أجرى مجلس الأمن الدولي، الجمعة، جولة ثانية من “التصويت الاسترشادي” (الشكلي) لاختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة لخلافة جوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية في نهاية عام 2026، في ظل انقسامات عميقة داخل المؤسسة الدولية.
ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة أن استطلاعا غير رسمي أظهر تقدما طفيفا لـ”كارولين رودريجيز-بيركيت”، المرشحة من غيانا في السباق على المنصب.
اقرأ أيضا: رويترز: فقدان 13 تونسيا إثر غرق مركب مهاجرين قبالة السواحل التونسية
ويُعد هذا الاستطلاع هو الثاني من نوعه بعد أن أظهر استطلاع أولي تقدمًا مبكرًا لنائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا جرينسبان.
يأتي ذلك في وقت تتجه فيه الأنظار إلى احتمال وصول امرأة للمرة الأولى إلى قمة المنظمة الدولية، مع بقاء الحسم الفعلي رهينًا بمواقف الدول الخمس دائمة العضوية وحقها في استخدام “الفيتو”، بحسب “رويترز”.
صدارة الجولة الثانية
ويضم المجلس 15 دولة، ويجري التصويت خلف أبواب مغلقة باستخدام خيارات: “تشجيع، وعدم تشجيع، و”عدم إبداء رأي”.
وبحسب دبلوماسيين تحدثوا لصحيفة “The National”، حصلت مرشحة غويانا كارولين رودريجيز-بيركيت على 8 أصوات تشجيع، لتتصدر الجولة الثانية، فيما حصلت ريبيكا جرينسبان، التي تصدرت الجولة الأولى، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، على 7 أصوات تشجيع لكل منهما.
وأظهرت تفاصيل نقلتها صحيفة “El País” أن رودريجيز-بيركيت حصلت أيضًا على 3 أصوات “عدم تشجيع”، مقابل 4 أصوات سلبية لجرينسبان، ما جعل المرشحتين تتبادلان صدارة السباق بين جولتي التصويت.
وكانت جرينسبان قد تصدرت الجولة الأولى التي أجريت في 30 يوليو، متقدمة على رودريجيز-بيركيت وجروسي.
حضور نسائي
وارتفع عدد المتنافسين على المنصب إلى 8 مرشحين بعد دخول الدبلوماسية الإكوادورية إيفون عبد الباقي السباق بترشيح من مملكة تونغا في 17 أغسطس.
وتضم القائمة الحالية، إلى جانب رودريجيز-بيركيت وجرينسبان وجروسي، الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والرئيس السنغالي السابق ماكي سال، والدبلوماسي الأوغندي أولارا أوتونو، إضافة إلى عبد الباقي.
وبذلك تضم القائمة 5 نساء مقابل 3 رجال، في سباق قد ينتهي باختيار أول امرأة في تاريخ الأمم المتحدة لتولي منصب الأمين العام، وهو ما يحظى بدعم متزايد من دول ومنظمات مدنية.
إيفون عبد الباقي
دخلت إيفون عبد الباقي السباق متأخرة، ولذلك لم تشارك في الجولة الأولى من التصويت الاسترشادي.
وبحسب الأمم المتحدة ووكالة رويترز، رشحتها تونجا رسميًا في 17 أغسطس، لتصبح المرشحة الثامنة.
وعبد الباقي دبلوماسية إكوادورية وُلدت لأبوين مهاجرين من لبنان، وعاشت في لبنان خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، وشغلت سابقًا مناصب حكومية ودبلوماسية عدة، بينها منصب وزيرة في الحكومة الإكوادورية، كما عملت سفيرة لبلادها لدى الولايات المتحدة وفرنسا وقطر.
وخلال حوار غير رسمي مع الدول الأعضاء والمجتمع المدني، الخميس، استندت عبد الباقي إلى تجربتها خلال الحرب اللبنانية، قائلة إنها عاشت سنوات الحرب في بيروت واحتضنت أطفالها الثلاثة أثناء سقوط القنابل، قبل أن تتعهد بتكريس حياتها للسلام.
وتعهدت، في حال انتخابها، بالتركيز على منع النزاعات قبل اندلاعها، والعمل ميدانيًا في مناطق التوتر والحروب، إلى جانب الدفع باتجاه إصلاح الأمم المتحدة وجعل مجلس الأمن أكثر تمثيلًا للواقع الجيوسياسي الحالي.
