جريدة الغد
توصلت شركة ميتا يوم الأربعاء إلى تسوية بقيمة 18 مليار دولار في دعوى قضائية رفعتها 29 ولاية أميركية تتعلق بسلامة الأطفال. وتُعد التسوية تاريخية من حيث حجمها، إذ وافقت ميتا مع مجموعة تضم 52 مدعيًا عامًا على تنفيذ تغييرات واسعة في طريقة استخدام القاصرين لتطبيقي إنستغرام وفيسبوك.
وقالت جيسيكا نال، المحامية المتخصصة في قضايا التكنولوجيا لدى شركة «ويذرز»، لموقع «تك كرانش»، إن التسوية «تعطي المدعين العامين ما يريدونه، وهو الرواية السياسية التي تقول إنهم انتزعوا منفعة عامة كبيرة من هذه التسوية، بما في ذلك التغييرات في المنصات».
اقرأ أيضا: أبرز التوقعات لأحداث مسلسل حب ع ورق الحلقة 56، هل تنجح مخططات جولي؟
لكن نال أشارت إلى أن التأثير المالي الحقيقي للتسوية أقل حدة مما يوحي به الرقم المعلن.
وقالت: «حقيقة أن المبلغ سيُدفع على مدى 10 سنوات تقلل فعلًا من الأثر المالي للرقم الكبير، خصوصًا عند مقارنته بإيرادات ميتا السنوية… نحن نتحدث عن واحدة من شركات التكنولوجيا التي تتجاوز إيراداتها السنوية الناتج المحلي الإجمالي لمعظم الدول الأوروبية».
وبالفعل، أعلنت ميتا عن إيرادات إجمالية تجاوزت 200 مليار دولار في عام 2025، ما يضع قيمة التسوية البالغة 18 مليار دولار في سياق مختلف.
لكن القضية الأكبر هنا ليست حجم المبلغ، بل ما يتعين على ميتا بناءه الآن: أكثر قواعد سلامة الأطفال تفصيلًا التي وافقت عليها منصة كبرى حتى الآن، وهي قواعد تعتمد على تقنيات للتحقق من العمر لا تزال، في الوقت الراهن، غير دقيقة بما يكفي.
ولم تعترف ميتا بارتكاب أي مخالفة، رغم موافقتها على تسوية اتهامات بأنها صممت منصاتها عمدًا بطريقة تجعل الأطفال أكثر تعلقًا بها. ويُعد هذا نهجًا شائعًا لدى الشركات التي تريد تجنب المحاكمة أمام هيئة محلفين، حيث قد يكون خطر صدور حكم أسوأ أكبر.
كما كان من الممكن أن يعرّض أي حكم ضد ميتا الحماية القانونية التي تسمح لمنصات التواصل الاجتماعي بتجنب المسؤولية عما ينشره المستخدمون للخطر.
وقالت نال: «أعتقد أن من الحكمة أن يحاولوا الخروج من القضية، خصوصًا من دون صدور حكم قانوني ضدهم يتعلق بمسائل التعديل الأول من الدستور أو المادة 230، وهي قضايا لا تزال قائمة».
وأضافت: «قد تكون المسألة وجودية، ليس بالنسبة إلى ميتا فقط، بل ربما لكل شركة تكنولوجيا لديها منتج يتفاعل مع المستخدمين، أي تقريبًا جميعها».
كما أعادت التسوية إشعال المخاوف المستمرة بشأن إجراءات التحقق من العمر، التي تهدف إلى حماية الأطفال على الإنترنت، لكنها قد تخلق عمليًا مخاطر جديدة على الخصوصية للأطفال والبالغين معًا.
وقالت الدكتورة أليكسيس إنغبر، أستاذة الاتصالات في جامعة سيراكيوز، لـ«تك كرانش»: «هذا نقاش تقليدي حول إعطاء الأولوية للسلامة على حساب الخصوصية».
وأضافت: «الفكرة هي أنه إذا أردنا إبقاء الأطفال آمنين على منصات ميتا، فهناك كل هذه التغييرات التصميمية التي سيتعين علينا تطبيقها، لكننا سنضطر أيضًا إلى استخدام آلية للتحقق من العمر، وهو ما سينتقص من خصوصية بيانات المستخدمين ويخلق مخاوف جديدة تتعلق بحماية البيانات».
وبموجب شروط التسوية، اقترحت ميتا قائمة من التغييرات التصميمية، من بينها فرض حد افتراضي لاستخدام التطبيقات لمدة ساعتين يوميًا، إلى جانب ظهور تنبيهات كل 15 دقيقة بهدف «تشجيع الاستخدام الواعي».
كما ستُحظر الحسابات التي تحددها ميتا على أنها تخص قاصرين افتراضيًا من استخدام تطبيقات الشركة خلال ساعات الليل، من منتصف الليل حتى السادسة صباحًا، وستُكتم الإشعارات خلال ساعات الدراسة، من الثامنة صباحًا حتى الثالثة بعد الظهر.
كما لن يتمكن المراهقون، افتراضيًا، من رؤية أعداد الإعجابات على منشوراتهم أو منشورات الآخرين، إلى جانب تغييرات أخرى.
وقالت إنغبر: «تبدو التغييرات التصميمية المقترحة في التسوية ممتازة على الورق، لكنها تعتمد كلها على وجود تقنية للتحقق من العمر تكون ناجحة وفعالة وغير متحيزة».
