جمال العتّابي
لماذا نعلّق على جدران بيوتنا رسوماً ولوحات، في الوقت الذي تكفينا فيه نافذة واحدة لنرى العالم كما هو: المارّة، الأشجار، الضوء، والوجوه العابرة؟ ولماذا نمنح اللوحة مكاناً في حياتنا، ونحيطها بعناية لا نمنحها بالضرورة لمشهد طبيعي مكتمل أمام أعيننا؟
قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تفتح باباً واسعاً على جوهر الفن ووظيفته. فالإنسان لم يتعامل مع الفن بوصفه زينة منذ أن خطّ رسومه الأولى على جدران الكهوف، كان يحاول، منذ تلك اللحظة البعيدة، أن يضيف إلى العالم ما لا يستطيع العالم المرئي أن يقوله وحده. كانت الصورة الأولى محاولة لاستبقاء الغائب، واستحضار الخفي، وتحويل التجربة العابرة إلى أثر قابل للتأمل.
لهذا لا يمكن النظر إلى تاريخ الفن بوصفه تاريخاً لتطور الأشكال والأساليب فقط، بل هو أيضاً تاريخ لتبدل الرؤية الإنسانية. فالإنسان لا يرى الأشياء بعينيه وحدهما، إنه يراها من خلال ذاكرته، وخياله، ومخاوفه، ورغباته، وتجربته في الحياة. ومن هنا جاءت قيمة الفن: إنه لا يكتفي بنقل المرئي، بل يعيد بناءه من الداخل.
لقد تغيّر دور الفن مع تغيّر الحياة. لم يعد الفنان في عصرنا معنياً بتسجيل الشكل الطبيعي أو محاكاة الأشياء كما تظهر للعين. فالكاميرا استطاعت أن تلتقط التفاصيل الخارجية بسرعة ودقة، وأصبحت الصورة الفوتوغرافية قادرة على القيام بما كان الرسم الواقعي يسعى إليه زمناً طويلاً. عند هذه النقطة كان على الفن أن يبحث عن مجاله الآخر: ما الذي تستطيع اللوحة أن تقوله ولا تستطيع الآلة أن تقوله؟
هنا بدأت رحلة الفن الحديث إلى الداخل.
لم يعد الشكل غاية نهائية، بل صار وسيلة للكشف. ولم تعد العين تبحث عن الأشياء في سطحها الخارجي، وإنما تحاول أن تنفذ إلى ما وراءها. لذلك يمكن أن تتخلى اللوحة عن التشابه المباشر مع الواقع من دون أن تتخلى عن صلتها بالحقيقة. فالخط واللون والكتلة والفراغ والإيقاع ليست عناصر شكلية محايدة، إنها أدوات للتعبير عن حالات وتجارب ومشاعر يصعب اختزالها في صورة مطابقة للمرئي.
من هنا يمكن فهم العبارة التي ترى أن لكل إنسان “عيناً خفية” إلى جانب عينه الظاهرة. العين الأولى تنظر إلى الأشياء، أما الثانية فتتساءل عمّا وراء الأشياء.. لقد كان الإمام عمر السهروردي سابقاً لهذه النظرات التأملية، بالقول:
الناس يقولون: افتحوا عيونكم وابصروا، وأنا أقول: اغمضوا أعينكم وابصروا.
بهذه العين الثانية يبدأ الفن.
إن الفنان الحقيقي لا يقف عند حدود ما تراه العين العادية. إنه ينظر إلى الأشياء بوصفها علامات وإشارات. لهذا يصبح العمل الفني مساحة للحوار بين ما نراه وما نتخيله، بين الصورة الظاهرة والدلالة الكامنة.
ولعل هذا ما يجعل اللوحة الناجحة قادرة على منح المشاهد أكثر من إجابة. إنها لا تقدم له معنى مغلقاً، وإنما تفتح أمامه باباً للتأويل. فالفن، في جوهره، لا يشرح الأشياء كما تفعل المقالة أو الوثيقة، وربما كانت قيمة العمل الفني في مقدار الأسئلة التي يوقظها فينا، لا في عدد الأجوبة التي يقدمها.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا لا تكون مهمة الفنان محاورة الطبيعة؟. فالمحاكاة الحرفية للطبيعة ليست دائماً فناً، قد تكون مجرد براعة تقنية. أما الفن فيبدأ عندما يتحول ما تراه العين إلى تجربة شخصية، وعندما يصبح الواقع مادة لإعادة التشكيل والكشف.
في هذا السياق تتضح أهمية الخيال. هو ليس هروباً من الواقع، كما يبدو لأول وهلة، بل هو إحدى وسائل الوصول إلى الحقيقة.
إن اللوحة التي تثير فينا الدهشة لا تفعل ذلك لأنها غريبة فحسب، وإنما لأنها تجعلنا نرى المألوف للمرة الأولى. وهذا هو أحد أسرار الفن الكبرى: أن يعيد إلى الأشياء دهشتها التي أفقدتها العادة.
لقد تحدث كبار الفنانين والمفكرين عن ضرورة أن تكون للفنان رؤية تتجاوز العين المباشرة. وهذه الرؤية لا تولد من التقنية وحدها، بل من الثقافة والتجربة والحساسية والقدرة على التأمل. فالفرشاة لا تصنع فناناً، كما أن الألوان وحدها لا تصنع لوحة. ما يصنع الفن هو ذلك التوتر الخلاق بين اليد والعين والذاكرة والوعي.
لهذا لم يعد الفن الحديث معنياً بإعادة إنتاج العالم، وإنما بإعادة اكتشافه. إنه يزيح الستار عن الأشياء المألوفة، ويعيد ترتيب علاقتنا بها، ويمنحها احتمالات جديدة للمعنى. ومن هنا تأتي حاجتنا إلى اللوحة، حتى ونحن نعيش في عالم تغمره الصور من كل جانب.
نحن لا نعلّق اللوحات على الجدران لأننا عاجزون عن رؤية العالم من النوافذ، بل لأن النافذة تمنحنا العالم كما هو، بينما تمنحنا اللوحة فرصة لرؤيته بعين أخرى.
تلك هي عين الرؤيا: العين التي لا تكتفي بأن ترى، بل تسأل، لا تكتفي بأن تعرف الشكل، بل تبحث عن سره، ولا تقف عند حدود الأشياء، وإنما تحاول أن ترى ما وراءها.
The post في العين الثانية يبدأ الفن appeared first on جريدة المدى.
اقرأ أيضا: المشهد الدولي – الإمارات تدين الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في سوريا