لكن دخولها المتأخر لم ينعكس على نتائج الجولة الثانية؛ إذ حصلت، على صفر من أصوات التشجيع و8 أصوات عدم تشجيع. وأوردت “El País” أن لديها 7 أصوات امتناع عن إبداء الرأي.
وكانت “رويترز” قد ذكرت أن إيفون عبد الباقي قالت سابقًا لإذاعة إكوادورية إن ترشحها يحظى بدعم أمريكي، مع الإشارة إلى أن واشنطن لم تعلق رسميًا على هذه التصريحات.
حظوظ متزايدة
يشير مسار التصويت حتى الآن إلى حضور نسائي قوي في مقدمة السباق، مع تصدر جرينسبان الجولة الأولى ثم انتقال رودريجيز-بيركيت إلى المركز الأول في الجولة الثانية.
كما أن المرشحتين تمثلان منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهي المنطقة التي يُنظر إليها تقليديًا باعتبارها الأقرب إلى تولي المنصب في الدورة الحالية وفق مبدأ التناوب الجغرافي غير الملزم.
وفي حال فوز أي من جرينسبان أو رودريجيز-بيركيت، ستكون تلك المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة منذ تأسيس المنظمة عام 1945.
اقرأ أيضا: المشهد الدولي – ترامب يعلن مضيق هرمز أرض أمريكية وتصريحاته تثير ردود فعل واسعة
تراجع جروسي
احتفظ رافائيل جروسي بموقع متقدم في الجولة الثانية، بحصوله على 7 أصوات تشجيع، لكنه لم يتمكن من تجاوز المرشحتين المتصدرتين. وتقول El País إن جروسي بقي في المركز الثالث في جولتي التصويت، بعدما كان يُنظر إليه في مرحلة سابقة باعتباره أحد أبرز المرشحين.
وفي المقابل، يرى دبلوماسيون ومراقبون أن السباق لا يزال مفتوحًا، إذ لم تبدأ بعد المرحلة التي تكشف بصورة أوضح مواقف الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا. كما لا يزال احتمال دخول مرشحين جدد قائمًا.
وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن ظهور مرشحين جدد يظل احتمالًا قائمًا إذا لم يتمكن أي من الأسماء الحالية من تحقيق تقدم كافٍ.
اختيار الأمين العام
ينص ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام يُعيَّن من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. وعمليًا، يحتاج المرشح إلى الحصول على 9 أصوات على الأقل من أصل 15 في مجلس الأمن، مع عدم استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض ضده. وبعد تجاوز هذه المرحلة، تُحال التوصية إلى الجمعية العامة المكونة من 193 دولة لاعتماد التعيين.
وتُستخدم جولات التصويت الاسترشادي منذ عقود لاختبار حظوظ المرشحين قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر حساسية، بينما لا تُحفظ سجلات رسمية لهذه الاقتراعات، وتُتلف أوراق التصويت بعد كل جولة.
شفافية العملية
يتزامن السباق مع جدل بشأن مدى شفافية آلية اختيار الأمين العام. وكانت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك قد دفعت باتجاه عملية أكثر شفافية وشمولًا، بما في ذلك عقد حوارات علنية مع المرشحين وإتاحة الفرصة أمام الدول الأعضاء والمجتمع المدني للاستماع إلى برامجهم.
وأثارت هذه الجهود انتقادات من الولايات المتحدة وروسيا، اللتين اعتبرتا أن بيربوك تتجاوز نطاق الصلاحيات المرتبطة بدور الجمعية العامة في عملية تقودها أساسًا الدول الأعضاء في مجلس الأمن.
ضغوط متزايدة
ويأتي سباق الخلافة في مرحلة صعبة للأمم المتحدة، في ظل ضغوط مالية وسياسية وتحديات مرتبطة بالحروب والانقسامات الدولية. وأشارت رئاسة الجمعية العامة إلى أن المنظمة تواجه ضغوطًا مالية وسياسية غير مسبوقة، فيما يتواصل برنامج إصلاح “UN80” الرامي إلى جعلها أكثر كفاءة وفاعلية.
وتواجه المنظمة ضغوطًا من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التمويل والإصلاحات، فيما أعلنت واشنطن نيتها دفع 725 مليون دولار من متأخراتها للأمم المتحدة، مع ربط المساهمات المستقبلية بإجراءات إصلاح وخفض للتكاليف.
اقرأ أيضا: جيل مارين ينتقم من برشلونة في ألفاريز
