iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
إن كانت جلسات الهيئة العامة شغلت الوسط السياسي برزمة القوانين التي تم إقرارها، فهي حتماً لم تحجب حال المراوحة السائدة على المشهد الداخلي في ضوء التعثر السياسي الذي يحيط بملف حصرية السلاح، وعجز الدولة حتى الآن عن تحويل قرارها السياسي إلى خطوات تنفيذية كاملة، فيما الاعتداءات الإسرائيلية على أشدّها، مهدّدةً حركة الاتصالات والمسارات التي يقودها رئيس الجمهورية من أجل تأمين مقوّمات نجاح انعقاد الجولة الثامنة من مفاوضات روما.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – المنطقة العسكرية الثانية بحضرموت تنفي فتح باب التجنيد وتحذر من الشائعات
وفيما تستبعد مصادر سياسية مطلعة إمكانية إحداث خرق من الجانب اللبناني من شأنه أن يدفع بهذه الاتصالات قدماً، تبقى المسألة الجوهرية التي لا تزال تعوق أي تقدّم أو تنفيذ أيّ التزام، عالقة عند سلاح “حزب الله”، والخيارات المطروحة لمعالجته، في ظلّ استمرار رفض الحزب أيّ مسّ بهذا السلاح، ما يدفع الرئاسة إلى العمل على خيارات أو بدائل من شأنها أن تعالج ملف السلاح، وتقوم على مفهوم انتفاء وظيفته، وتحييده، بديلاً لأيّ طروحات ترمي إلى نزعه.
وكان لافتًا أن رئيس الجمهورية تحدّث صراحة عن هذا الأمر في عشاء السفارة الأميركية في واشنطن غداة لقاء القمة الذي جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما طرح بنفسه السؤال “هل نزع سلاح حزب الله قابل للتحقيق فعلًا؟” بالقول “نعم، لكن فقط إن كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلاً”، مضيفاً أن “هذه الجماعة المسلحة التي نتحدث عنها ليست قوة مرتزقة أجنبية، إنها مؤلفة من مواطنين لبنانيين شكّلهم، على مدى أربعين عاماً، استثمار هائل ومستمر على الصعيد الأيديولوجي، والاجتماعي، والعسكري ليتحوّلوا إلى جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تعمل خارج سيطرة الحكومة. هذا الواقع لا يجعل الهدف أقلّ إلحاحاً، بل يجعل الأسلوب أكثر أهمية”.

وفي كلامه هذا تفسير واضح للخيار الذي ستعتمده الدولة في هذا السياق. يذكّر عون بتجارب خاضتها دول مشابهة لوضع لبنان عندما يقول إن التاريخ “يقدّم لنا مساراً مثبتاً، من القوات المسلحة الثورية في كولومبيا، إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي في أيرلندا الشمالية، وهو ليس لغزًا: نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج. يبدأ الامر بإزالة السبب الجذري الذي طالما استشهد به حزب الله كمبرر لوجوده، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية. ويستمرّ مع تولّي الجيش اللبناني السيطرة العملانية الكاملة والحصرية، وهو ما يتطلب دعماً فورياً وغير مشروط لقوانا العسكرية، المدافع الشرعي الوحيد عن هذا البلد، وينتهي بإعادة الاندماج: برنامج إعادة إعمار تديره الدولة اللبنانية وحدها، مقروناً بفرص اقتصادية حقيقية، بحيث لا يعود السلاح هو الخيار الوحيد، بل بينه وبين دولة فاعلة تحقق وعودها.
وبالرغم من التعقيدات المرافقة لهذا الموضوع، يرى الرئيس أن الخيار السياسي والعسكري وحدهما لن يكونا الحلّ، فيرسي معادلة سياسية اقتصادية ويقول إن “المعادلة بسيطة: مسار سياسي من دون مسار اقتصادي هو دولة لا يمكنها المنافسة. الدولة القوية هي البديل الوحيد للفراغ، الذي إن لم تحل الدولة محله، فسيتولى آخرون هذه المسؤولية.
في كل مرحلة من هذا المسار، يجب أن تكون الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يبسط سلطته على أرضه، ويتحكم بحدوده، ويحتكر وحده قرار الحرب والسلم على أراضيه. هذا هو المسار الذي اخترته، وهو المسار الذي جئت إلى واشنطن لأطلب منكم أن تسلكوه معنا”.
