مع تقدّم السنين، يصبح الدماغ أكثر عُرضة لما يُعرف بـ”الصدأ العصبي”؛ تراجع بطيء في الذاكرة وسرعة البديهة والتركيز، يُقلق الكثيرين ويدفعهم إلى البحث عن حلول سحرية أو مكملات غذائية باهظة. لكن الحقيقة التي يؤكدها اختصاصيو التغذية العصبية، هي أن أولى خطوات الحماية تبدأ من سلة المُشتريات اليومية، لا من رفوف الصيدلية.
فالدماغ، رغم حجمه الصغير، يستهلك نحو 20% من الطاقة التي ينتجها الجسم، وهو ما يجنه عرضةً للإجهاد التأكسدي؛ تلك العملية البيولوجية التي تُدمر الخلايا العصبية تدريجياً. وهنا يأتي دور النظام الغذائي المتوازن، إذ تُشير دراسات عديدة نُشرت على موقع “Healthline” الطبي، إلى أن بعض الأطعمة تحمل في تركيبتها مركبات نباتية وفيتامينات تُعتبر وقوداً حقيقياً للخلايا الدماغية.
اقرأ أيضا: تجميد البويضات.. متى تلجأ إليه النساء وما فرص الحمل مستقبلا؟
الأسماك الدهنية.. زيت السمك ليس بديلاً
تتصدر الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين والتونة، قائمة الأطعمة الدماغية، وذلك بفضل احتوائها العالي على أحماض أوميغا 3 الدهنية، وتحديداً EPA وDHA. هذه الأحماض لا تُساهم فقط في بناء غشاء الخلايا العصبية، بل تُقلل الالتهابات التي تُسبب الضباب الذهني. ويُشير خبراء التغذية إلى أن تناول وجبة سمك مرتين أسبوعياً، قد يُقلل خطر الإصابة بأمراض تنكسية عصبية، مقارنة بمن يتجنبونها تماماً. ويمكن إدراج السردين المُعلب أو قطع السلمون المدخن ضمن وجبة الإفطار، بعيداً عن الوجبات السريعة المُحبطة.
القهوة.. أكثر من مجرد منبه
لا يقتصر دور فنجان القهوة الصباحي على إبعاد النعاس فحسب، فالكافيين يعمل على حجب مستقبلات الأدينوزين في الدماغ، ما يُحسّن اليقظة والاستجابة لمحفزات البيئة. لكن الأهم من ذلك، أن حبوب البن تحتوي على مركبات مضادة للأكسدة، مثل حمض الكلوروجينيك، التي تُحارب الجذور الحرة. مع ذلك، يحذر الأطباء من أن الاعتدال هو المفتاح؛ فتناول أكثر من 400 ملغرام من الكافيين يومياً (نحو 4 فناجين) قد يُعاكس الغاية ويُسبب قلقاً وتشتتاً.
التوت الأزرق.. الأنثوسيانين المُلونة
ربما يبدو حجم حبة التوت الأزرق صغيراً، لكنها تحمل ترسانة من مضادات الأكسدة، أبرزها مركبات الأنثوسيانين التي تُعطيها لونها الزاهي. أظهرت دراسات أن هذه المركبات تتراكم في مراكز الذاكرة بالدماغ، وتُحسّن التواصل بين الخلايا العصبية، ما قد يُبطئ شيخوخة الإدراك. ويمكن إضافته إلى وعاء الشوفان أو الزبادي اليوناني، لتحويل الإفطار إلى وجبة دماغية فاخرة.
المكسرات.. وجبة خفيفة بلا ذنب
اللوز والجوز على وجه الخصوص، غنيان بالدهون غير المشبعة وفيتامين E؛ أحد أقوى مضادات الأكسدة التي تُحمي الدهون في الدماغ من التلف. الدماغ يتكون بنسبة كبيرة من الدهون، وبالتالي فإن حمايتها من الأكسدة يعني حماية البنية التحتية للتفكير. ويُنصح بتناول حفنة صغيرة (نحو 30 غراماً) يومياً، بدلاً من رقائق البطاطس أو الحلوى الصناعية التي تُسرّع التراجع الإدراكي.
اقرأ أيضا: رسميا.. الأهلي يتعاقد مع توفيق محمد قادما من بتروجت لمدة 5 مواسم
البرتقال.. فيتامين C ليس للأنفلونزا فقط
يُعرف البرتقال بأنه مصدر فيتامين C، لكن القليل يعلم أن هذا الفيتامين يلعب دوراً حاسماً في تقليل الإجهاد التأكسدي في الدماغ، ويُساعد على امتصاص الحديد الذي يُغذي الخلايا العصبية. كما أنه يُساهم في إنتاج النواقل العصبية المسؤولة عن المزاج والتركيز. ويمكن تناوله كاملاً للاستفادة من الألياف، أو عصره طازجاً دون إضافة سكر.
هل يُشترط الصيام؟
تنتشر بين رواد مواقع التواصل مقولة مفادها أن تناول هذه الأطعمة على معدة فارغة يُضاعف فوائدها. لكن اختصاصيي التغذية يؤكدون أن لا دليل علمياً على هذا الادعاء. الفائدة الحقيقية تكمن في الانتظام والتنوع، لا في توقيت الاستهلاك. فالدماغ لا يُقاس دخله الغذائي بوجبة واحدة، بل بما يتكرر على مدار أسابيع وأشهر.
الدماغ يحتاج أكثر من الطعام
في الختام، يُذكر الأطباء دوماً أن النظام الغذائي ليس سوى ركيزة واحدة من أربع؛ فالنوم الكافي، والنشاط البدني المنتظم، وإدارة التوتر، وتجنب التدخين، تُشكل معاً منظومة متكاملة لصحة إدراكية تدوم. فالطعام يُصلح ما يمكن إصلاحه، لكن العادات اليومية هي التي تُبقي البناء قائماً.
اقرأ أيضا: الجامعة العربية تدين الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان
