ستار كاووش
تحوَّلَ عدد من القصور الملكية في كوبنهاغن الى متاحف يمكن للناس زيارتها والتمع بمشاهدة تفاصيل تعود الى مئات السنين. أشياء لا يمكن تخيل جمالها وقوة تأثيرها ورهافة زخارفها ومحتوياتها. هي فرصة ذهبية إذن لمشاهد عجائب العمارة وعظمة الديكور وفتنة الأثاث الذي عاش أكثر مما يعيشه البشر.
حملتُ نفسي وتوجهتُ أولاً نحو قصر كريستيانسبورغ الذي كان مذهلاً بأناقته وجماله، حتى إنك لا تجرؤ على المشي فوق الارضيات التي إلتمعت كأنها من عالم الخيال والحكايات الأسطورية، كذلك الجدران التي احتوت على كنوز من الديكورات والنقوشات والاعمال الفنية. لذا لم أستغرب حين رأيت امرأة ترتدي بلدة زرقاء أنيقة وتلف شعرها مثل كرة صغيرة فوق هامتها، إقتربَتْ منا نحن الزائرين وأشارتْ برفق نحو صندوق جانبي مليء بحافظات بلاستيكية زرقاء أخذتْ شكل الأحذية، كي نلبسها فوق أحذيتنا، لنتجول بعدها بحريَّة في كل أنحاء القصر ومشاهدة تفاصيله المذهلة. وهكذا إخترتُ زوجين من أغطية الاحذيه ووضعت قدميَّ بداخها وأحكمتُ إغلاقهما، ثم مضيتُ وسط الترف الذي كان يعيشه الناس قبل بضعة قرون.
إضافة لجمال القصر ومحتوياته بشكل عام، فأن إحتواءه على أعمال فنية لا مثيل لها في أي مكان آخر هو ما دعاني لمنحه إهتمام خاص. انها الأعمال التي كنت أتوق لمشاهدتها منذ سنوات، والتي رسمت بطريقة الحياكة على السجاد وشغلت أكبر صالات القصر. لوحات بحجوم امتدت لأكثر من عشرة أمتار للَّوحة الواحدة، نُسجتْ كلها بطريقة فريدة ونادرة. لذا ما أن دخلتُ القصر حتى توجهتُ مباشرة نحو الصالة التي ضمَّتْ هذه الكنوز وقضيتُ بضع ساعات أتأمل التفاصيل وأتوقف أمام التقنيات والألوان والتفاصيل التي بدتْ كأنها تعجيزية. وكلما تجولتُ وسط هذه الأعمال، إزداد تعلقي بها وبتقنيتها الأخاذة، وشعرتُ مع مرور ساعات النهار بأني ضعتُ بين ابداع لا مرادف له ولا مثيل يقترب من فرادته. مرَّ الوقت وأنا وسط القاعة مترامية الأطراف، كأني أستمع لما تقوله لي تقنية الرسم بالنسيج، وأشارك النساجين بعض الترنيمات التي تتلائم مع هذا النوع من العمل. ومثلما صارت خيوط القماش المتداخلة كنوزاً تبهر البصر، رأيتُ هنا كيف يمكن أن يتحول ثراء الناس الى غنى وابداع حقيقي وملموس، وكيف توظف المكانة والنفوذ في المساهمة بصنع تاريخ الجمال والذوق الفني الرفيع للبلدان.
تعتبر أعمال النسيج هذه واحدة من أكبر مشاريع السجاد المعاصرة في العالم وأُنجزت سنة ألفين، وتضم سبعة عشر عملاً وبحجوم عملاقة. وهي تروي تفاصيل ألف سنة من تاريخ الدنمارك، إضافة الى لمحات من تاريخ أوروبا. وهي من تصميم الفنان بيون نورغارد، الذي بدأ العمل بها كهدية للملكة مارغريت الثانية، بمناسبة عيد ميلادها الخمسين. لكن تم الإنتهاء منها بعد عشر سنوات كاملة من العمل المتواصل. حيث تم منحها للملكة وهي بعمر الستين. والأعمال بمجملها يطغي عليها طابع الفنون الحديثة وهي تحمل ايضاً الكثير من التفسيرات والتأويلات المختلفة. وقد تم رسمها بحرفية وتقنية مذهلة، وحتى عند الاقتراب منها اكثر يكاد لا يصدق المرء بأنها مرسومة عن طريق النسيج، ثم هناك حجمها الطاغي والمؤثر والذي أضاف للمكان هيبة ورهبة وحضور يَغمر الزائرين ويجعلهم كأنهم يعيشون داخل هذه الأعمال.
صالة بإمتداد شاسع وأعمال فنية إفترشت الجدران العالية لتحكي قصة ألف سنة من تاريخ هذه البلاد حيث نعود لأرض الفايكنغ ثم نتابع الرحلة رويداً رويداً نحو ايامنا هذه التي أقف فيها بين هذه الاعمال الفنية التي لا تشبه غيرها، حتى يصعب تصنيفها ووضعها تحت تسمية محددة. وقد تعاون في إنجاز هذا المشروع الكبير شركة مونوبلييه ناشيونال في باريس حيث انشغل وقتها عشرات النساجين بالعمل على كل سنتيمتر بدقة تفوق الخيال. وقد حيكَتْ للأعمال حافات تشبه الاطارات، توزعت عليها شخصيات تاريخية ورموز وتصاميم مختلفة.
الطريقة التي تم من خلالها نسج هذه الاعمال تُسمى نسيج (غوبلان)، وهو نوع من النسيج على طريقة قماش جاكار المتين والمتماسك الذي يستخدم غالباً في إنجاز الاعمال الفنية والزخارف وتنجيد الأثاث الكلاسيكي والستائر والسجاد الجداري. والإسم مشتق من عائلة غوبلان الفرنسية الشهيرة التي تعود للقرن السادس عشر، حين اكتشف وقتها جِهان غوبلان صبغة حمراء قرمزية للمنسوجات، ليتطور عمله منذ ذلك الوقت نحو الأثاث والمنسوجات التي تغطي جدران القصور الملكية. ومن فرط تأثير هذه المنسوجات في كل العالم لمئات السنين، صارت كلمة غوبلان الآن وفي لغات عديدة تعني نسيج.
أكملتُ جولتي وسط القصر تاركاً لوحات السجاد خلفي تبهر ما تبقى معها من زائرين، وإسترسلتُ بين غرف وقاعات القصر الأخرى وأنا أردد مع نفسي بأن الفن لا يقول كلمته هنا فحسب، بل يضع نفسه بين يديك وأنتَ من يتولى القول بعد مشاهدة هذه العجائب. هكذا إختلطَ الإنبهار بالإعجاب والتقدير وأنا أقترب من نهاية الجولة، وعند الخروج إنتصبت قرب الباب الرئيسي مجموعة من الحاويات المخصصة لأغطية الأحذية التي يعيدها الزائرون بعد الاستعمال، وهناك نزعت الغطاء الأزرق من الحذاء، ووضعته في الحاوية واكملتُ طريقي نحو شمس كوبنهاغن.
The post باليت المدى: قصر السجاد appeared first on جريدة المدى.
