عبد الخالق كيطان
الحياة قصيرة. لا تكفي لكي تحقق حلمك فيها. هذا ما يحدث دائما.
بالأمس رحل كائن جميل جدا. صلاح القصب. الأستاذ في الفنون المسرحية. المخرج الذي اختلف من حوله الجمهور والنقاد. الصديق الذي كانت شقته ملاذا للأرواح المعذبة. النبيل الذي يهدي ملابسه إلى أصدقائه. الفنان الذي يطغى حضوره على الجميع بصوته الواثق. الذي لم تستوقفه صغائر الأمور، فلقد كان المسرح حلمه. وحلمه الوحيد. رحل صلاح القصب وهو ينتظر لربع قرن أن يحقق اكبر احلامه بإخراج مسرحية ريتشارد الثالث. ولكن، من يأبه في زمن الاستلاب الكلّي؟
بدأ القصب ممثلا. ومن شاهده على المسرح حكى لنا عن موهبة لافتة، إلا أنه غادرها لصالح الإخراج المسرحي. وفي اعتقادي فلقد خدم مسرحنا كثيرا بهذه الانتقالة من التمثيل للإخراج، ليس انتقاصا من فن الممثل، بل لحاجة مسرحنا الى رؤى جديدة في قراءة النصوص المسرحية، وتطويع العالمي منها، إلى متلق بمرجعيات ثقافية مختلفة. ولقد وجد القصب ضالته في وليم شيكسبير وانطوان تشيخوف. دون أن ننسى رؤيته الشعرية لبعض النصوص العراقية.
والتصدي للإخراج بقصدية الاختلاف مهمة صعبة في مسرح حديث، بالمعنى التاريخي. ولقد كان القصب جديرا بهذه الجرأة لأنه ابن المسرح الواقعي، وهو احد شهود، بل وصناع هذا التاريخ. ولما عاد من دراسته في بلغاريا حوالي العام ١٩٨٠، دشّن مرحلة ثورية على خشبات المسرح. وهي ثورة في الشكل، حتى لا تختلط المفاهيم، كان هدفها كسر نمط العرض والفرجة على حد سواء. ومثل أيّ بضاعة جديدة، فلقد حظي صاحبها بهجوم سافر من قبل حرّاس المعبد القديم، ووجد في الشباب ضالته. وهكذا كان محاطا على الدوام بمواهب شبابية تبحث عن فرصة لكي تنطلق وتطلق العنان لأحلامها.
لم يكن صلاح القصب مجرد تجربة في المسرح العراقي، والعربي، بل كان رائدا في عمله المختبري الذي يبدأ من اختيار النص مرورا بالمشاركة في تحليله مع مجموعة الشباب ومن ثم التمرين عليه حتى الوصول إلى لحظة العرض. وفي عقدين من الزمان، الثمانينيات والتسعينيات، أثبتت عروض القصب أحقيتها بأن تكون سفيرة للفن الخالص، والمثقف، المختلف والجمالي. وايضا، وبالرغم من أنه لم يقدم عملا من أعماله خارج خشبات المسارح العراقية، فإن تلك الأعمال وجدت صداها عند قطاع واسع من المسرحيين العرب، ووقع بعضهم، كما وقع بعض العراقيين قبلهم، في فخ تقليده أو محاولة استنساخه. لا يحدث ذلك إلا مع التجارب التأسيسية الكبيرة. فالأعمال الكبيرة هي التي تشجع أو تغوي على تقليدها.
ظل القصب وفيا لأكاديمية الفنون الجميلة. وفيا لبلاده. لطلبته. وكان يقطع الطريق مشيا على الأقدام من شقته في شارع حيفا الى مبنى الاكاديمية أيام الاقتتال الطائفي والانحطاط الأخلاقي. لم يلتفت الى الموت ومندوبيه من الملثمين وهو يستبيحون الشوارع وحرمات الناس، لأنه كان يحلّق مع حلمه الجمالي ولا ينظر إلى رزم الأوغاد هنا وهناك. كيف نجا من ذلك الموت المحتم؟ ربما بسبب قدرته الخطيرة في الانعزال عن الواقع والعيش في الحلم.
ولكننا قتلنا حلمه، كما نفعل دائما. لم يكن هذا الكائن يطمع في مال أو شهرة. كان يريد فقط مواصلة مشروعه المدهش في المسرح، ولكن ظل هذا الحلم عصيّا على التحقق. فالناس خلال ربع قرن انفضّت تماما عن المستقبل وغرقت في الماضي.
ستذكرك نوارس دجلة وهي تحلق بين الرصافة والكرخ. وسيبكي عليك طلبتك المنتشرين في القارات لأنك علّمتهم أن لا بديل عن المخيلة. سوف يرثيك مسرح الرشيد. وسوف تبقى أكاديمية الفنون البيت الكبير الذي بعثت خطواتك فيها الأمل في نفوس التواقين للتغيير.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – تطورات متسارعة.. طائرات مسيّرة تخترق أجواء مأرب والدفاعات الجوية تتدخل
The post حتى لا يضيع الوهم: رحيل كائن جميل appeared first on جريدة المدى.
