صانع الدمى فيصل العزة.. حكايات تحيي التراث في قلوب الأطفال

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


رشا كناكرية

عمان- بين عالم الدمى والحكايات الشعبية، كبر شغف فيصل العزة “صانع الدمى والحكواتي”، الذي اختار أن يجمع بين فن صناعة الدمى وإبداع السرد القصصي، لتكون البداية لقصة طويلة ما تزال مستمرة.
رسالة متكاملة في قالب مختلف ومبتكر، هذا ما يقدمه فيصل العزة للأطفال الأردنيين. وبين شغف الدمى وصناعتها وفن السرد القصصي التراثي، حمل شغفه رسالة وهدفا واحدا، وهو إحياء تراثنا الشعبي وقصصنا القديمة، وإعادة هذه القصص ونقلها إلى الجيل الجديد بجمالية مبتكرة تصل إلى كل قلب.
“الحكي”، هذه الكلمة كانت المفتاح لأبواب كثيرة خلقت قصة عشق حقيقية، بدأت في قلب شاب صغير تملّكه شغف الدمى وصناعتها. وبين متاهة الأحلام، كانت مؤسسة رواد للتنمية أول الأبواب التي أنارت له طريق الإبداع.
وفي حديث خاص مع “الغد”، سرد فيصل العزة بداية الحكاية مع شغف الدمى. ففي سنة 2005 تعرّف العزة على مؤسسة رواد للتنمية، وفي وقتها كان شابا صغيرا، لكنه كان يبحث عن مساحة يذهب إليها ويلقي بظلال أحلامه عليها.
ويوضح العزة أن ما شجعه على الذهاب إلى هذه المساحة هو برنامج “شبابيك”، الذي كان يعمل مع الأطفال، فقال: “لماذا لا أجرب العمل مع الأطفال؟”، ومن هنا كانت البداية.
ويشير العزة إلى أنه في تلك المرحلة كان لا يزال يفكر بعقلية الطفل، ولم يكن قد وصل إلى مرحلة النضوج التي تجعله إنسانا يعرف طريقه. وفي خضم بحثه عن نقطة بداية، تذكر حبه لإعادة تدوير الأشياء، منوها إلى أن والده كان يعمل في التلفزيون، وعندما كان صغيرا كان يأخذه إلى تصوير “افتح يا سمسم”، ومن هنا بدأ تعلقه بالدمى.
ومن بعدها، بدأ العزة وأقرانه يجربون صناعة الدمى، وكانوا في وقتها في الثالثة عشرة من أعمارهم، وصنعوا أول دمى صغيرة. وفي ذات الفترة، جاءته فرصة للعمل في الجانب التقني مع “مسرح البلد”، وهكذا أصبحت لديه فرصة ليتعرف على عالم مختلف. ويذكر العزة أنه بدأ يتعرف على المسرح وعلى جميع أنواع العمل به، إلى جانب عمله في المكتبة، فأصبح يأخذ القصص من المكتبة، ويسمع قصصا من جدته، وبدأ يعمل مع الأولاد عليها. ويشير العزة إلى أنه في هذه الفترة ظهر “مهرجان حكاية”، وفي أول ثلاث سنوات كان يساعد في المهرجان من الناحية التقنية فقط، وكان يحضر جميع الورش. وعلى مدار ثلاث سنوات، أحب فن الحكي، “الحكواتي”، وبدأ يبحث عن طريقه فيه.
ويذكر العزة أنه بدأ في عام 2009 بـ”الحكي”، لكنه اختار أن يحكي ويستعين بالدمى، لأنه في هذه الفترة كان يتعلم كيف يصنع الدمى، واختار أن يجمع بينهما.
ويبين العزة أنه كان يبحث عن فرص لحلمه، وكان المركز الإسباني قد أحضر فنانين إسبانا يعلمون صناعة الدمى، فذهب وأخذ الورشة معهم، كما ذهب إلى مصر وتلقى ورشة ليصقل موهبته.
وفي الوقت نفسه، بدأ العزة يرى الفنون كوسيط للتعلم، وكيف يمكنه أن يعلّم هذا الشيء للأطفال، وأن يساعدهم في حياتهم، فأصبح يعمل مع مؤسسات ومشاريع، ومنها مؤسسة عبد الحميد شومان، إذ عمل معهم في تأسيس مكتبة “درب المعرفة”.
كما عمل العزة مع مركز العدل للمساعدة القانونية في توعية الأطفال، ومؤسسة الحسين للسرطان، ومركزي هيا وزها، ومعظم المنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجال الطفل.
ويذكر العزة أنه كان يقدم عروضا وتدريبات تعنى بحقوق الطفل وبالطفل نفسه، أي كيف يستطيع الطفل أن يحكي حكايته، مبينا أن الطفل أحيانا يحتاج إلى وسيط يحكي من خلاله حكايته، والدمية أفضل وسيط.
