قيس قاسم
يُحوّل البنغلادشي رضوان شهريار سوميت المتوقّع من التحولات الحادة في السلوك البشري إلى مبحث سينمائي في البيئة المهيّأة لها. وبدلاً من سردها وفق مساراتها العادية، المؤطّرة في أغلب الأفلام الآسيوية بميلودراميات تخاطب العواطف وتثير المشاعر، يرتكن إلى جماليات الصورة وحلاوة التمثيل، ليحوّلها إلى متعة بصرية، مقرونة بمكاشفة شجاعة، ورؤية نقدية لواقع يسوده الفساد السياسي والتسلّط الديني.
يظهر هذا في “المعلم” (2026). الموقف من الفنان يرتهن بتحولات موقف رجال الدين من وجوده العابر بينهم. سريعاً، ينقلب ترحيب صيادي القرية البحرية به إلى عداء، بفعل خطاب رجل دين، يُحيل شحّ الصيد وتقلّبات البحر العنيفة، التي يعانون آثارها التدميرية، إلى شرور أصنام ينجزها النحات في كوخه، عند ضفاف البحر، لا إلى أسبابها الحقيقية. ورغم حدة التصادم، وقابليته للتحوّل إلى نص درامي مشحون بالانفعالات، يختار سوميت أسلوباً شاعرياً بطيئاً، لنقل مقطع من المشهد الساحلي السوداوي في بلده.
في “المعلم”، الفائز بجائزة التحكيم الكبرى لمسابقة الشاشة الكبيرة، بالدورة الـ55 (30 يناير/كانون الثاني ـ 8 فبراير/شباط 2026) لمهرجان روتردام السينمائي، ينتقل المشهد السينمائي من البحر إلى اليابسة، ذاهباً إلى عمق غابات بلدة بنغلادشية، يعيش فيها معلم مدرسة وعائلته حياة هادئة. يحظى المعلم جاهير بحب طلبته، ويتمتع بنزاهة وشعبية تؤهلانه لخوض الانتخابات المحلية. مع مجموعة صغيرة ترافقه في جولاته على الدراجات النارية، يخاطب جمهور منطقته بلغة بسيطة مثله، ينقل فيها رؤيته الطموحة لمستقبل المكان الذي يعيشون فيه. الصورة المتشكّلة عنه، قبل فوزه بالانتخابات: كائن بسيط وسوي ومحب لعائلته وسكان منطقته. لا طموح سياسياً له، ولا ماضي مُلوّثاً يعوق قبوله بين الناس.
احتمالات تغيّر صورته تلك بفعل امتلاكه السلطة متوقّعة، لكن ما يهمّ المخرج (كاتب السيناريو مشاركة مع صابر حسين شوفون) كامن في سؤال: كيف للسينما نقل هذا المتوقّع إلى صورة تجلي بشاعة تحول الكائن السوي إلى وحش، يتشبّث بمغانم السلطة الجديدة، ويدافع عنها بشراسة ودهاء، غير عابئ بما يخسره من علاقات إنسانية وعائلية، جراء السقوط في أوحالها؟
تحوّلات المعلم، بفعل الرغبة في الفوز بالسلطة، تجعله ديكتاتوراً صغيراً. إنها تأتي من داخله، والنص السينمائي يُبرّزها إلى السطح. كل فعل من مناصريه، يتجاهل بعفوية ما صار عليه، يثير غضبه، ويقابله بزجر لهم وتعنيف قاسيين. يتآمر على من يريدون التقليل من صلاحيته، وعلى الذين يطلبون منه تنفيذ مشاريعهم الاقتصادية من دون مقابل. في مسار صعوده من معلم إلى سياسي مسؤول، تقترب منه شخصيات وتبتعد أخرى: أيوب (شريف سراج) المخلص له، ابن العشوائيات الفقيرة، يبعده عنه لرفضه تهجير سكانها، وبناء فنادق فخمة على أرضها. يقرّب منه نانزيبا (أزميري حق بادون)، المرأة الوسيطة بينه وبين أصحاب المشاريع الكبيرة في العاصمة. وجودها يُبعد عنه زوجته (زكية باري مامو)، المراقبة بخوف وفزع انتقاله من إنسان محب وبسيط إلى كائن مخيف.
بتفاصيل دقيقة، يحدّد النص الحصيف ملامح المشهد الاجتماعي والسياسي في البلدة، بعد مدة قصيرة من تذوّق المعلم حلاوة السلطة. استقبال الناس له بحفاوة أينما يحلّ، والدعوات الباذخة والمتكررة لوجهاء البلدة، وهتافات الجمهور بحياته، الذي يُبدي له خنوعاً، مسائل تضخّم فيه شعور العظمة والتفوّق، وتُشبع إحساسه بها فيبقيها دائمة. يخلق حوله حاشية مطيعة، يؤمِّن ولاءها المطلق له بامتيازات ومنافع يمنحها لهم. بمرور الوقت، تكبر الحاشية، وتطوقه بدائرة مُحكَمة. يتعلم سريعاً كيف يتعامل معها، وكيف يصنع من رجالها كلاب حراسة، تأتمر بأمره، ولا تتردد في قمع منافسيه، وتصفية كل من يجاهر بتذمره من سلوكه المنافي بالكامل لشعارات حملته الانتخابية.
لا مكان لعائلته في عالمه الجديد. يصغّر النص السينمائي المشهد السياسي العام في بنغلادش إلى بلدة صغيرة، ويترك للمُشاهد تصوّر المشهد الأكبر لها. في قمته، سلطة تكرّس نظاماً مُفسداً للضمائر، يضمن هيمنتها وتحكمها. المَشاهد المُجسِّدة لتفاصيل صعود المعلم وتوحشه، كناية عن طبيعة السلطة الكبرى.
تنقل الكاميرا (تصوير بارع لتوهين تامجول) مشهد البلدة الصغيرة وحاكمها، كما تنقل أدق التعابير الظاهرة في وجه جاهير. تبقي عدساتها مسلّطة عليه، كأنها لا تريد ترك أي تعبير يشي بدواخله يفلت منها. براعة أداء الممثل نصر الدين خان (جاهير) تحقّق بعض ما يراد منها، لرصد التحوّلات الشخصية من داخلها، بينما يلتقط خارجُها صراع مصالح، يجلي فساداً مستحكماً وجشعاً سلطوياً يتمركز في المدن، ويمتد إلى الأطراف.
ببراعة، يُبقي النص السينمائي سطوة الجهات، الغائبة عن مشهد البلدة، حاضرة في سلوك وممارسات أتباع لها، يكرسون فساداً مطلوباً منهم. المرأة الوسيطة تؤدّي دور الراعي لها، لكنها في لحظة تصادمها مع المعلم الجديد، تفقد سيطرتها وسطوتها، وتترك مجبرة المجال لتفاهمات مباشرة بين المسؤول المحلي والمركز السياسي، لتقاسم المنافع من دونها.
وسط ذلك الصراع، تسقط شخصيات، آمنت بما ادّعاه المعلم من وعود، وتصعد أخرى تتوافق مع الحاصل. النص مذهل في كتابته، ينبّه إلى ظهور مخرج بنغلادشي مهمّ، يركن إلى جماليات السينما، وقدرتها على معاينة ظواهر اجتماعية في مكان معين، تقبل المقاربة مع أمكنة أخرى من العالم.
هذه سينما ترصد ظواهر وسلوكيات تخرّب أرواحاً قابلة للفساد، وتؤذي أخرى نزيهة.
The post "المعلم" يلتقط بنغلادش: أداء باهر وتصوير بارع يعكسان واقعاً appeared first on جريدة المدى.
