غياب الكلية ونقص التدريسيين يهددان مستقبل الفنون الجميلة في الأنبار

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 الأنبار/ ستار شافعي

تواجه معاهد الفنون الجميلة في الأنبار تحديات متراكمة، يتصدرها غياب كلية متخصصة ونقص الكوادر التدريسية والتجهيزات والمستلزمات الفنية، ما يحد من تطور المواهب، ويدفع بعض الخريجين إلى مغادرة المحافظة لإكمال دراستهم، فيما يحذر مسؤولون في المعاهد من أن استمرار نقص التدريسيين قد يهدد الدراسة فيها خلال السنوات المقبلة. ويقول مدير الإعداد والتدريب في معهد الفنون الجميلة سعد ستار القيسي، خلال حديث لـ(المدى)، إن «واقع المعهد مزرٍ»، مشيرا إلى «وجود إهمال كبير من الحكومة، رغم طرق أبواب أكثر من جهة، بينها مجلس المحافظة والمحافظة، من دون جدوى».
ويضيف القيسي أن «مديرية التربية ساعدت المعهد بالممكن، لكن الوضع بشكل عام تعبان جدا»، مبينا أن أبرز المعوقات تتمثل في التدهور الشديد في البنية التحتية، التي وصفها بأنها «تحت المتوسطة»، فضلا عن غياب المستلزمات الفنية. ويشير إلى أن المعهد يحتاج إلى ورش فنية ومستلزمات متخصصة، بينها ما يتعلق بأعمال الجلود والطرق عليها والطرق على النحاس، مؤكدا أن هذه المستلزمات غير متوفرة.
ويربط القيسي المشكلة بالتخصيصات المالية، موضحا أن المعهد لا يمتلك تخصيصا ماليا من الوزارة، فيما تقدم مديرية التربية ما تستطيع ضمن إمكانياتها.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، يؤكد أن إجراءات الالتحاق بالمعهد تتم بانسيابية، وأن هناك طلابا وطالبات مبدعين ومحبين للمعهد، يلتحقون به بهدف تطوير أنفسهم والرغبة في أن يصبحوا فنانين. ويشير في الوقت نفسه إلى أن النظرة المجتمعية لا تزال تمثل تحديا، خصوصا أن الأنبار تعد من المحافظات المحافظة.
ويقول القيسي إنه التقى، خلال مشاركته في إحدى الورش في أربيل، المدير العام لمديرية الإعداد والتدريب في وزارة التربية وصال الدوري، التي سألته عن الطلبة، فأجابها: «والله أريد أفتح معهد في الرمادي وبالفلوجة للبنات، عدنا بس بنين». ويضيف أن المخطط كان يتضمن فتح معهد في الرمادي، وآخر في القائم، وثالث في حديثة، إلا أن المشكلة تتمثل في ضوابط الوزارة التي تشترط وجود مدرسين ومدرسات من خريجي أكاديمية الفنون الجميلة، مؤكدا أن الأنبار تفتقد هذه الكفاءات، وأن أعداد المتوفرين منها قليلة جدا. وفي ما يتعلق بإقامة المعارض والمشاركات الفنية، يقول القيسي إن «التهميش موجود صراحة»، وإن المشاركات قليلة، خصوصا خارج المحافظة، بسبب عدم توفر الدعم.
ويبين أن المشاركة خارج الأنبار تحتاج إلى إيفاد وإقامة ومستلزمات أخرى، فيما تتطلب إقامة المعارض مبالغ مالية، بينما «التدريسي أو الفنان على قد حاله»، بحسب تعبيره.
ويشير إلى بدء ظهور لمسات فنية في المحافظة، يمكن ملاحظتها في جوانب المعهد وعلى الشارع الرئيسي في الرمادي والفلوجة، موضحا أن الطلاب بدأوا بإظهار أعمال لم تكن موجودة سابقا في المحافظة، ما أسهم في تنمية المواهب، إلا أن استمرار ذلك يحتاج إلى دعم مادي.
ولا تقتصر المشكلة على الأبنية والتجهيزات، إذ يشير القيسي إلى أن ضوابط الوزارة تجعل الطالب يتحمل جميع مصاريفه، موضحا أن الطالب مطالب بتوفير أدوات الرسم والإطار ومواد الرسم والقماش وغيرها من المستلزمات، وهو ما يشكل عبئا على بعض العائلات.
