iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
اقرأ أيضا: الأهلي يستأنف تدريباته غدا استعدادا لمواجهة الشرقية إنبي
د. محمّد ماجد*
طُرد من الدير ورُمي بالكفر؛ فلم يعتذر، بل حمل اللقب عنواناً لقصّة جديدة. بعد مئة عام، ردّ التهمة قبل أن تُوجّه إليه: “أنا مش كافر… بس الجوع كافر، والذلّ كافر”. جبران قال: هذه تهمتكم أحملها عنكم. وزياد قال: التهمة لي وليست عليّ. تكلّم كلاهما على الأمر نفسه: الكافر من يجوّع الناس، لا من يئنّ تحت نير الجوع.
يرسم كلّ منهما خصمه على طريقته: لدى جبران يُعرفون من ثيابهم: شيخٌ يملك الحقول والأكواخ ويقرض الفلّاح ديناراً ليستوفيه دينارين، وكاهنٌ يبارك له، وديرٌ خزائنه طافحة بالذهب والغلال والّذين زرعوها جياع، ورهبانٌ يحجزون العجول لأنّها رعت في أرض الدير، وثمن فكّها قلادة تدفعها الأمّ تكفيراً عن ذنب البهائم. خصم واضح تسهل الإشارة إليه بالإصبع. ولدى زياد لا يظهر الخصم في ثوبه؛ لكنّه يُعرف من فاتورة يعجز “زكريّا” عن تسديدها، ومن أقساط غرفة نوم “تبرم” لها الزوجة مع حلف “الناتو”، ومن الجرّة الّتي تُسرق وتُعاد إلى وسط القرية مهيّأة للسرقة من جديد. جبران يدلّ على الفاعل، وزياد يدلّ على أثر أصابعه.
ثمّة سجن أوسع
وحيث لا تكفي التهمة لإسكات الكافر، يحضر الجنون. واجههم يوحنّا بكتابهم، فقال الرئيس لأمّه: صلّي من أجل ابنك المجنون. شهد الوالد بجنون ابنه فنجا، لكنّه ساح وحيداً في المروج يردّد: أنتم كثار وأنا وحدي. وفي البرّيّة مجنون آخر، حفّار قبور عمله لا ينتهي لأنّ الأموات يمشون بين الناس ولا من يدفنهم. أمّا مجنون زياد فلا برّيّة له: يصدق فيوضع في مستشفى المجاذيب، حيث لا خروج إلّا بترداد الكلام المسموح: “مؤامرة”، ولو لم يفهم “شو هيّي هالمؤامرة”! تهمة جبران يتبنّاها أهله ليحموا ابنهم من السلطة، ومستشفى زياد مستودع للسلطة يحمي الأهل والعقلاء من الحقيقة… وزياد كان المريض والطبيب معاً: المُعالِج واحد منّا. وجبران وقع مرّة في حبائل المعالج: مسكّنات تزيل الوجع ولا تبرئ العلّة.
مستشفى المجانين ليس أضيق ما حُبس فيه اللبنانيّ؛ ثمّة سجن أوسع، جدرانه صورة متخيّلة. قال جبران: “لكم لبنانكم: المناصب والطوائف والخطب الفارغة، ولي لبناني: الجبال والفلّاحون والرعاة” ثمّ احتفظ لنفسه بنسخة نظيفة يلجأ إليها. وقال: في فم الجامعة البشريّة أضراس بلغت علّتها عظم الفكّ، وتكتفي بتنظيف خارجها وملء ثقوبها بالذهب اللمّاع، وأطبّاء يداوون بالطلاء الجميل والمسكّنات، ومرضى يموتون بعلّتهم مخدوعين. وانطوى قرن، والتسوّس لم يعد في ضرس، ولا في فكّ، بل في الجسد كلّه، وفي الابتسامة الزائفة الّتي نسمّيها لبنان الجميل: مختار، وصبيّة منذورة لوطنها، وجرّة في وسط الساحة، و”كلّنا إخوة” تُستحضر للترقيع. جبران رفض النصف القبيح، وزياد رفض النصف الجميل لأنّه يخفي في الحقيقة النّصف القبيح نفسه.
اقرأ أيضا: قرار جمهوري بالموافقة على انضمام مصر لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر
“بدكن تبحشو”
حفر زياد في بقعة واحدة، هنا، تحت أقدامنا، “بدكن تبحشو”، حتّى بلغ الطبقة الّتي تقف عليها أقدام الناس جميعاً. وارتفع جبران حتّى صار الناس من علٍ متشابهين. الكهرباء في مسرحيّة زياد ليست انقطاع تيّار، بل العقليّة الّتي ستدير البلاد بعد الحرب؛ والجرّة ليست حكاية قرية، بل دورة السلطة كاملة؛ والملهى في “بالنسبة لبكرا شو” ليس سهرة، بل وطن يُدار: يغنّي فيه الفقير لمن سرقه، ويدفع الحساب من لا يملك ثمن الحساب.
ثورة جبران تنجح في ليلة واحدة: يلقي خليل خطبةً فيخلع الخدم عباءاتهم أمام سيّدهم، ويموت الشيخ عبّاس وحيداً، وتصير الأرض لمن يفلحها، ويعود المسافر بعد نصف قرن فيجد الأكواخ بيوتاً جميلة؛ غير أنّ النجاح مشتهى جبران فحسب. وثورة زياد لا تكتمل: المسحوقون يطلقون الثورة في “نزل السرور”، ثمّ تختنق في الشعارات والمغريات قبل أن تحقّق “ضربة كفّ”. وصف جبران الثورة كما تمنّاها، ووصفها زياد كما رآها.
كتب جبران بلغة تُترجم، وبحكمة تُقتطع، فشاع كلامه في العالم… غير أنّ “الأرواح المتمرّدة” تحوّلت عبارةً تُكتب على بطاقة تهنئة: أولادكم أبناء الحياة… وكتب زياد بنكتة قد لا تُفهم خارج الحيّ، ثمّ انتهى بدوره قفشة تُردَّد في سهرة، أو على جدار مفترض، يتفكّه بها حتّى المقصود بها.
كتب جبران إلى قومه: غنّيت لكم فلم ترقصوا، كنت أبكي على ذلّكم فصرت أضحك من أوجاعكم. وغنّى لهم زياد فرقصوا، ولم يعلموا أنّهم يرقصون على أوجاعهم وهو يضحك منها، متألّماً، كألم جبران ليس ثمّة فرق.
في “شي فاشل” لا يأتي الخلاص من خارج الصورة: يدخل أبو الزلف بنفسه، الأغنية الّتي يُتوارث بها لبنان الجميل، فيخرّب المسرحيّة المقامة باسمه، ويعلن أنّه لا يعرف هذا البلد ولا يعترف به. لم يكسر زياد الأيقونة، بل جعلها تنطق فتفضح حامليها وورثتها. وغادر نبيّ جبران وقد سلّم أهله خلاصة ما في قلوبهم، وإن لم يعلنوها أو يعملوا بها، كما غادر أبو الزلف وقد سحب من أهله الصورة الّتي كانوا يختبئون خلفها. أراد الرجلان الشيء نفسه: أن يُردّ الاعتبار إلى الإنسان؛ غير أنّ جبران قال: لكم لبنانكم ولي لبناني، وقال زياد بلسان أبو الزلف، للزائفين، ولجبران أيضاً: لا أعرف لبنانكم، ولبنانك، يا جبران، ما زال معك.
- باحث ومؤلّف تربويّ
