جريدة الغد
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده جاكوب جودة تساءل فيه عن مصير القواعد الأمريكية في الخليج المتضررة من الحرب مع إيران وإن كانت تستحق الإصلاح أو إعادة البناء.
ويأتي الحديث هذا مع أن الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، ارتكز وخلال العقود الأربعة الماضية على هذه القواعد الممتدة على طول الخليج. لكن الهجمات الإيرانية وخلال الأشهر الستة الماضية ألقت بظلال الشك جول ضرورة وجودها ومستقبل هذه القواعد.
وأظهرت هجمات طهران بصواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيرة، مدى هشاشة هذه المنشآت الضخمة نظرا لقربها الشديد من السواحل الإيرانية. وأجبرت الجمهورية الإسلامية واشنطن على نقل جنودها وطائراتها إلى إسرائيل ومناطق أبعد.
وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة طالما تمتعت على مدى العقود الثلاث الماضية، بإمكانية الوصول إلى قواعد في جميع دول الخليج. وعليها الآن أن تقرر ما إذا كانت ستنفق مليارات الدولارات لإعادة بناء هذه المنشآت أو إعادة النظر في وجودها العسكري في الشرق الأوسط لمواكبة العصر الجديد.
ونقلت الصحيفة عن هال براندز، الباحث في جامعة جونز هوبكنز قوله: “هذه المنشآت، ولا سيما القواعد الكبيرة، شديدة الهشاشة وسنشهد إعادة توزيع للوجود العسكري الأمريكي بعيدا عن الخليج العربي. وسيتم نقله بعيدا عن القواعد التي تقع ضمن مدى الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيرة”.
ففي ظل إعادة البنتاغون تقييمه لكيفية محاربة الخصوم، فإن القواعدة العسكرية الكبيرة والثابتة لم تعد مهمة في التخطيط لعمليات الانطلاق وإمداد العمليات القتالية. وفي الوقت الحالي تفضل واشنطن تبني نموذجا للانتشار أكثر تشتتا يجعل من استهداف القوات الأمريكية صعبا.
وأعاد هذا التقييم الجديد، المطالب بتخفيض الوجود العسكري في الخليج، والذي ظل تجسيدا عسكريا لما بدأ كاتفاقية نفط مقابل أمن بين واشنطن وحلفائها الإقليميين.
وأشارت الصحيفة إلى أن القيادة المركزية الأمريكية، المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، بدأت في الآونة الأخيرة بتجربة نشر الجنود في مواقع قتالية أصغر حجمًا، ونقل الطائرات المقاتلة بسرعة عبر مدارج هبوط وإقلاع مؤقتة.
وعلقت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، أن التصميم المكشوف لقواعد الخليج هو إرث تقليدي لا يتناسب مع الصراعات الحديثة: “بإمكاننا القيام بشيء أكثر مرونة وسرعة”، وأضافت: “سيشعر أولئك الذين سعوا لإخراجنا من هذه القواعد بأنهم قد حققوا مبتغاهم”.
فمن بين المخاوف المتعلقة بالقواعد في الخليج حجم البنية التحتية المكشوفة فوق سطح الأرض. فقد استهدفت إيران حظائر الطائرات وخطوط الإمداد وشبكات الرادار ومراكز القيادة والتحكم خلال العمليات العسكرية. وقد أجبر ذلك الأسطول الخامس على استخدام جزيرة دييغو غارسيا النائية كمركز إمداد مؤقت لمقره المتضرر في البحرين.
ويرى نيت سوانسون، المدير السابق لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أنه “لا جدوى من إعادة بناء بعض هذه المواقع، وسأندهش كثيرا إن لم يحدث تصعيد غربي”.
وتشير الصحيفة إلى تقديرات معهد “أمريكان إنتربرايز” في واشنطن، والذي قيم في نيسان/أبريل تكاليف إصلاح الأضرار التي لحقت بـ11 قاعدة أمريكية موزعة على سبع دول في الشرق الأوسط بنحو 5 مليارات دولار. ولم يدرج البنتاغون تكاليف إعادة الإعمار هذه ضمن تقديراته لتكاليف الحرب مع إيران.
وقامت الولايات المتحدة وخلال الأشهر الستة الماضية بنقل قواتها إلى إسرائيل، كما سيّرت مقاتلات وطائرات مسيرة من قواعد في أوروبا، وتظل جميعها خارج نطاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قصيرة المدى التي أُطلقت في أنحاء المنطقة.
