النفايات الطبية في لبنان… حين يصبح العلاج خطراً على البيئة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} د.إبراهيم علايلي _ سفير السلامة البيئية _باحث وخبير بيئي ومستشار دولي معتمد USA_GTB 

ما الذي يحدث للإبرة بعد أن تنتهي مهمتها؟ وللقفاز الملطّخ بالدم؟ وللدواء الذي لم يعد صالحاً للاستخدام؟ هل تنتهي خطورتها لحظة خروجها من المستشفى، أم أن الخطر يبدأ فعلياً عندها؟
في المستشفيات، تُستخدم يومياً آلاف الأدوات والمواد لإنقاذ حياة المرضى، لكن وراء هذا الجانب المضيء من القطاع الصحي، تتراكم نفايات لا تشبه النفايات المنزلية، ولا يجوز التعامل معها بالطريقة نفسها. إبر ومحاقن، قفازات، شاش ملوّث، أدوية، مواد كيميائية ومخلفات مخبرية، يمكن أن تتحول – إذا لم تُفرز وتُجمع وتُعالج وفق معايير آمنة – من أدوات للعلاج إلى مصادر للخطر.
وفي لبنان، لا تبدو المشكلة هامشية. فالبلد ينتج أكثر من 12 ألف طن من النفايات الطبية الخطرة سنوياً، فيما لا تتمّ معالجة سوى نحو 60 في المئة من النفايات المعدية، ما يترك آلاف الأطنان سنوياً عرضة لخطر التخلص غير الآمن والتلوث البيئي. وإلى جانب ذلك، ينتج لبنان نحو 200 طن من النفايات الدوائية والسامّة للخلايا؛ وهي موادّ تحتاج إلى معالجة متخصصة. 
وتكمن الخطورة في أن النفايات الطبية لا تهدد العاملين في القطاع الصحي وحدهم. فالإبر والمشارط وغيرها من الأدوات الحادة قد تسبب إصابات ونقلاً للعدوى، فيما يمكن لبعض المواد الكيميائية والدوائية أن تلوّث التربة والمياه إذا وصلت إليها من دون معالجة مناسبة. أما الحرق غير المنضبط لبعض أنواع النفايات الطبية، فقد يؤدي إلى انبعاث ملوثات خطرة.
لذلك، تبدأ المعالجة قبل وصول النفايات إلى أي منشأة متخصصة، أي من لحظة فرزها داخل المستشفى. فاختلاط النفايات المعدية بالنفايات العادية يوسّع حجم النفايات الخطرة، ويزيد مخاطر نقلها والتخلّص منها، كما يرفع الكلفة المطلوبة لمعالجتها.
وفي مواجهة هذه الفجوة، شهد لبنان مطلع العام خطوة لافتة. فقد افتُتح في مستشفى بيروت الحكومي الجامعي – الكرنتينا أول مرفق عام لمعالجة النفايات الطبية المعدية، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبقدرة تصل إلى سبعة أطنان يومياً. ويخدم المرفق مقدّمي الرعاية الصحية في بيروت وجبل لبنان، بهدف الحدّ من التخلص غير الآمن من النفايات وتخفيف الضغط على المطامر. 
لكن إنشاء مرفق واحد لا يعني أن المشكلة أصبحت وراءنا؛ فالمعالجة الآمنة تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالفرز من المصدر، مروراً بالجمع والنقل الآمنين، وصولاً إلى المعالجة والرقابة وتحديد المسؤوليات والتمويل. ولهذا أُعدّت ضمن مشروع TaDWIR دراسة وطنية وخطة لإدارة النفايات الطبية، فيما أطلق لبنان في تموز الماضي حزمة دراسات وطنية ومنصة جغرافية للمعلومات تشمل قطاع النفايات الطبية، بهدف تحديد فجوات الخدمات والبنية التحتية وتوجيه الاستثمارات.
المسألة إذن ليست مجرّد أكياس تُخرج من أبواب المستشفيات. إنها جزء من منظومة الصحة العامة وحماية البيئة في آن واحد. فالنفايات التي لا تُفرز في مكانها، ولا تُنقل بالطريقة الصحيحة، ولا تصل إلى منشأة قادرة على معالجتها، لا تختفي، بل قد تنتقل من المستشفى إلى الهواء أو التربة أو المياه، ومن ثَمَّ إلى المجتمع.
وفي بلد ينتج آلاف الأطنان من النفايات الطبية الخطرة كل عام، يبقى السؤال الأهم: إذا كنا نعرف حجم ما يُنتج، فهل نعرف فعلاً أين تنتهي كل هذه النفايات؟

اقرأ أيضا: صدمة عالمية.. ميسي يبتعد عن الملاعب بلا موعد للعودة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً