضراراً شديدة ومركزة في صناعات مثل الأثاث والخزائن الخشبية والملابس وبعض المنتجات الزراعية.
وتضاف هذه الرسوم إلى إجراءات أميركية قائمة على الصلب والألمنيوم والأخشاب والسيارات. كذلك هدد ترامب بزيادة الرسوم على السيارات والشاحنات وقطع الغيار كلها الآتية من كندا إلى 50 في المئة اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير 2027.
700 منتج أميركي على قائمة الرد
تدخل الإجراءات الكندية حيز التنفيذ عند الساعة 12:01 صباح الثامن من أيلول/سبتمبر. وتغطي سلعاً أميركية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، تمثل نحو 4.5 في المئة من واردات كندا من الولايات المتحدة، وفق أرقام التجارة لعام 2024.
وتفرض أوتاوا رسوماً بثلاث نسب. تبلغ النسبة 50 في المئة على بعض منتجات الصلب والألمنيوم التي كانت تخضع سابقاً لرسم 25 في المئة، إضافة إلى الأثاث والملابس. وتبلغ 25 في المئة على الأجهزة المنزلية والأجبان ومنتجات الألبان والأسماك والمأكولات البحرية وبعض مشتقات المعادن، فيما تبلغ 15 في المئة على الإلكترونيات والأدوات وبعض الآلات والمعدات.
وتشمل القائمة، التي تضم نحو 700 بند جمركي، الأغذية المصنّعة والعطور ومستحضرات العناية والبلاستيك والأخشاب ولب الورق والمنتجات الورقية والسجاد والآلات الزراعية ومعدات السكك الحديد والدراجات النارية والألعاب.
ولا تلغي هذه الحزمة الرسوم الكندية السابقة، إذ تستمر الإجراءات على السيارات الأميركية، فيما ترتفع النسبة على بعض منتجات الصلب والألمنيوم من 25 في المئة إلى 50 في المئة. ولا يجوز جمع قيمة الحزمة الجديدة آلياً مع جميع الإجراءات القديمة، لأن بعض البنود متداخل وجرى رفع رسمه بدلاً من فرض رسم جديد منفصل.
7.5 مليارات دولار لتخفيف الضرر
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – رابطة حقوقية تندد بإحالة موظفين أمميين ومعتقلين لمحاكمات حوثية في صنعاء
تعرف أوتاوا أن الرسوم لا يدفعها المصدّر الأميركي مباشرة، بل يسددها المستورد الكندي عند الحدود، قبل أن تتوزع تكلفتها بين الشركات والمستهلكين والمصدّرين الأميركيين الذين قد يضطرون إلى خفض أسعارهم. وقد أقر كارني أن الإجراءات ستزيد أسعار بعض السلع وتقلص الخيارات المتاحة. لذلك أعلنت الحكومة حزمة دعم جديدة قيمتها 7.5 مليارات دولار كندي، أي نحو 5.4 مليارات دولار أميركي، تضاف إلى قرابة 25 مليار دولار كندي من البرامج المقدمة منذ بداية المواجهة.
وقد تفيد الرسوم بعض المنتجين الكنديين لأنها ترفع أسعار منافسيهم الأميركيين، لكنها تضر المستوردين وتجار التجزئة والمصانع التي تعتمد على مكونات أميركية. وقد تظهر آثارها في أسعار الأجهزة والأثاث والملابس والأجبان والأدوات الصناعية. في المقابل، قد تخسر الشركات الأميركية جزءاً من السوق الكندية أو تضطر إلى خفض أسعارها. ويصبح الضرر أخطر في صناعة السيارات، إذ تعبر المكونات الحدود مرات عدة قبل اكتمال المركبة. لذلك قد يتراكم الرسم داخل سلسلة الإنتاج، فيرفع التكلفة على مصانع البلدين وعلى المستهلك النهائي.
ولا يزال الأثر المباشر للحزمة محدوداً نسبياً، إذ تغطي الرسوم الكندية نحو 4.5 في المئة من واردات كندا من الولايات المتحدة، بينما تطاول الرسوم الأميركية ما يزيد قليلاً على 5 في المئة من الصادرات الكندية إلى السوق الأميركية. لكن الخطر الأكبر يأتي من عدم اليقين: شركات تؤجل الاستثمار، ومصانع تزيد مخزونها، ومستوردون يبحثون عن موردين بدلاء، وأسواق تخشى تحول الرسوم الموقتة إلى جدار دائم.
معركة على مستقبل التجارة القارية
رفضت إدارة ترامب تمديد الاتفاقية الأميركية- الكندية- المكسيكية بصيغتها الحالية خلال مراجعة عام 2026. ولا يعني هذا الرفض انتهاء العمل بها فوراً، إذ تبقى الاتفاقية قائمة حتى عام 2036 ما لم تتفق الدول الثلاث على تعديلها أو تمديدها. لكنه يبدأ عدّاً تنازلياً يضعف قدرة الشركات على التخطيط لاستثمارات تمتد سنوات.
الرد الكندي، إذن، ليس “خياراً نووياً”، بل عملية انتقام مدروسة: رسوم مساوية لجهة القيمة والنسبة، واستهداف سياسي للسلع والولايات، وحزمة دعم لحماية الشركات والعمال، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط أشد حساسية من دون استخدامها اتحادياً حتى الآن.
لكن تهديد السيارات ومستقبل اتفاقية أميركا الشمالية يجعلان الأزمة أخطر من قائمة السلع الحالية. فما يجري لم يعد خلافاً على الأجبان والأثاث ومعدات الصيد، بل اختبار لما إذا كانت سوق إنتاجية بُنِيت عبر الحدود طوال عقود قادرة على البقاء، في زمن تحولت فيه الرسوم الجمركية من أداة تفاوض إلى سياسة اقتصادية شبه دائمة.
