iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
يواصل سوق العقارات في دبي تسجيل أرقام قياسية خلال عام 2026، لكن اللافت هذا الأسبوع ليس فقط حجم النشاط الإجمالي، بل الحصة المرتفعة التي باتت تستحوذ عليها الأراضي الخام من إجمالي المبيعات العقارية. ففي الرابع من آب/أغسطس 2026، كشفت دائرة الأراضي والأملاك في دبي عن بيانات تُظهر أن قطاع الأراضي بات يستحوذ على ما يقارب 39% من إجمالي قيمة المبيعات العقارية في الإمارة، وهو رقم يُعد من أعلى المستويات المسجّلة لحصة هذا القطاع في السوق.
اقرأ أيضا: السيسي يوجه بإطلاق حزمة التسهيلات الضريبية الثالثة
أراضٍ بقيمة 125 مليار درهم (34 مليار دولار)
بين كانون الثاني/يناير ونهاية تموز/يوليو 2026، بيعت 7,981 قطعة أرض في دبي بقيمة إجمالية بلغت 125 مليار درهم (نحو 34 مليار دولار أميركي)، بحسب بيانات دائرة الأراضي والأملاك. والمفارقة اللافتة في هذا الرقم أن صفقات الأراضي شكّلت نحو 8% فقط من إجمالي معاملات البيع العقارية التي بلغت 99.9 ألف معاملة خلال الفترة نفسها، لكنها مع ذلك استحوذت على 39% من إجمالي قيمة المبيعات العقارية البالغة 321 مليار درهم (نحو 87.4 مليار دولار)، والتي شملت الأراضي والوحدات السكنية والفلل والمباني. هذا الفارق الكبير بين عدد الصفقات وقيمتها يعكس طبيعة سوق الأراضي: صفقات أقل عدداً لكن أعلى قيمة فردية بكثير من صفقات الوحدات السكنية.
سجّل السوق متوسطاً شهرياً بلغ نحو 1,140 صفقة بيع أرض، بقيمة تقترب من 17.8 مليار درهم (نحو 4.85 مليارات دولار) شهرياً. وتصدّرت منطقة “معيصم الثانية” قائمة المناطق الأعلى من حيث قيمة مبيعات الأراضي، مسجلة 10.4 مليارات درهم (2.83 ملياري دولار) عبر 544 صفقة، تلتها “اليلايس 5” بقيمة 7.14 مليارات درهم (1.94 مليار دولار) عبر 907 صفقات (أعلى عدد صفقات)، ثم “الروية الأولى” بقيمة 6.3 مليارات درهم (1.72 مليار دولار) عبر 3 صفقات كبرى فقط -وهو ما يعكس ارتفاع قيمة بعض الصفقات الفردية الضخمة في مناطق محددة- تلتها “نخلة جبل علي” بـ5.7 مليارات درهم (1.55 مليار دولار) عبر 140 معاملة، و”أم سقيم الأولى” بـ4.6 مليارات درهم (1.25 مليار دولار) عبر 30 صفقة.

آراء الخبراء: مؤشر صحي أم إشارة تحذير؟
في محاولة لفهم دلالة هذا التحوّل، استطلعنا رأي خبيرين اقتصاديَّين من خلفيتين مختلفتين.
اعتبر البروفيسور جاسم عجاقة أن الحكم على ارتفاع حصة الأراضي إلى 39-40% “بمؤشر صحي” أو “إشارة خطر” يبقى مرهوناً بمعرفة النية الحقيقية وراء عمليات الشراء، وهي معلومة غير متاحة حالياً. فإذا كانت الأراضي تُشترى من قبل مطورين كبار -محليين أو عالميين- بهدف بناء محافظ عقارية تلبي مشاريع مستقبلية ضمن رؤية “دبي 2040″، أو من مستثمرين أفراد وعائلات ثرية يفضّلون التطوير المباشر بدل شراء مشاريع جاهزة، فهذا مؤشر صحي على الثقة بالنمو. أما إذا كان الهدف إعادة البيع دون أي نية للبناء، فهذا “بيع بدون أدنى شك… عمل مضاربة لا علاقة له بالطلب على السكن”، على حد تعبيره، محذّراً من أن الارتفاع السريع في أسعار الأراضي قد يرفع كلفة أي مشروع لاحق عليها لدرجة لا تعود معها الإيجارات كافية لتغطية الكلفة.
وفي مقارنته مع فقاعات عقارية سابقة شهدتها المنطقة (2006-2008 وعام 2014)، رأى عجاقة أن هناك تشابهاً في نمط الارتفاع السريع لحصة الأراضي، وهو نمط عادة ما يسبق ذروة الأسواق. لكنه أشار إلى فوارق جوهرية هذه المرة: تشريعات صارمة تحكم العملية مثل حسابات الضمان (escrow accounts)، ونسب رافعة مالية أقل تحد من إمكانية نشوء أزمة، ونمو سكاني حقيقي يدعم الطلب على عكس الفترات السابقة. ولتقييم اتجاه السوق في الأشهر المقبلة، اقترح عجاقة مراقبة عدة مؤشرات، أبرزها: نسبة تراخيص البناء الصادرة على الأراضي المُباعة (فكلما اقتربت من نسبة الشراء، كان ذلك مؤشراً صحياً)، ومدى استمرار ارتفاع الأسعار مع تباطؤ تراخيص البناء (إشارة مضاربة)، ومدى واقعية خطط الدفع التي يطرحها المطورون مقارنة بمعطيات السوق الفعلية، إضافة إلى مقارنة معدل نمو الوحدات السكنية المعروضة بمعدل النمو السكاني الفعلي.