ويشدد على الحاجة إلى إعادة تأهيل المعاهد، خصوصا معاهد الرمادي، كما يؤكد ضرورة إعادة تأهيل المسرح، موضحا أن المعهد لا يستطيع فتح قسم للمسرح لعدم وجود مسرح يتدرب عليه الطلبة. ويبين أن قاعة المسرح موجودة وجاهزة، لكنها تحتاج إلى إعادة تأهيل وتجهيز بالكراسي والمستلزمات، حتى يتمكن المعهد من التوسع في الأقسام.
ويطالب القيسي بدعم الحكومة المحلية والحكومة المركزية والوزارة، مؤكدا أن المعهد يضم طلابا موهوبين جدا، لكنهم لا يحصلون على الدعم الكافي. ويشير إلى وجود حالات تلقى فيها طلاب وطالبات مساعدات شخصية، بينها تبرعات من أفراد، إلا أنها حالات قليلة جدا.
ويضم المعهد، بحسب القيسي، اختصاصات الخط والزخرفة والفنون التشكيلية، فيما لا يوجد قسم للموسيقى لعدم توفر تدريسيين متخصصين.
ويضيف أن طبيعة الأنبار المحافظة تمثل عاملا آخر، إذ إن فتح قسم للموسيقى قد يواجه صعوبات اجتماعية، متسائلا: «في مجتمع الرمادي أو الفلوجة وتقول أجي أفتح قسم موسيقى، من يخلي بنته تدخل قسم الموسيقى؟ فصعب جدا».
ويؤكد أنه لم تتم المطالبة بفتح قسم للموسيقى، رغم وجود مواهب موسيقية كبيرة في الأنبار، انتقل عدد منها إلى محافظات أخرى لصقل مواهبهم وإكمال دراستهم. ويرى أن بالإمكان تنظيم محاضرات ودروس في الموسيقى ضمن المواد الأخرى، سواء في اختصاصات الخط أو الزخرفة أو الفنون التشكيلية.
ويؤكد القيسي أن المحافظة بحاجة إلى افتتاح أكاديمية للفنون الجميلة أو قسم للتربية الفنية في جامعة الأنبار، مبينا أن مشكلة الكوادر التدريسية أصبحت تهدد استمرار الدراسة في المعهد.
ويوضح أن عدد التدريسيات في معهد البنات بالرمادي انخفض إلى ثلاث فقط، وأنهن أصلا من بغداد ومتزوجات في الرمادي، وقد خرجن جميعا إلى التقاعد.
ويبين أنه «بعد سنتين سيكون من الصعب العثور على تدريسية للمعهد، ما قد يضطرهم إلى إيقاف الدراسة»، مشيرا إلى أن معهد البنين يعاني المشكلة ذاتها، إذ لا يوجد فيه سوى أربعة أو خمسة تدريسيين تقريبا، فيما سيحال اثنان منهم إلى التقاعد أيضا. ويرى أن فتح قسم للتربية الفنية أو أكاديمية للفنون الجميلة سيساعد في تطوير الحركة الفنية والثقافية في المحافظة، سواء افتتح في جامعة الأنبار أو جامعة الفلوجة.
ويوضح أن الأنبار تضم معهد فنون جميلة للبنين والبنات في الرمادي، ومعهد فنون جميلة للبنين والبنات في الفلوجة، ويكشف عن تحرك لفتح معهد فنون جميلة مختلط في قضاء عانة، بعد اكتشاف وجود نحو ثمانية إلى تسعة خريجين وخريجات من أكاديمية الفنون الجميلة في القضاء. ويبين أن كتابا قدم إلى الوزارة بهذا الخصوص، وأن الحصول على الموافقة «بات مسألة وقت».
من جانبه، يقول مدير قسم الإعلام والاتصال الحكومي في جامعة الأنبار أحمد الراشد، خلال حديث لـ(المدى)، إن الجامعة رغبت خلال سنوات سابقة في افتتاح قسم للفنون، على أن يتطور لاحقا إلى كلية، موضحا أن الجامعة كان لديها في وقت سابق نحو اثنين من الأساتذة يحملون شهادة أكاديمية في الفنون الجميلة. ويضيف أن المشكلة تتمثل في عدم وجود الكفاءات الأكاديمية المطلوبة، مشيرا إلى وجود كفاءات فنية في المحافظة، إلا أن الكفاءات الأكاديمية المتخصصة غير متوفرة.