وفي عام 2015، جاءت مؤسسة من رومانيا اسمها “ريد نوز، الأنف الأحمر”، وكان هو وفتاة اسمها رينا الثلجي أول “كلاون دكتور” في الأردن، موضحا أنهما كانا يدرسان “كلاون دكتورز”، ويعملان مع الأطفال في المستشفيات، من أجل عمل شيء اسمه “العلاج عن طريق الضحك”، واستمر معهم حتى عام 2021.
ويضيف العزة أنه في أعوام 2021 و2022 و2023 أخذ مشاريع مع مؤسسة عبد الحميد شومان، وهي مشروع “رحلتي” و”ظلال”، وكان هذان المشروعان يحتويان على جانب للدمى. ويبين أن أحدهما كان دمى القفاز، والآخر كان دمى خيال الظل، وذهبوا خلالهما إلى جميع محافظات المملكة، وعلموا مجموعات من الأطفال كيف يصنعون الدمى ويقدمون عروضهم، ومن أجمل العروض التي قدموها كان في معان.
ويذكر العزة أن هناك فتيات كثيرات متميزات، لكن لديهن مشكلة واحدة، وهي أنهن لا يستطعن الصعود إلى المسرح لأن أهلهن لا يوافقون، فكان الحل الدمى. ومن هنا عملوا مسرح خيال الظل، فهن لا يظهرن، وإنما يظهر خيالهن فقط، وكان أحد أبدع العروض.
وفي عام 2025، عمل العزة مع التلفزيون الأردني في برنامج للأطفال اسمه “افرح وامرح”، وكان الشخصية الرئيسة “عجيب”، وهو برنامج ترفيهي يجمع بين التعليم والضحك والمواقف اليومية، والأشياء التي تعيشها ثلاث شخصيات على شاشة التلفزيون. ويؤكد العزة خلال حديثه شغفه بالحكايات وتعلّقه بها، مبينا أن الحكاية اندثرت وذهبت، وهناك كثير من الناس لم يعودوا موجودين، وهذه هي الإشكالية بحسب وصفه، إذ إنه لا يريد للحكاية أن تضيع، خاصة “صوتنا”، لأن الحكاية هي صوت الناس.
يشدد العزة على أن هدفه بات عبر السنين أن يزرع الشغف في قلوب كثير من الناس، وأن يعيد صياغة فكرة الحكاية، “فالحكاية ملائمة لكل زمان ومكان”، ويقول معبرا عن شغفه: “في النهاية، هي حكاية تحكى، إما أن تحمل عبرة، أو تأتي فقط لتسعدنا، أو لتحكي لنا شيئا وترسم بسمة”.
وهذا السبب الذي يحفزه دائما، على حد قوله، فلا بد أن يأتي يوم وتنجح الأشياء بطريقة لا يتخيلها، ولهذا يكمل.
ويؤكد العزة أن الدمى شغفه الذي لن ينتهي، لأنها تخلق عوالم ومجالا لأن يبتكر كثيرا من الأمور. وإلى جانب صناعة الدمى، بين فترة وأخرى، تكون لديه ورشة يعلّم فيها الناس كيف يصنعون الدمى ويحركونها، منوها إلى أنه يستطيع صناعة الدمى بدءا من دمى الأصابع “Finger Puppets”، وصولا إلى الدمى العملاقة.
ويبين أنه يقدم ورشا أساسية، وأحيانا ورشا متقدمة، حسب الحاجة والمؤسسات التي يعمل معها، ويطمح إلى أن تكون هناك ورش لتصنيع الدمى بشكل منتظم، لأن هناك نقصا في صانعي الدمى. ويقول: “لدينا محركون، لكن ليس لدينا صانعون”، مبينا أن عدد صانعي الدمى قليل جدا، ويمكن عدهم على أصابع اليد. ويؤكد العزة أنه يحرص في كل سنة على أن يكون هناك شيء جديد، وهذا العام يبني لعروض جديدة، مبينا أنه يحاول أن يكون هناك عرض أو عرضان جديدان إلى جانب العروض القديمة، إلى أن يصل إلى شيء اسمه “بيت الحكايات”. ويقول: “أريد أن أنشئ مساحة لها علاقة بالدمى والحكايات”.
وفي ختام حديثه، يؤكد العزة أن الفرد دائما يجد أدواته، لأن الزمن يتغير ويحتاج إلى أدوات مختلفة حتى تصل الرسالة، لكن الدمى أداة لا تتغير ولا تفقد بريقها، لأنها موجودة منذ زمن بعيد.
ودائما يقول لطلابه: “لا يوجد شيء مستحيل، جرب وحاول وستنجح في النهاية”، ويقول لهم أيضا: “إن أول فن خلق معنا كبشر هو الحكي، وأول شيء نفعله في حياتنا هو أن نتحدث، وعندما نكبر، نحكي قصة”.
ويختم بقوله: “دائما احكوا القصص، واسمعوا القصص، لأنك لا تعرف من أين يأتيك الإلهام، وأحيانا تأتيك الفكرة من داخل قصة.. قصة إنسان، قصة تاريخية، أو قصة يكون فيها مغزى وشيء يلامسك، والأكيد أن القصة دائما تلامسنا”.

 

اقرأ أيضا: “سيفبال”: اختراق بيانات أثر على 40 ألف مستخدم تقريباً

Image1_8202616211255957906701.jpg

‫0 تعليق

اترك تعليقاً