ومع ذلك، ترى إيران التي زادت جرأتها أن المواجهة طويلة الأمد مع واشنطن باتت حتمية، وعليه ستتكيف مع تحركات الولايات المتحدة.
ويتوقع داني سيترينوفيتش، المحلل السابق لشؤون إيران في المخابرات العسكرية الإسرائيلية أن تستثمر طهران أكثر في صواريخ متوسطة المدى قادرة على ضرب إسرائيل. وأضاف: “سيغيرون من هيكل قواتهم. وسيواصلون البحث”.
اقرأ أيضا: موعد مباراة مانشستر سيتي وبورنموث في الدوري الإنجليزي والقناة الناقلة
ومع سعي الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة إلى الانسحاب من الشرق الأوسط وإعادة تركيز جهودها على المحيط الهادئ، تراجعت الحاجة إلى الإبقاء على مجموعة من القواعد في الخليج لتمركز الجنود وإمدادهم. وانسحبت واشنطن من سوريا في نيسان/أبريل 2026، وهي بصدد تقليص وجودها تدريجيا في العراق بعد هزيمة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية. وقالت سترول: “لم نعد بحاجة إلى هذه القواعد بنفس الطريقة السابقة”.
ودعمت العديد من العمليات في الكويت، حيث يعكس وجود القاعدة الأمريكية مخاوفها الأمنية منذ حرب الخليج الأولى، عمليات في سوريا والعراق المجاورتين. ومن هنا فإن أي إعادة نظر في هذا الأمر ستؤثر أيضا على عدد الجنود المتمركزين في الخليج. ففي العادة، يتناوب نحو 35,000 جندي على القواعد في السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت في أي وقت. ويرجح ثلاثة من الاستراتيجيين الدفاعيين الأمريكيين السابقين أن ينخفض هذا العدد إلى مستويات لم نشهدها منذ ما قبل غزو العراق عام 2003.
وتقول الصحيفة إن الولايات المتحدة ستواجه، مع ذلك، معضلة استراتيجية تتعلق بكيفية تخفيض وجودها بالخليج بدون أن تشجع إيران أو تثير قلق حلفائها. وتطورت اتفاقية النفط مقابل الأمن مع الحلفاء الإقليميين على مر العقود، وتزايدت جهود بعض دول الخليج لتنويع علاقاتها الأمنية خارج واشنطن. إلا أن الحرب الإيرانية أجبرت جميع الحلفاء على إعادة النظر في ما يحتاجه الالتزام الأمريكي للدفاع عنهم.
ويعلق براندز من جامعة جونز هوبكنز: “هذا وضع تتعارض فيه الضرورات العسكرية والدبلوماسية ويجب دحض الانطباع السائد بأنك تنسحب دون تحقيق أهدافك”.
وعليه أكدت سترول على ضرورة بناء توازن بين المتطلبات العملياتية الأمريكية وبين التزامات واشنطن تجاه شركائها في الخليج. وأشارت إلى أهمية تقييم الأصول والوجود العسكري لدعم أمن دول الخليج و”من المهم تجنب الانطباع بأننا نتخلى عنهم”.
وتقول الصحيفة إن وراء الحديث عن مستقبل البنى العسكرية الأمريكية، قلق استراتيجي أعمق ناجم عن المواجهة مع إيران. فقد بدأ الوجود الأمريكي في الخليج بالظهور في السنوات التي أعقبت الغزو السوفيتي لأفغانستان والإطاحة بشاه إيران عام 1979.
وفي كانون الثاني/يناير 1980، وضع الرئيس آنذاك جيمي كارتر ما عرف لاحقا باسم “عقيدة كارتر”: وهو أن واشنطن لن تسمح لدولة معادية بالسيطرة على الخليج وستواجهها بالقوة. وتلا ذلك توسع هائل في القواعد الأمريكية الدائمة بعد هزيمة العراق خلال حرب الخليج الأولى. وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى، قام الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب بتوسيع نطاق القواعد الأمريكية الدائمة بشكل كبير.
وقال غريغوري برو، المؤرخ والمحلل في مجموعة أوراسيا: “يبدو أن عقيدة كارتر قد انهارت”، مضيفا أن هناك شعورا بأن واشنطن قد عادت إلى نقطة البداية، فقد “أجبرت الثورة الإسلامية على تبني عقيدة كارتر، وكانت الحرب مع إيران هي التي أدت إلى انهيارها”.-(وكالات)
اقرأ أيضا: التضحية بجولر واختفاء فينيسيوس.. أداء متباين لنجوم الريال أمام إسبانيول
