طائر المكتبات ورفوف أخرى

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

زعيم نصار
كيف ولماذا في افتتاحٍ لمكتبةٍ غريبةٍ، كان يطيرُ به الصمتُ
وفكرةُ الغموض والحيرةُ؟
بحثاً عن كتابٍ عنوانه: حوار الخيال المزدوج،
في مكتبة لاجتماع الطيور،
احد عشر صدى لليلة على ظهر الزورق،
اندمجتْ أيامه أمام عينين تُحصي شعاعهما المرآةُ،
إذ يفرّ النوم من عينيه،
وصل الى جمرةٍ تشيرُ الى بريقِ أصابعه،
الى محبرةِ تفيضُ بصوره على حريرِ الينبوع،
على خضرة عشّه في الشجرة،
لملم أجنحته لترفَّ على الورق،
التفتْ تفـّاحتُه حول رفيف الأجنحة،
كانت ريشة تطيرُ لها الحقولُ،
لتهبط وتراهُ بلمسة الغسق،
أغنى الصباح عن المصباح في مكتبة لمدينة الشكوك، خرافات على ضفة الصيف، جرّب كلَّ الأشكال، شكلاً، بعد شكلٍ، من دون أن يطمئن إلى امتلاء أعماقها، لم يجلبْ، أو يُلهم أو يطير بكتابٍ يحلمُ به منذ أربعين سنة، صار يطيرُ مثل نهر ينسابُ راضياً بكلّ التموجات، الطيّات، أو مختفياً وراء الرفوف التي يدخلها في طيرانه، ما أبعدها عن سعادته، لا تقترب لأيِّ رؤيا أو حياة أو رفوف أو اختلاف في برقه العالي، برق يظهر ثم يختفي، في الليل وفي النهار، في الهامش وفي أعماق الطيران، تيقّن أن الكتاب الذي يتطابق مع رؤياه لم يصبح حتى هذه اللحظة في إقليم كلماته، كيف ولماذا؟ الموجةُ أمسكتْ قوسَه، وجرّتْ سهمَه الى الجرح،
طار بومضة من السراجِ الى صورةٍ تفيضُ على المشهد،
فشرب لمعانَ القرط وهو يتدلى في فمه،
نصاعةُ جفونه، وخفةُ ظلّه تترنحان فوق مهرتهِِ،
طارتْ به الى عنقِ الجمرةِ، كتبَ برقـَه، غرق فيها عميقاً،
صار معها مكتبة للحياة، تعلّق بمصباحها،
بالبياض الذي تحت الكلمات،
فرأى نفسه طائراً لمكتبة أخرى ليجد كتاباً عنوانه: نسخةٌ متخيّلة للنفي الرابع.
كيف ولماذا يحطّ في مكتبةٍ لينبوع يطيرُ نحوه؟ يحطٌّ مثل طائر عطش لاهث، يحطّ لتجذبهُ الأسئلةُ بفزاعاتها ومحاريثها، ليس هناك فتات لغة قرب الماء، بقايا لغة لم تلاك، تجلب له حياة أخرى، لا يدري ما الذي يريد منه هذا المجهول؟ يحوّله من مكتبةٍ إلى مكتبةٍ مثل طينة مدورة في يده، يلعب بمصيره كيفما يشاء، يتشكّل بصمتٍ بين كفيه، لا يفرح ولا يحزن، يرمي رفوفه ووميضه وبصيرته ولغته ورؤياه في النار، كيف ولماذا؟ يتلوى، يتجمّد مثل صخرة، يصير صخرة بلا اكتراثٍ وبهذه القوة يدوم، يدوم بقوة اللا اكتراث، حنينه يتصاعد ويعلو مثل منارات ترتطم بالسحاب، حنين يدوم في ارتفاعه، لا يحزنُ ولا يفرحُ، لا يهدأ طائر مشرق البصيرة يستنبت الكشف.
تراهُ من وراء المرآة، فاضَ الحبرُ من الجمرة إلى الضفتين،
رأى عبر عينيها صليباً بين تفاحتين،
معهما ضربتْ كتابَه العاصفةُ فتفجّرتِ الينابيع،
دار رأسهُ مرّة بعد أخرى، من أعلى الشفتين الى رفّةِ العينين،
فرأى في منامهِ بين طيّاتِ شعرها كلّ غرقى الكتب،
يطوفون حول سريرها كوكباً، كوكباً،
بحثَ عن عبارته السريّة فوجدها في جمرةِ عنقها،
دار حولها دار و أخذ يدورُ، و يدورُ في طيرانه،
معه ريشةٌ من كحلِها ترسمُ له الطريق الى المكتبات،
بدأتْ جمرتهُ تتوّهجُ من أوّلِ مكتبة الى آخر مكتبة في طقوسٍ ثلاثة لوجود يتقلّب.
كيف ولماذا يشهقُ بطيرانه إلى الأعالي؟ لا يجد من يطمئنه، فينجذبُ إلى طائرٍ منقوش على كتابٍ طوى له المكان، حنين يهيم وينمو، يسعى إلى سعادة الاختلاف، حنين يتنامى، حنين لا ينتهكه الزوال، حنين لا يتدفق إلا في جمرةٍ على الكف، لا يرتقي
إلا في مكتبة تؤسسها الكلمات، كيف ولماذا؟
كيف ولماذا؟ لماذا وكيف؟ بسراج بارقٍ بقي على الشاطئ، يترقّبُ الغوصَ، بيده كتاب: طائر بلا اكتراث وأحجار أخرى، لمؤلفه صاحب الجمرات الساكن في زقاق بالقرب من نهر دجلة، بقيتْ أعماقه بحدوسها ورفوفها، ببرقها تبصرُ وتخترق مكتبةً. تتصفحُ الطيورُ لغةَ كتابٍ لإيقاع التغيّرات، هكذا هو الليل في نهارات حزيران.

The post طائر المكتبات ورفوف أخرى appeared first on جريدة المدى.

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – فضيحة تحصيلات بـ11 نقطة أمنية في أبين.. سائق يكشف الأرقام الصادمة ويطالب بتحقيق عاجل

‫0 تعليق

اترك تعليقاً