بغداد / احمد كوكب
تتصاعد في العراق الدعوات النيابية والمحلية لتجميد عمل مجالس المحافظات تمهيدا لإلغائها عبر تعديل دستوري، وسط انتقادات تتعلق بالفساد وضعف الأداء وتداخل النفوذ السياسي، فيما يحذر مختصون من أن الخطوة قد تعيد تكريس المركزية وتضعف التوازن بين بغداد والمحافظات.
وقالت النائب هيام الياسري، في حديث خاص لـ«المدى»، إنها تؤيد تجميد مجالس المحافظات وتدعم إلغاءها بشكل كامل، شريطة اقتران هذه الخطوة بتعديل النص الدستوري.
وأوضحت الياسري أنها، برفقة عدد من النواب، جمعت تواقيع وتقدمت بطلب رسمي لتجميد عمل مجالس المحافظات تمهيدا لإلغائها بموجب تعديل دستوري.
وبينت أن هذه الخطوة تأتي استكمالا لما سبق أن دعت إليه منذ إطلاق حملتها الوطنية لتعديل الدستور، إذ كان إلغاء مجالس المحافظات أحد المطالب الخمسة الأساسية التي وقع عليها أكثر من 70 ألف مواطن.
ورحبت الياسري بكل خطوة تتجه في هذا المسار، مشددة على دعمها لكل نائب يتبناها، معتبرة أن مجالس المحافظات تمثل ملفا كبيرا من ملفات الفساد والمحاصصة والامتيازات المالية التي ترهق موارد الدولة والمال العام.
ولفتت إلى أن الإجراء يمثل جزءا من رؤية إصلاحية متكاملة، مؤكدة أن المطلوب حاليا تحقيق إصلاح دستوري شامل، وتجريم المحاصصة الطائفية والحزبية، وإقرار انتخاب المحافظين ورئيس الوزراء بشكل مباشر من الشعب، فضلا عن إلغاء الكوتا النسائية أو تخفيض نسبتها.
وأكدت الياسري أن النواب ماضون في طرح هذه الرؤية تحت قبة البرلمان وفي الأوساط الشعبية، لأن الناس، بحسب قولها، تطمح إلى تحقيق تغيير سياسي وإداري حقيقي في البلاد.
ومن داخل مجالس المحافظات نفسها، تتصاعد أصوات تدعو إلى وقف العمل بهذه المؤسسات بعد ما تصفه بإخفاقها في معالجة الملفات الخدمية والرقابية واستمرار الانسداد داخل الحكومات المحلية.
وقال عضو مجلس محافظة بابل محمد حمزة المنصوري، في حديث خاص لـ«المدى»، إن موقفه واضح منذ البداية، إذ سبق أن دعا إلى غلق مجلس محافظة بابل في عام 2024، عقب انعقاد الجلسة الأولى التي وصفها بـ«المحاصصاتية والليلية»، مشيرا إلى أن موقفه الحالي امتداد لموقفه السابق الداعي إلى إلغاء المجالس عام 2019.
وأوضح المنصوري أن «الفشل الواضح والصريح والتقصير المتعمد» من مجالس المحافظات يبرران تجميدها، معتبرا أنها أصبحت مؤسسات «لا تغني ولا تسمن من جوع» بالنسبة إلى المواطنين.
وبين أن صلاحيات المجالس الحالية معطلة في واقع الحال، وأنها انتقلت عمليا إلى المحافظ، لأن أغلب المحافظين يديرون شؤون محافظاتهم من دون اكتراث كبير بالوجود السياسي أو الرقابي لمجالس المحافظات.
وشدد على أن تجميد هذه المجالس يمكن أن يحقق وفرة مالية قد تستخدم في تمويل مشاريع أخرى، مضيفا أن مجلس محافظة بابل «لم ينجز أي شيء ملموس على الأرض».
وأشار إلى أن من أبرز الملفات التي أخفق فيها المجلس عجزه عن تحمل مسؤولياته في محاسبة المحافظين السابقين المقصرين، ممن قال إن «شبهات فساد تحوم حولهم» وإن بينهم «مدانين رسميا في محاكم القضاء المختصة».
ورأى المنصوري أنه لا يوجد تداخل في الصلاحيات بين المجلس والمحافظ، لأن المحافظ يمتلك كتلة داخل المجلس، وبالتالي فهما يمثلان فريقا واحدا، واصفا هذا الاندماج بأنه من «أفظع الأخطاء» التي مرت بها الحكومات المحلية خلال 20 سنة.
وخلص إلى أن الحل يكمن في التجميد حاليا أو الإلغاء النهائي، موضحا أن الإلغاء التام يتطلب تعديل النص الدستوري المتمثل بالمادة 122 من الدستور العراقي.
في المقابل، يرى مختصون بالشأن السياسي أن الدعوات التشريعية المتزايدة لتجميد المجالس تتجاوز الاعتبارات المالية، وترتبط أيضا بصراعات النفوذ والتحضيرات الجارية للمشهد الانتخابي المقبل.
وقال المتخصص بالشأن السياسي علي الحبيب، في حديث خاص لـ«المدى»، إن إعادة انتخاب مجالس المحافظات في نهاية عام 2023 وبدء عملها في 2024 بعد تعليق طويل، تجعل التوجه النيابي الحالي لتجميدها أو إلغائها يأتي وسط ضغوط مالية وتداخلات في الصلاحيات، فضلا عن سياق إعداد الانتخابات المبكرة.
وأوضح الحبيب أن التوقيت يعكس، من وجهة نظره، رغبة الكتل السياسية في استعادة نفوذها المحلي قبل ترسيخه داخل المجالس، مع استغلال الشكاوى الشعبية وضعف الأداء واستشراء الفساد.
ورأى أن الأزمة الراهنة تمثل مزيجا من خلل الأداء وصراع النفوذ، إذ أدت التعيينات الحزبية والانقسامات إلى تأخير المشاريع، محذرا من أن تجميد المجالس سيعيد المركزية إلى بغداد ويقوي المحافظين المدعومين من كتل نافذة.
وحذر الحبيب من تداعيات سياسية قد تضعف شرعية الانتخابات وتفتح الباب أمام الطعون الدستورية وتزيد التوتر بين المركز والمحافظات، مشيرا إلى أن الأثر المالي للتجميد يبقى محدودا لأن رواتب الأعضاء ليست البند الأكبر في الموازنة.
ودعا إلى إعادة تنظيم الصلاحيات ومحاسبة الأعضاء المقصرين، لتجنب العودة إلى المركزية وتفريغ اللامركزية من مضمونها الدستوري.
وقارن الحبيب بين ظروف عام 2019 والوضع الحالي، موضحا أن قرار التجميد السابق جاء بالتزامن مع احتجاجات تشرين الشعبية الواسعة، بينما البيئة الحالية أقل انفجارا ولا تشهد، بحسب قوله، مواجهة شعبية تطالب بالإلغاء، وإنما توافقا سياسيا فرضته الضغوط المالية وحملات مكافحة الفساد.
وأضاف أن تجميد المجالس يمثل إجراء سياسيا ورمزيا لا يرقى، بحسب تقديره، إلى إصلاح جذري للأزمات، مؤكدا أن الإصلاح الحقيقي يتطلب إطارا قانونيا وتنفيذيا محكما ومحاسبة فعلية.
The post تحرك نيابي لتجميد مجالس المحافظات وتحذيرات من تفريغ اللامركزية من مضمونها appeared first on جريدة المدى.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – طائرات مسيرة وتحركات غامضة.. هل اقتربت معركة البرح الحاسمة؟