وأضافت: «يجب أن تكون قادرًا على تحديد ما إذا كان هذا المستخدم طفلًا أم بالغًا، والطريقة التي نفعل بها ذلك الآن ليست فعالة حقًا… وأنا مهتمة جدًا بمعرفة كيف ستتقدم ميتا في محاولة تنفيذ ذلك، خصوصًا أن هذه التقنيات أخفقت إلى حد كبير».
لقد تطورت تقنيات التحقق من العمر إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد الضغط على خيار «نعم، أبلغ من العمر 21 عامًا» في موقع لبيع المشروبات الكحولية. وتعتمد الشركات اليوم عادةً على التحقق من العمر من خلال عمليات المسح البيومتري، مثل التقاط صورة شخصية، أو التحقق من بطاقات الهوية الحكومية، أو تحليل الأنماط السلوكية، ولكل طريقة من هذه الطرق عيوبها الخاصة.
فالتحليل السلوكي قد يخطئ في تصنيف البالغين على أنهم قاصرون أو العكس، بينما تتطلب عمليات التحقق من الهوية أو البيانات البيومترية من الأطفال والبالغين تسليم مستندات أو بيانات شخصية حساسة إلى جهة خارجية لمجرد استخدام أحد التطبيقات.
كما أن بعض المستخدمين لا يثقون بالمنصات في تنفيذ التحقق من العمر بصورة مسؤولة.
اقرأ أيضا: “تعليم الإسماعيلية” تتابع أعمال صيانة المدارس استعدادا للعام الدراسي الجديد
وقد واجهت منصة ديسكورد هذه المشكلة مباشرة عندما حاولت تطبيق نظام عالمي للتحقق من العمر في وقت سابق من هذا العام، واضطرت إلى تأجيل إطلاقه بعد ردود فعل قوية من المستخدمين.
لكن ليس الجميع متشائمين إلى هذه الدرجة.
وقال فيليب يانيلا ، الرئيس المشارك لمجموعة الخصوصية وأمن البيانات في شركة المحاماة «بلانك روم»، لـ«تك كرانش»: «أعتقد أن التقنية تطورت بدرجة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية منذ بدء ظهور هذه المخاوف، وأعتقد أن هناك طرقًا يمكن للشركات من خلالها توفير تقنيات للتحقق من العمر أو تطبيقها».
وأضاف: «لن أقول إنها لن تحمل مشكلات محتملة تتعلق بالخصوصية، لكنها قد تقلل هذه المشكلات بدرجة كبيرة».
وأشار يانيلا إلى أن الشركات لا تحتاج بالضرورة إلى تخزين المعلومات الشخصية للمستخدمين حتى تتحقق من أعمارهم.
وقال: «هناك طرق للتحقق من عمر شخص ما، ثم إنشاء رمز يشير إلى أن عنوان الإنترنت المحدد مرتبط بشخص يقل عمره عن 13 عامًا أو 16 عامًا، أو أي عمر آخر، ثم التخلص من المعلومات الشخصية».
ومع ذلك، تحذر إنغبر وخبراء آخرون من أن مجرد نقل معلومات الهوية الحساسة عبر الإنترنت يحمل مخاطر تتعلق بالخصوصية، حتى إذا لم تحتفظ الشركات بهذه البيانات.
فحدوث اختراق يتضمن صور بطاقات الهوية أو البيانات البيومترية للوجوه المرتبطة بقاصرين قد يؤدي إلى مخاطر سرقة الهوية. وعلى عكس كلمة المرور، لا يمكن تغيير الوجه أو بصمة الإصبع بعد تسربها.
وفي الوقت نفسه، تعمل ميتا والمدعون العامون الـ52 على وضع اللمسات الأخيرة على هذه الإرشادات، التي يجب على ميتا الالتزام بها خلال السنوات العشر المقبلة.
وتقدم الشركة التسوية ليس باعتبارها تنازلًا، بل دليلًا على أنها رائدة في مجال حماية الأطفال على الإنترنت.
وبدأت ميتا نشر إعلانات كاملة الصفحة في الصحف تدعو تيك توك ويوتيوب إلى اعتماد تغييرات تصميمية مشابهة، من دون الإشارة إلى أن تبنيها لهذه التغييرات جاء أصلًا كجزء من تسوية قانونية.
وبموجب الاتفاق، يعتمد نحو 30% من قيمة المبلغ الذي ستدفعه ميتا على ما إذا كانت تيك توك ويوتيوب ستلتزمان أيضًا بهذه الإرشادات.
ورغم مخاوف إنغبر من أن ميتا وشركات أخرى قد لا تتمكن من الوفاء بهذه الالتزامات من دون الاعتماد على وسائل تحقق قد تكون غير آمنة، فإنها ترى أن التسوية تعكس تحولًا ثقافيًا أكبر.
وقالت: «تمتلك ميتا قدرة استثنائية على خلق معايير جديدة من خلال تصميم منصاتها. إذا غيرت الطريقة التي تُصمم بها المنصة، يمكنك وضع معايير جديدة. ويمكنك جعل الأمور أفضل».
اقرأ أيضا: وزارة الداخلية.. واللجان الإلكترونية!
