دورة حياة البيانات في الذكاء الاصطناعي التوليدي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

*د. إسلام محمد سرور

اقرأ أيضا: الضغوط تتزايد على مبابي.. لا مجال للخطأ وحان موسم الألقاب

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي التوليدي محصوراً في جودة المخرجات أو سرعة تبني المؤسسات له. 

السؤال الأهم أصبح: ماذا يحدث للبيانات الشخصية منذ لحظة جمعها، مروراً بتدريب النموذج وتشغيله، وصولاً إلى مرحلة الاعتراض أو طلب التصحيح بعد النشر؟ 

هذا السؤال لم يعد نظرياً، لأن البيانات لم تعد تدخل النظام وتخرج منه في صورة واحدة؛ فقد تتحول إلى بيانات تدريب، أو تضمينات رقمية، أو مدخلات مستخدمين، أو مخرجات مولدة قد تتضمن معلومات عن أشخاص حقيقيين.

أحد أبرز الادلة والإرشادات المقترحة أخيراً هي الإرشادات الصادرة عن لجنة حماية البيانات الشخصية في سنغافورة بشأن استخدام البيانات الشخصية في الذكاء الاصطناعي التوليدي ADVISORY GUIDELINES ON USE OF PERSONAL DATA IN GENERATIVE AI، والصادرة عن Personal Data Protection Commission  والتي تُعرف اختصاراً بـ (PDPC) والتي قد وضعت تصوراً عملياً لهذه الدورة. 

فهي تقسم المسألة إلى ثلاث مراحل: التطوير، والنشر، وما بعد النشر، وتؤكد أن حماية البيانات لا يمكن أن تترك لسياسة خصوصية عامة أو بند واسع عن “تحسين المنتجات”. 

فالغرض من استخدام البيانات في تدريب نموذج توليدي يجب أن يكون مفهوماً ومعلناً على نحو يمكّن الفرد من منح موافقة ذات معنى وإدراك واضح.

في مرحلة التطوير، تظهر أول منطقة توتر: جمع البيانات من الإنترنت. 
فالإرشادات تقر أن البيانات المتاحة للجمهور قد تستخدم في بعض الحالات من دون موافقة مسبقة، لكنها لا تعامل كل ما يظهر على الشبكة بوصفه مباحاً تلقائياً، إذ إن وجود حاجز رقمي، مثل بوابة دفع، أو اشتراط تسجيل، أو آلية تحقق، أو أدوات منع زحف آلي، يستدعي تقييماً خاصاً لغرض هذا الحاجز وأثره العملي.

كما تفصل الإرشادات بين مشروعية الاعتماد على استثناء البيانات المتاحة للجمهور وبين الالتزامات التعاقدية أو شروط الاستخدام التي قد تحظر استخراج البيانات آلياً.

أما إذا كانت المؤسسة تستخدم بيانات المستخدمين لتدريب نموذج توليدي أو ضبطه، فلا تكفي الإشعارات العامة. الإرشادات تشترط إشعاراً خاصاً بالذكاء الاصطناعي يوضح وظائف النموذج، وأنواع البيانات المستخدمة، وطريقة استخدامها في التدريب أو الضبط، وكيف يمكن الفرد رفض هذا الاستخدام أو سحب موافقته.

اقرأ أيضا: تأجيل محاكمة عاطل بتهمة الشروع في سرقة سيارة بالمرج

وهذا الاتجاه يعيد الاعتبار الى فكرة الشفافية العملية: 
ليس مطلوباً شرح تقني معقد، بل إخبار واضح بما سيحدث للبيانات ولماذا؟
في مرحلة النشر، تصبح المسؤولية أكثر تعقيداً. 
بحيث إن دورة الذكاء الاصطناعي التوليدي تضم مزودي النماذج، ومزودي الأنظمة، والجهات التي تنشر النظام وتستخدمه داخل أعمالها. 
وتؤكد الإرشادات أن مزود النموذج الذي يعالج بيانات شخصية يظل خاضعاً لالتزامات حماية البيانات، بما في ذلك حدود الاحتفاظ بالبيانات وسياسات حذفها أو إزالة إمكان ربطها بالأفراد عند انتهاء الغرض المشروع من الاحتفاظ بها.

وتتحمل الجهة التي تنشر النظام مسؤولية خاصة، لأنها تختار حالة الاستخدام وتحدد ما يدخل إلى النظام من بيانات. لذلك عليها تحديد الغرض بدقة، ومنع استخدام البيانات خارج هذا الغرض، ووضع ضوابط للمدخلات والمخرجات وسجلات الأوامر والبيانات المؤسسية الداخلية. وتزداد هذه المسؤولية عندما يتخذ النظام صورة “وكيل ذكي” قادر على التخطيط واتخاذ خطوات متعددة؛ إذ قد يؤدي اتساع صلاحياته إلى وصول غير مبرر لبيانات لا يحتاجها فعلاً.

في مرحلة ما بعد النشر، لا تسقط حقوق الأفراد بسبب صعوبة التقنية. 
فحق الوصول والتصحيح يظل قائماً من حيث الأصل، حتى إن كان تحديد البيانات داخل نموذج توليدي أكثر تعقيداً من البحث في قاعدة بيانات تقليدية. 
وتعترف الإرشادات بصعوبات عملية، مثل تخزين البيانات كتضمينات أو وجودها موقتاً في نوافذ السياق، لكنها تدعو إلى إجراءات مسبقة: التحقق من دقة البيانات عند الجمع، تنظيف البيانات، توثيق مصدرها، مراجعة الطلبات حالة بحالة، وحذف البيانات غير الدقيقة من مجموعات التدريب قبل أي تشغيل تدريبي لاحق.

الخلاصة أن حماية البيانات الشخصية في الذكاء الاصطناعي لا تبدأ عند وقوع خرق، ولا تنتهي عند نشر سياسة خصوصية، فهي التزام مستمر وممتد عبر دورة حياة كاملة ويتحقق ذلك من خلال جمع مشروع، إشعار مفهوم، تقليل للبيانات، توزيع واضح للمسؤوليات، ضوابط تشغيلية، واستجابة جدية لحقوق الأفراد بعد النشر. 

ومن دون هذه السلسلة، يتحول الابتكار إلى معالجة واسعة للبيانات بلا مساءلة كافية.

*المستشار القانوني والاجتماعي والخبير في القانون الدولي، والباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

اقرأ أيضا: إبراهيم الدبيبة يفتح باباً مع “الفار”… صفقة تعيد رسم النفوذ في الزاوية؟

‫0 تعليق

اترك تعليقاً