بغداد / يوسف فراس
تدفع تداعيات الجفاف وشح المياه وتراجع فرص العمل نساء من جنوب العراق إلى النزوح نحو بغداد بحثا عن مصادر دخل بديلة، لتجد بعضهن أنفسهن في معامل الطابوق بأطراف العاصمة، وسط درجات حرارة مرتفعة وغبار وساعات عمل طويلة، في محاولة لتأمين احتياجات أسر فقدت أو تراجعت مصادر رزقها.
وتؤكد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن ملف الفئات الهشة والعاملين في القطاعات غير المنظمة يخضع للمتابعة من خلال التفتيش وبرامج الحماية الاجتماعية والتدريب المهني.
وتقول المتحدثة باسم الوزارة، رقية حسن، في حديث لـ(المدى)، إن «الوزارة تعمل على تحقيق التوازن بين توفير فرص العمل وحماية حقوق العمال، من خلال دعم التشغيل ومراكز التدريب المهني، إلى جانب تعزيز الرقابة والتفتيش لتطبيق قانون العمل والتأكيد على شروط السلامة والصحة المهنية». وحول آلية التعامل مع النساء العاملات في معامل الطابوق وأسرهن، تبين حسن أن «الوزارة لا تتعامل مع هذه الحالات بوصفهن عاملات فقط، وإنما كأسر قد تكون بحاجة إلى تدخل اجتماعي واقتصادي متكامل».
وتوضح أن «أجهزة التفتيش العمالي تنفذ زيارات ميدانية للتحقق من ظروف العمل ورصد المخالفات أو تشغيل الأطفال، فيما تجري دراسة أوضاع الأسر المتعففة لشمولها ببرامج شبكة الحماية الاجتماعية وفق الضوابط النافذة».
وتضيف أن الوزارة تركز على منع عمالة الأطفال والعمل على إعادتهم إلى المدارس بالتنسيق مع الجهات المختصة، إلى جانب توفير القروض الميسرة وبرامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني لإيجاد مصادر دخل بديلة. وعن الحد من النزوح الاقتصادي نحو بغداد، تشير حسن إلى أن الوزارة تسعى إلى توسيع برامج التدريب المهني والمشاريع المدرة للدخل داخل المحافظات، وتشجيع الاستثمار المحلي لتوفير فرص عمل وتقليل حركة السكان باتجاه العاصمة.
وعلى الرغم من ارتباط الهجرة الداخلية في العراق بعوامل أمنية واقتصادية واجتماعية، أصبح التغير المناخي خلال السنوات الأخيرة أحد العوامل التي تدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، خصوصا في المحافظات الجنوبية والمناطق الريفية المتضررة من الجفاف وشح المياه.
ويقول المتخصص في الشأن البيئي والمناخي، ليث العبيدي، في حديث لـ(المدى)، إن «لجوء المجتمعات المحلية إلى هذه الأعمال القاسية في أطراف المدن هو نتيجة مباشرة لخسارتها مصادر الدخل المرتبطة بالزراعة وتربية الحيوانات وغيرها من المهن التي تعتمد على المياه والتربة».
ويضيف العبيدي أن «موجات الجفاف المتتالية وشح المياه وتدهور الأراضي، إلى جانب غياب الخطط التنموية الكافية لإعادة إنعاش المناطق المتضررة، دفعت العائلات إلى النزوح باتجاه بغداد والبحث عن أي فرصة عمل متاحة».
ويشير إلى أن العمل في معامل الطابوق يشكل عبئا إضافيا على النساء، بسبب ارتفاع درجات الحرارة ورفع الأحمال والعمل لفترات طويلة، فضلا عن التعرض المستمر للغبار والدخان، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإجهاد ومشكلات صحية مختلفة.
ويرى العبيدي أن «أي خطوة عملية للسيطرة على عمليات النزوح تبدأ من وضع دراسات ميدانية وعلمية دقيقة لتقييم احتياجات المناطق المتضررة من الجفاف، وتوفير برامج للتكيف مع التغير المناخي بالتنسيق بين وزارات الزراعة والموارد المائية والتخطيط».
ويضيف أن توفير فرص العمل ودعم السكان في مناطقهم الأصلية يمكن أن يسهم في الحد من اضطرارهم إلى الانتقال نحو المدن والقبول بأعمال شاقة لتأمين معيشتهم.
من جانبها، تصف مديرة منظمة «شمس الإنسانية للمرأة والطفل»، سهاد دلي العكيدي، واقع النساء والأسر النازحة العاملة في معامل الطابوق بأنه «ظرف إنساني واقتصادي بالغ القسوة، يجتمع فيه النزوح والفقر والعمل الشاق وعدم الاستقرار السكني».
وتوضح العكيدي، في حديث لـ(المدى)، أن «المرأة في هذه البيئة لا تتحمل مسؤولية العمل فقط، وإنما تقوم أيضا برعاية الأطفال وإدارة شؤون الأسرة، في ظل ضعف الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي».
وتزداد صعوبة هذه الظروف بالنسبة إلى الأرامل والمطلقات والنساء اللواتي فقدن معيلهن، إذ تصبح مسؤولية توفير دخل الأسرة واقعة على عاتقهن بصورة أكبر.
وتحذر العكيدي من تبعات صحية واجتماعية مرتبطة بهذه الظروف، مشيرة إلى أن الفرق الميدانية ترصد حالات من أمراض الجهاز التنفسي والإجهاد الحراري والإرهاق المزمن، إلى جانب الضغوط النفسية التي ترافق العمل والمعيشة في هذه الظروف.
وتلفت إلى أن بعض الأسر قد تضطر إلى إشراك أطفالها في العمل أو إخراجهم من المدارس للمساعدة في توفير الدخل، الأمر الذي يهدد مستقبلهم ويعرضهم لمخاطر الاستغلال والعمل المبكر.
وفيما يتعلق بالبيانات، تكشف العكيدي عن «عدم توفر إحصائية رسمية دقيقة ومحدثة تحصر أعداد النساء والعوائل العاملة في هذا القطاع»، عازية ذلك إلى طبيعة العمل والتنقل وعدم تسجيل جميع العاملين بصورة رسمية.
وتؤكد أن «الخطوة الأكثر إلحاحا تتمثل في إجراء مسح ميداني حكومي شامل للعاملين والعاملات في معامل الطابوق، وتسجيل أوضاعهم، وإدراج الأسر الأشد فقرا ضمن برامج الحماية الاجتماعية».
وتشدد العكيدي على أهمية توفير مفارز صحية قريبة من مناطق العمل، إلى جانب إيجاد بدائل دخل من خلال المشاريع الصغيرة والتدريب المهني، بما يساعد الأسر على تقليل اعتمادها على الأعمال الشاقة والخطرة.
اقرأ أيضا: طرابزون سبور يجمد صفقة نونيز ويستعد للتعاقد مع نجم آرسنال
The post جفاف الجنوب يدفع نساء إلى أعمال شاقة في معامل الطابوق ببغداد appeared first on جريدة المدى.
