“داعش” و”القاعدة” يتقاسمان خريطة الإرهاب في أفريقيا… من يربح معركة النفوذ؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم تعد أفريقيا مجرد ساحة جديدة لنشاط التنظيمات المتطرفة. القارة تتحول تدريجاً إلى مركز ثقل للإرهاب العالمي، فيما تكشف خريطة العمليات عن منافسة بين أكبر تنظيمين، “داعش” و”القاعدة”، على النفوذ والأرض والمجتمعات، ولكن باستراتيجيتين مختلفتين، الأول يراهن على الدم والصدمة، والثاني على إنهاك الدولة ومحاصرتها.

اقرأ أيضا: الحرب على إيران… “نعمة” على أميركا؟

وجاء الهجوم الأخير على ثكنة للجيش في سان وسط مالي ليقدم نموذجاً حديثاً لاستراتيجية “القاعدة” في استنزاف المؤسسات العسكرية، ضمن حملة متصاعدة تستهدف المواقع العسكرية وخطوط الإمداد ومفاصل الدولة.

يتزامن ذلك مع ارتفاع مستوى الانخراط العسكري والأمني الأميركي في القارة، من الضربات المتصاعدة في الصومال إلى التعاون العسكري مع نيجيريا، في محاولة لاحتواء تمدد التنظيمات في مساحة جغرافية آخذة في الاتساع.

أفريقيا تصبح مركز الثقل

يكشف “مؤشر الإرهاب العالمي 2026″، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، أن التحول الجاري يتجاوز انتقال النشاط الإرهابي جغرافياً من الشرق الأوسط إلى أفريقيا، ويشمل أيضاً تغيراً في نماذج إدارة الصراع واختيار الأهداف.

وتنشط الجماعات المتطرفة في بيئات تتقاطع فيها عوامل الهشاشة. ضعف مؤسسات الدولة، والصراعات المسلحة، وتراجع السيطرة على الحدود، والفقر والبطالة، وتدهور الخدمات. كما تستفيد من شبكات التهريب والاقتصادات غير الرسمية، وتوظف ضعف الحوكمة لبناء نفوذ في المناطق التي يتراجع فيها حضور الدولة.

وتظهر دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول مسارات الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة أن التهميش الاقتصادي وانعدام الثقة بالمؤسسات وضعف الخدمات والتعليم تشكل عوامل أساسية في بيئات التجنيد، وخصوصاً في المناطق الحدودية والطرفية.

لكن التشابه في البيئة التي يتحرك فيها التنظيمان يخفي اختلافاً جوهرياً في طريقة استغلالها.

“داعش” يراهن على الصدمة

واصل “داعش” خلال العام الماضي توسيع نشاطه في أفريقيا جنوب الصحراء. ووفق “مؤشر الإرهاب العالمي”، قفز عدد هجماته هناك من 111 هجوماً في 2024 إلى 221 في 2025، في مقابل تراجع نشاطه في معاقله التقليدية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويعتمد التنظيم بصورة أكبر على إيقاع خسائر بشرية واسعة واستهداف المجتمعات لإنتاج أثر نفسي وإعلامي يتجاوز حدود الهجوم نفسه.

وهذه الاستراتيجية، وفق مدير “مركز ليبيا للدراسات الأمنية والعسكرية” شريف عبد الله بوفردة، ترتبط بالبنية الفكرية للتنظيم. ويوضح لـ”النهار” أن “داعش” يتحرك على مستوى المجتمع، ويوسع دائرة التكفير لتشمل كل من لا ينضوي تحت رايته، ما يفسر اتساع نطاق استهدافه للمدنيين.

ويختلف ذلك عن المقاربة التاريخية لـ”القاعدة”، التي ركزت بدرجة أكبر على مفاصل الدولة ومؤسساتها والعاملين فيها، بالتوازي مع محاولة استمالة المجتمعات المحلية.

وبحسب بوفردة، ينعكس هذا الاختلاف مباشرة على العمليات، فـ”القاعدة” تمارس ضغطاً عسكرياً واقتصادياً على السلطة، فيما ينظر “داعش” إلى نفسه باعتباره مشروعاً توسعياً يسعى إلى إخضاع المجتمع أولاً والانطلاق منه نحو مشروع يتجاوز الحدود.