ويشير إلى أن تعليمات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تشترط عند افتتاح القسم وجود ثلاثة بدرجة أستاذ واثنين بدرجة أستاذ مساعد، أي خمسة أساتذة، مؤكدا أن الجامعة لا تمتلك هذا العدد، ولذلك لا تستطيع افتتاح القسم.
ويؤكد الراشد أن غياب كلية متخصصة بالفنون يؤثر على اكتشاف المواهب الفنية، مشيرا إلى وجود مواهب فنية كثيرة وكبيرة في محافظة الأنبار، إلا أن أصحابها يلجأون إلى بغداد لإكمال الدراسة الأكاديمية في أكاديمية الفنون الجميلة أو كلية الفنون الجميلة.
ويشير إلى وجود فرع لنقابة الفنانين في الرمادي، مبينا أن الجامعة حاولت التواصل مع الفرع لجلب كفاءات أكاديمية إلى جامعة الأنبار، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
ويؤكد أنه لا توجد أقسام فنية أكاديمية حاليا في جامعة الأنبار، مشيرا إلى أن النية كانت تتجه إلى افتتاح قسم للرسم والفنون في كلية التربية الإنسانية، لكن عدم توفر الكفاءات الأكاديمية حال دون ذلك. ويطالب الراشد بأن تلتفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى الجامعة في مجال التخصصات الأكاديمية الفنية، بهدف تأسيس قسم ومن ثم استحداث كلية للفنون الجميلة.
ويؤكد أنه عند توفر الكفاءات الأكاديمية والعلمية المطلوبة، ستكون الجامعة سعيدة باستحداث كلية للفنون الجميلة، معتبرا أن ذلك سيكون استحداثا «نوعيا» ويجلب الكثير من المواهب الشابة التي تتطلع إلى الدراسة الأكاديمية.
إلى ذلك، يقول خالد عدنان، أحد طلبة معهد الفنون الجميلة، خلال حديث لـ(المدى)، إن تخصص الفنون الجميلة في الأنبار يعاني الإهمال المجتمعي بسبب الاعتقاد بأنه «ما بي مستقبل»، مشيرا إلى أن بعض الأهالي يعتقدون أن أبناءهم لن يحصلوا على شيء من دراسته.
ويقول عدنان إن الفنون الجميلة تخرج مواهب تفيد المجتمع، موضحا أنه اختار قسم الفنون التشكيلية بسبب وجود مواد يرى أنها مفيدة، من بينها مادة المنظور، إضافة إلى مواد أخرى لا تقتصر فائدتها على مجال الفنون الجميلة.
ويضيف أنه لم يعان من موقف أسرته تجاه التخصص، لأنه يرى أن الإنسان أصبح قادرا على اتخاذ قراره بشأن مستقبله.
ويشير إلى أن الأدوات المطلوبة في المعهد يتحمل الطلبة تكاليفها، بسبب عدم تأهيل المعهد من الجهات المعنية.
وعن إمكانية إكمال الدراسة خارج المحافظة، يقول عدنان إنه لا يستطيع إكمال دراسته خارج الأنبار بسبب ظروفه العائلية، موضحا أن الدراسة تستغرق أربع سنوات ولا يستطيع ترك أهله طوال هذه المدة.
ويشير إلى أن كثيرا من خريجي المعهد اتجهوا إلى كليات لا علاقة لها بالفنون، بسبب افتقار الأنبار إلى كلية للفنون الجميلة، معربا عن أمله في أن تفتتح وزارة التعليم العالي كلية متخصصة في المحافظة.
ويرى عدنان أن نظرة المجتمع إلى الفنون الجميلة لا تزال صعبة، مشيرا إلى أن البعض عندما يسمع اسم التخصص يقول: «شنو يعني؟ دمبكچي؟».
ويضيف أن هذه النظرة لا تؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي، وأنهم يحاولون إثبات أهمية الفنون الجميلة في الحياة اليومية، ومنها الرسم والخط والتصميم، مشيرا إلى ارتباط هذه التخصصات بمجالات مثل الإعلانات والديكورات وواجهات المدارس المزينة بالرسومات.

اقرأ أيضا: مفاجأة في مستقبل راشفورد… هل يعود إلى برشلونة؟

The post غياب الكلية ونقص التدريسيين يهددان مستقبل الفنون الجميلة في الأنبار appeared first on جريدة المدى.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً