بغداد/ تميم الحسن
تخطط الفصائل المسلحة في العراق لفرض “حصار” على بغداد، إذا بقيت طهران تحت حصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق مصادر مطلعة.
وتقول المصادر لـ(المدى) إن منع إيران عبور ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز – باستثناء حالات محدودة جداً – يدخل في حسابات الضغط المتبادل.
لكن الخطر، وفق المصادر القريبة من دوائر القرار، لا يتوقف عند النفط.
وتقول المصادر إن الفصائل قد تهاجم استثمارات أميركية وسعودية إذا دخلت إلى العراق قبل التوصل إلى حل للأزمة الإيرانية.
وتصف المصادر ذلك بأنه محاولة لـ”فرض حصار” على العراق، ليس فقط عبر تعطيل صادرات النفط، وإنما أيضاً عبر منع دخول الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها بغداد بشدة.
وتضيف أن أزمة نزع سلاح الفصائل تتعقد بسبب تحويل طهران هذه الجماعات إلى “أوراق ضغط” في مواجهة ترامب.
في الجهة المقابلة، تحاول الحكومة العراقية إبقاء شريان النفط مفتوحاً.
وأعلن وزير النفط العراقي باسم العبادي استمرار المباحثات مع إيران لنقل النفط عبر مضيق هرمز.
وقال، خلال مؤتمر في البصرة يوم الجمعة، إن أربع ناقلات نفط حملت الخام في ذلك اليوم، وهي في طريقها إلى الإبحار.
وكشف أن معدل التصدير اليومي للنفط منذ أوائل آب وحتى الآن بلغ مليوني برميل. لكن الأرقام تضع الحكومة أمام اختبار قاسٍ. فاحتياجات الرواتب الشهرية، بحسب تقديرات متداولة، تقترب من 8 تريليونات دينار، فيما تقترب الالتزامات والدين العام من 100 تريليون دينار.
“صاروخ واحد” يكفي لفرار الشركات
وتقول المصادر القريبة من أحزاب “الإطار التنسيقي” إن حل الفصائل أو نزع سلاحها الثقيل “لن يتحقق بدون موافقة طهران”، وإلا فإن العراق قد يجد نفسه أمام احتمال الصدامات المسلحة.
وفي هذا السياق، جاء هجوم الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أبو آلاء الولائي، على ما وصفه بـ”الهيمنة الأميركية” على أموال العراق، داعياً إلى التحرر من تلك السيطرة.
وقال الولائي، في تدوينة على منصة “إكس”، إن من أوضح أوجه السيادة المنقوصة للعراق “هيمنة أمريكا عليه اقتصادياً واحتلالها وسيطرتها على أمواله حرفياً وتحكمها بثرواته كلياً”.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أدرجت كتائب “سيد الشهداء” على لائحة الإرهاب، وأعلنت في نيسان الماضي مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أبو آلاء الولائي، لاتهامه بالوقوف وراء هجمات استهدفت مصالح وقواعد أميركية في العراق وسوريا.
ولم يكتف الولائي بذلك، إذ قال، وهو الممنوع بأوامر أميركية من تولي أي منصب: “وهل نطلب كثيراً إذا أردنا التحرر من الهيمنة المالية والاقتصادية الأمريكية، وتنويع أسواق التصدير وشبكة العلاقات المصرفية، وبناء اقتصاد يملك قراره وثروته ومسارات تجارته؟”
وأضاف: “فالسيادة لا تكتمل بالسيطرة على الأرض وحدها، بل بامتلاك القرار السياسي والاقتصادي والمالي بعيداً عن هيمنة أي قوة خارجية”.
وقبل الولائي، كان زعيم حركة النجباء أكرم الكعبي قد ذهب أبعد في مهاجمة الاستثمارات الأميركية.
وقال في منشور إن “التصدي للاستثمارات الأميركية بات واجباً على المقاومة باعتبارها هدفاً أساسياً، ولن يُسمح بنهب خيرات البلاد تحت أي مسمى”.
وعلى طريقة الولائي، دعا الكعبي إلى “تحرير نفط العراق من الوصاية الأميركية، وتسلم أثمان مبيعات النفط من غير ذهابها للوصي السارق”.
ويقول نائب شيعي سابق لـ(المدى): “من يستطيع أن يدخل استثمارات أجنبية إلى العراق بدون موافقة إيران؟ صاروخ واحد ستهرب الشركات”.
وكانت قد غادرت شركات مهمة، بينها “لوكهيد مارتن” و”إكسون موبيل”، العراق في فترات متقطعة بسبب هجمات الفصائل والبيئة الأمنية.
اقرأ أيضا: الكاميرون تتوج بكأس أمم أفريقيا للسيدات للمرة الأولى في تاريخها
حلفاء الزيدي يتراجعون
وفي الخلفية، يظل موعد 30 أيلول حاضراً، فبقاء السلاح بيد الفصائل يهدد بنسف ما حققه الزيدي في تموز الماضي خلال زيارته إلى واشنطن، حيث وقع مذكرات تفاهم لجذب استثمارات أميركية إلى العراق. وخلال الأسبوعين الأخيرين، نجحت الفصائل، بحسب المعطيات المتداولة، في إعاقة حصول الزيدي على استثمارات مماثلة من السعودية بعد هجمات استهدفت الرياض. وبالتدريج، بدأ حلفاء الزيدي بالتراجع عن زخم الدعوات إلى نزع السلاح، وهي الحملة التي يفترض أن تنتهي في 30 أيلول المقبل. لكن الطريق إلى ذلك الموعد لا يبدو مستقيماً.
يقول عضو المكتب السياسي في تيار الحكمة، فهد الجبوري، إن معالجة حصر السلاح بيد الدولة تتطلب اعتماد “الحوار والتفاهم”.
ويعتبر الجبوري، في تصريح لـ(المدى)، أن التفاوض “يحفظ استقرار البلاد وتضحيات الفصائل التي كان لها دور بالقتال ضد داعش”.
لكن في جرف الصخر، حيث توجد واحدة من أكبر قواعد الفصائل ضمن القواعد الـ12 الممتدة من البصرة إلى نينوى، كان الخطاب أكثر صلابة.
ففي تظاهرة قرب جرف الصخر، هاجم عضو في منظمة بدر بزعامة هادي العامري، علي الزيدي.
وطالب مهند العنزي، عضو مجلس محافظة بابل، الزيدي بأن يترك “سلاح المقاومة”، معتبراً أن هذه القضية “حديث كبار”. وسبق ذلك موقف محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة بدر، الذي أعلن رفض المنظمة التلويح باستخدام القوة لانتزاع سلاح الفصائل.
ويعتقد مراقبون أن العامري هو الزعيم الشيعي الذي ترددت معلومات عن قيامه بمحاولة أخيرة للتباحث مع الفصائل، بحثاً عن مخرج لا ينتهي بمواجهة داخل البيت الشيعي.
وكان زعيم منظمة بدر قد طالب، قبل أسبوعين، من أسماهم “المقاومة” بعدم الرد على السعودية، ودعا إلى اعتماد المسار الدبلوماسي.
قاآني وقاليباف يبدلان حسابات بغداد
ويقول النائب الشيعي السابق إن القوى الشيعية اضطرت إلى إعلان موافقتها على خطة الزيدي بسبب تهديدات ترامب، “لكن إيران لديها قول آخر”.
وبعد زيارة إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، وقبله محمد باقر قاليباف، إلى بغداد في زيارات سرية، تبدل المشهد، بحسب النائب، وارتفعت الاعتراضات على خطة نزع السلاح.
ويقول: “صارت هناك قناعات بأن واشنطن تخطط لإسقاط النظام في إيران بعد سحب سلاح الفصائل”.
وينقل النائب عن قادة في الإطار أن سحب السلاح “غير منطقي” بسبب عدم قدرة بغداد على حماية الأجواء، كما حدث في الهجمات السعودية-الأميركية الأخيرة. وتعتقد الفصائل، وفق النائب، أنها ستكون عرضة للاغتيالات أو الاعتقالات بعد تسليم السلاح، ولذلك طلبت ضمانات من الزعيم الشيعي الذي يخوض ما توصف بأنها “الفرصة الأخيرة”. ويشير النائب السابق، الذي طلب عدم نشر اسمه، إلى محاولات لتضليل الحملة، بحيث يُقال إنها تستهدف “حل الحشد”، وهو ما نفته الحكومة. وهناك، في المقابل، من يخشى أن يؤدي سحب السلاح بصورة قسرية إلى ظهور جماعات جديدة شبيهة بـ”داعش”. وخلال اليومين الأخيرين، عاد سيناريو الصدام بين الحكومة والفصائل إلى التداول بقوة. لكن معلومات حصلت عليها (المدى) تشير إلى أن طهران، وهو رأي يتبناه قادة غير شيعة أيضاً، ستعمل على منع أي صدام شيعي-شيعي، كما حدث بعد انتخابات 2021 واعتزال مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، العمل السياسي. وفي هذا الإطار، طرحت طهران، التي تبدو حريصة على إبقاء الفصائل داخل الإطار التنسيقي، فكرة تقوم على “تخزين السلاح وليس تسليمه”.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – غدير الشرعبي ترد على حكم براءة المتهم بمقتل والدها الحاج سيف: الحق له جولة أخرى
هل يمكن تجنب الصدام المسلح؟
يعتقد مثال الألوسي، مؤسس حزب الأمة، أن سيناريو الصدام بين الحكومة والفصائل لا يزال قابلاً للتجنب، خصوصاً إذا صحت المعلومات عن خطة حكومية تقوم على استخدام ملف الفساد كأداة ضغط بديلة عن المواجهة المسلحة.
ويقول الألوسي لـ(المدى) إن هناك معلومات تفيد بأن الحكومة قد تكون بصدد توظيف مكافحة الفساد كـ”قرباج” في عملية نزع السلاح، ولا سيما في مواجهة قيادات سياسية إسلامية، بعضها موجود داخل الحكومة، وتحوم حول أطراف منها اتهامات بالفساد.
ويرى أن استخدام ملفات الفساد بهذه الطريقة، إذا جرى “بذكاء” ومن دون تصعيد أمني، قد يفتح طريقاً لنزع السلاح من دون الانزلاق إلى المواجهة.
لكن الألوسي يضع شرطاً آخر أمام الحكومة: أن تثبت قدرتها على فرض سلطة الدولة من دون أن تحوّل معركة السلاح إلى معركة داخل البيت الشيعي.
ويقول إن على الحكومة أن “تؤكد قدرتها وعدم ترددها باستخدام سلاح الدولة لفرض الدولة”، لكنه يحذر من أن يتم ذلك من دون عقلانية، حتى لا ينتهي الأمر إلى “فوضى أو اقتتال شيعي-شيعي أو عصيان”، مؤكداً أن إدارة هذا الملف “تحتاج إلى حكمة عالية”.
The post خنق بغداد: الفصائل تصوب على النفط والشركات الأميركية appeared first on جريدة المدى.