من جهته، وضع عبد الرحمن إبراهيم، المدير التنفيذي لشركة “سكوب هاوزر” العقارية العاملة في سوق أبوظبي، الرقم في سياق أوسع، معتبراً أن قاعدة مشتري الأراضي في دبي هي أساساً من المطورين -المحليين والعالميين- الذين دخلوا السوق بكثافة خلال السنوات الخمس أو الست الأخيرة، وأن الحكم على الرقم يتطلب مقارنة مباشرة بين قيمة مبيعات الأراضي في النصف الأول من 2026 ونظيرتها في 2025 لتحديد ما إذا كان هناك تحوّل فعلي في سلوك السوق أم لا. أما بخصوص أبوظبي، فأوضح إبراهيم أن سوق الأراضي هناك أضيق وأكثر محدودية مقارنة بدبي، لكنه لفت إلى تسجيل طلب متزايد على الأراضي في أبوظبي مؤخراً، يُعزى جزئياً إلى توجّه عدد من المطورين النشطين في سوق دبي نحو تطوير مشاريع في العاصمة أيضاً.
اقرأ أيضا: دراسة تكشف .. الشعور بالوحدة يرفع مخاطر الاكتئاب وإيذاء النفس
نصف عام قوي على جميع الجبهات
هذه البيانات تأتي ضمن أداء استثنائي لسوق دبي العقاري خلال 2026 ككل. فقد سجّل الربع الأول وحده (بيان صادر في 9 نيسان/أبريل 2026) 252 مليار درهم (نحو 68.6 مليار دولار) من التصرفات العقارية عبر 60,303 تصرفاً، بنمو 31% مقارنة بالفترة نفسها من 2025. كما ارتفعت قيمة الاستثمارات العقارية إلى 173 مليار درهم (نحو 47.1 مليار دولار) بنمو 22%، وسجّلت العقارات الفاخرة وحدها 87.71 مليار درهم (نحو 23.9 مليار دولار) بنمو 26%، فيما ارتفعت استثمارات الأجانب إلى 148.35 مليار درهم (نحو 40.4 مليار دولار) بنمو 26% أيضاً -مؤشر على أن الزخم الحالي في السوق مدفوع بقاعدة مستثمرين دولية متنامية، إلى جانب النشاط المحلي في قطاع الأراضي.
عامل إضافي: ترميز العقارات يفتح الباب أمام مستثمرين جدد
في مسار موازٍ، تراهن دبي على تقنية البلوك تشين لإعادة تشكيل آلية الاستثمار العقاري. فدائرة الأراضي والأملاك هي أول جهة تسجيل عقاري في الشرق الأوسط تعتمد هذه التقنية في “ترميز” العقارات، أي تحويل حصص الملكية إلى رموز رقمية قابلة للتداول، ما يتيح التملك الجزئي ويوسّع قاعدة المستثمرين المؤهلين للدخول إلى السوق. بعد مرحلة تجريبية شملت عشرة عقارات بقيمة 18.5 مليون درهم (نحو 5 ملايين دولار)، انتقلت الدائرة بالشراكة مع شركة Ctrl Alt إلى مرحلة ثانية تتيح تداول ما يزيد عن 5 ملايين دولار من هذه الرموز في سوق ثانوية -مبادرة قد تفتح تدريجياً باباً بديلاً لدخول رساميل أصغر حجماً إلى سوق كان تقليدياً حكراً على المطورين والمستثمرين المؤسسيين الكبار.
الخلاصة
القصة الاقتصادية الأكبر في سوق دبي العقاري هذا الصيف ليست حجم المبيعات فقط، بل توزّعها: تدفق ملحوظ نحو الأراضي الخام يستحوذ على 39% من قيمة المبيعات (125 مليار درهم / 34 مليار دولار) رغم تمثيله 8% فقط من عدد الصفقات، بالتوازي مع استمرار قوة السوق ككل مدعومة بنمو استثنائي في الاستثمارات الأجنبية والعقارات الفاخرة. لكن كما يتضح من آراء الخبيرين، الحكم القاطع على طبيعة هذا التحوّل -رهان مؤسسي صحي طويل الأمد، أم مقدمة لمضاربة تستحق الحذر- لا يزال سابقاً لأوانه، ويبقى رهناً بمؤشرات لاحقة أبرزها نسبة تراخيص البناء الصادرة على الأراضي المُباعة، ومدى استمرار هذا النمط خلال موسم النشاط القوي المقبل في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر.
اقرأ أيضا: نواف سلام: الحاجة ملحّة لتسريع إعادة الإعمار بما يدعم صمود الجنوبيين وعودتهم