“القاعدة” تحاصر الدولة

في الساحل، تظهر الاستراتيجية الثانية بصورة أكثر وضوحاً. فجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” كثفت الضغط على الجيوش وقوات الأمن وطرق الإمداد، واستخدمت حصار المدن واستهداف الوقود واحتجاز العسكريين أدوات لاستنزاف الحكومات وإضعاف قدرتها على بسط سلطتها.

ويندرج هجوم سان الأخير في مالي مباشرة ضمن هذا المسار. ففي 9 آب/أغسطس، هاجم مسلحون من “نصرة الإسلام والمسلمين” ثكنة للجيش في وسط البلاد وتمكنوا من السيطرة عليها موقتاً. وتشير بيانات “مؤشر الإرهاب العالمي” إلى احتفاظ الجماعة بنفوذ واسع، خصوصاً في وسط مالي ومناطق من بوركينا فاسو، مستفيدة من الحدود المفتوحة والتضاريس الصعبة وضعف قدرة الدولة في المناطق الريفية.

وتصبح السيطرة على مدينة أو معسكر، ضمن هذه الاستراتيجية، جزءاً من عملية أوسع لإنهاك الجيش وتعطيل الحركة الاقتصادية وقطع طرق الإمداد وإضعاف حضور الدولة.

اقرأ أيضا: حين رد الله الشمس وأخمد كبرياء سنحاريب، الكنيسة تحيي ذكرى نياحة الملك حزقيا

ويعتبر الخبير في الجماعات الراديكالية والإرهاب الدولي منير أديب، في حديث لـ”النهار”، أن المنافسة بين “القاعدة” و”داعش” باتت سمة ثابتة في المشهد الأفريقي، لكن ميزان الانتشار يميل حالياً إلى “القاعدة”.

ويشرح أن “داعش” يرى نفسه امتداداً لـ”القاعدة”، فيما تعتبر الأخيرة نفسها الأصل الذي خرج منه التنظيم المنافس، في خلاف عقائدي وتنظيمي انعكس مواجهات مباشرة بين الطرفين في مناطق تنازع النفوذ.

خريطة نفوذ متحركة

لا ينتشر التنظيمان بالطريقة نفسها، إذ يمتلك كل منهما مراكز ثقل ومناطق نفوذ مختلفة. ويرى أديب أن ثمة “نوعاً من التكامل غير المباشر” في توزيع الانتشار، مع انفراد أحد التنظيمين بالنفوذ في بعض المناطق وتداخلهما في مناطق أخرى.

ويعتبر أن “الكفة تميل في أفريقيا لمصلحة القاعدة من حيث مساحة النفوذ والانتشار”، وخصوصاً مع تمدد “نصرة الإسلام والمسلمين” في الساحل، فيما رسخ “داعش” مراكز ثقل أخرى تمتد من حوض بحيرة تشاد إلى شرق الكونغو وموزمبيق، إضافة إلى حضوره في الصومال.

وتظهر مناطق التداخل بصورة خاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر والصومال، حيث يتجاور نشاط فروع التنظيمين أو يتنافس على المساحات الجغرافية وشبكات التجنيد والنفوذ المحلي.

أميركا تعود إلى المواجهة

اتساع التهديد أعاد الولايات المتحدة بصورة أكثر وضوحاً إلى المشهد. ففي 2026، عززت واشنطن تعاونها العسكري مع نيجيريا، فيما واصلت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” عملياتها وضرباتها ضد التنظيمات المتطرفة، وخصوصاً “داعش” وحركة “الشباب” المرتبطة بـ”القاعدة” في الصومال.

لكن أديب يرى أن التأثير الأميركي يبقى محدوداً قياساً إلى المساحة التي تتحرك فيها التنظيمات وعوامل عدم الاستقرار السياسي في عدد من دول القارة. كما تستثمر “القاعدة” الوجود الأميركي دعائياً، وتقدمه لأنصارها باعتباره شكلاً من أشكال التدخل الخارجي.

وهنا تكمن المعضلة الأفريقية. فالضربات العسكرية تستطيع إضعاف خلية أو قتل قائد أو استعادة موقع، لكن البيئة التي تنتج التنظيمات تبقى قائمة في مناطق واسعة.

اقرأ أيضا: مسلم يتصدر يوتيوب بـ”واحشاني”، ربع مليون مشاهدة لأحدث أغانيه

‫0 تعليق

اترك تعليقاً