وباعلانه هذا من واشنطن، يكشف عون أنه طرح هذا الأمر على الأميركيين من دون أن يفصح عما إن كان لاقى قبولاً لطرحه أم لا.
كلام عون فتح النقاش حول مدى قبول الحزب بهذه المعادلة، وما إن كان الرئيس فاتحه أو ناقشه بها مباشرة أو عبر الوسطاء، وتحديداً الرئيس نبيه بري، علماً بأن الحزب لا ينفك يكرر أن وظيفة السلاح لم تنتف في ظلّ استمرار الاحتلال.
ويكشف متابعون في المقابل عن طرح يرمي إلى اعتماد خيار يقضي بإبقاء السلاح في مخازنه، على أن يكون تحت إشراف الجيش اللبناني. ويُطرح هذا الخيار كحلٍّ وسط يتيح تجنّب المواجهة، ويحافظ في الوقت نفسه على مبدأ عدم استخدام السلاح، بانتظار استكمال مسار تسليمه للدولة. لكنّ هذا الطرح، على قدر ما يبدو بسيطاً، يفتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد مكان تخزين السلاح.
اقرأ أيضا: مصر الأولى عالميا في تصدير الفراولة المجمدة.. صادرات قياسية خلال 2025
فماذا يعني عملياً أن يكون السلاح “تحت إشراف الجيش”؟ هل يعني أن الجيش يملك مفاتيح المخازن؟ أم هو يراقبها من الخارج؟ وهل يملك صلاحية فتحها أو نقل محتوياتها أو مصادرتها؟ والأهم: إذا وقع خلاف أو حادث أمني، فمن يملك القرار النهائي في كيفية التصرّف بهذا السلاح؟
وفيما يرى البعض أنه لا يزال من المبكر طرح مثل هذه الاسئلة قبل تحقيق أيّ تقدّم في مسار الانسحاب الاسرائيلي، يقول إن المشكلة الأساسية هنا هي مسألة “الإمرة”.
ففي أيّ دولة، لا تكفي الرقابة على السلاح لكي تصبح الدولة صاحبة القرار فيه. الملكية والإمرة والاستخدام يجب أن تكون واضحة ومحددة قانوناً ودستورياً. فإذا بقي السلاح ملكاً لـ”حزب الله”، وبقي القرار السياسي والعسكري بشأنه في يد قيادة الحزب، فإن وجود الجيش كجهة مشرفة قد يتحوّل إلى صيغة رقابة على سلاح لا تملك الدولة قرار استخدامه. أما إن كانت الدولة تريد أن تعتبر السلاح جزءاً من المنظومة العسكرية الشرعية، فالأمر يصبح مختلفاً جذرياً. عندها ينبغي أن تنتقل الملكية والإمرة والصلاحية التنفيذية إلى الدولة، وأن يصبح الجيش الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ القرار بشأنه، وفق تسلسل القيادة والمؤسسات الدستورية المعروفة.
ويبرز التحدي عند وقوع مشكلة كتعرّض أحد المخازن لهجوم إسرائيلي، مثلاً، أو تهريب للسلاح أو محاولة لفتح المخازن، أو حصول خلاف بين الجيش والحزب حول كيفية التصرف، هل يكون القرار للجيش والسلطة السياسية أم للحزب أم بالتنسيق بينهما؟ وهل سيعطى الجيش الحق أو الأمر في استخدام القوة لمنع إخراج السلاح؟ وهل يستطيع الحزب الاعتراض على قرار الجيش باعتبار أن السلاح ملكه؟ وفي هذه الحالة، من يتحمّل المسؤولية السياسية والأمنية عن النتائج؟ الأسئلة كثيرة ويتعذر الإجابة عنها اليوم لكنها مشروعة ومطروحة وستكون جوهر المشكلة إن لم يكن لدى الدولة أجوبة عليها.
أما طرح صيغة “السلاح في المخازن بإشراف الجيش”، فهي ستصبح مجرد تسوية تقنية لتأجيل المشكلة، لأن الخلاف الحقيقي ليس على مكان السلاح، بل على صاحب القرار فيه. وإذا بقيت الملكية والإمرة ملتبستين، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام سلاح مخزّن لكنه ليس خارج المعادلة السياسية والعسكرية.
من هنا، يبدو خيار الرئيس الأقرب إلى المعالجة، إذ يرتكز على إعادة الاندماج لعناصر الحزب في الجيش، بحيث ينسحب القرار أيضاً على السلاح الذي سيصبح تلقائياً في عهدة المؤسسة العسكرية!
