قالت مصادر عسكرية في القوات اليمنية المشتركة إن التصعيد الحوثي الواسع الذي استهدف مدينة وميناء المخا خلال الأيام الماضية لم يكن، بحسب معلوماتها، تحركًا منفصلًا، وإنما جاء ردًا على ضربات استباقية نفذتها قوات المقاومة الوطنية ضد مواقع عسكرية حوثية مرتبطة بالقدرات الصاروخية والبحرية للجماعة.
ويأتي الكشف عن هذه المعطيات في وقت شهد فيه الساحل الغربي تصعيدًا حوثيًا غير مسبوق خلال الأيام الماضية، شمل إطلاق عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب استخدام الزوارق المفخخة، واستهداف مدينة المخا ومينائها والمنشآت المدنية والاقتصادية فيها.
اقرأ أيضا: أوديجارد: البريميرليج لن يكفينا.. نريد المزيد
وتسببت الهجمات في أضرار واسعة بميناء المخا وسفنه ومرافقه، وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما أعلن مدير الميناء خروجه عن الخدمة جراء حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، قبل أن يقدّر لاحقًا قيمة الأضرار الناجمة عن إحدى الضربات بنحو 79 مليون دولار.
ضربة للتحيتا سبقت هجمات المخا
ونقلت «إرم نيوز» عن المصادر العسكرية أن قوات المقاومة الوطنية نفذت خلال الأسبوع الماضي عمليتين استهدفتا مواقع حوثية في جنوب غربي الحديدة وغربي تعز، وأن إحدى الضربات طالت، السبت الماضي، مركزًا للقيادة والسيطرة في مديرية التحيتا بمحافظة الحديدة.
وبحسب المصادر، كان الموقع مرتبطًا بإدارة العمليات البحرية الحوثية، وضم في وقت القصف عناصر من القوة الصاروخية التابعة للجماعة وخبراء أجانب، بينهم إيرانيون.
وقالت المصادر إن الضربة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم ثلاثة خبراء فنيين إيرانيين وخبير عراقي، إضافة إلى قياديين حوثيين، أحدهما مسؤول بارز في قوة الردع البحري التابعة للجماعة، مشيرة إلى أنه من القيادات المقربة من رئيس هيئة الأركان الحوثية يوسف حسن المداني.
رد حوثي واسع على المخا
وبحسب المصادر، بدأ الرد الحوثي في اليوم التالي للضربة، عندما شنت الجماعة سلسلة هجمات على مدينة المخا ومينائها، في عمليات قالت المصادر إنها نُفذت على سبع موجات متعاقبة.
واستخدم الحوثيون خلال تلك الهجمات صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وطائرات مسيّرة انتحارية، إضافة إلى زوارق مفخخة، وفق المصادر.
وتواصل القصف بعد ذلك بصورة متكررة، مستهدفًا المدينة والميناء والمنشآت الحيوية المحيطة بهما، في تصعيد امتد لعدة أيام.
وكان الجيش اليمني قد أعلن في وقت سابق أن مليشيا الحوثي استهدفت ميناء المخا بستة صواريخ باليستية، أسفرت، وفق الحصيلة التي أعلنها المتحدث باسم القوات المسلحة، عن مقتل أحد أفراد أمن الميناء وفقدان بحارين وإصابة ثمانية مدنيين.
كما وثقت تقارير عسكرية ومحلية أضرارًا كبيرة في الميناء، بينها تدمير سفن وقوارب ومنشآت ومعدات تشغيلية، بينما قالت السلطات المحلية في تعز إن استهداف الميناء يمثل اعتداءً على منشأة مدنية واقتصادية حيوية.
الحوثيون برروا قصف الأهداف المدنية باستهداف «زوارق حربية»
وفي مقابل هذه المعطيات، تبنى المتحدث العسكري باسم مليشيا الحوثي رواية مختلفة، وزعم أن الجماعة استهدفت في المخا تحشيدات وأسلحة وزوارق حربية.
إلا أن المتحدث باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي، العقيد وضاح الدبيش، اتهم الجماعة بتقديم «تضليل مكشوف»، مؤكدًا أن القوارب التي أصابها القصف تعود إلى صيادين وتجار وتستخدم في أعمال مدنية، وليست زوارق حربية.
ونشرت وسائل إعلام رسمية يمنية لاحقًا مشاهد توثق جانبًا من آثار القصف، أظهرت دمارًا واحتراق قوارب ومرافق داخل الميناء.
ويكتسب التصعيد أهمية خاصة بالنظر إلى موقع ميناء المخا على البحر الأحمر وقربه من باب المندب، ودوره في استقبال السلع والمواد الغذائية والمشتقات النفطية وخدمة سكان مناطق الساحل الغربي.
اقرأ أيضا: العيسوي يفتتح «واحة الأردن» في جامعة الطفيلة التقنية
وتزامنت الهجمات على المخا مع تصعيد متوازٍ في جبهات القتال، خصوصًا في محور البرح غربي تعز، حيث خاضت قوات الجيش والمقاومة الوطنية مواجهات عنيفة مع مليشيا الحوثي، وأعلنت القوات المشتركة إحباط هجمات ومحاولات تسلل حوثية وتكبيد المهاجمين خسائر بشرية ومادية.
كما أعلنت القوات المسلحة تنفيذ عمليات عسكرية في مأرب والمخا وتعز، واستخدام الطائرات المسيّرة في استهداف آليات وتجمعات حوثية، في تطور لافت رافقه حديث عسكري عن دخول قدرات جديدة في مجال الطيران المسيّر إلى الخدمة.
وفي مأرب، استهدفت القوات المسلحة مواقع حوثية في الجبهة الغربية للمحافظة، وقال الجيش إن إحدى العمليات جاءت ردًا على الهجمات التي تعرضت لها قواته وزملاؤه في الساحل الغربي، في مؤشر على تنامي التنسيق والرد المتبادل بين الجبهات.
تحركات إيرانية في الساحل الغربي
وتربط المصادر العسكرية التصعيد الأخير كذلك بزيادة نشاط خبراء وضباط إيرانيين في مناطق سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي.
وقالت إن عشرات الخبراء الإيرانيين، إلى جانب خبراء من جنسيات أخرى، وصلوا إلى محافظة الحديدة منذ مارس/آذار الماضي عبر طرق بحرية، بهدف تعزيز القدرات والخبرات المرتبطة بالمنظومات العسكرية الحوثية.
كما تحدثت المصادر عن زيادة تحركات الخبراء الإيرانيين عقب وصول طائرتين إيرانيتين إلى مطاري صنعاء والحديدة في النصف الأول من يوليو/تموز الماضي.
وكانت الحكومة اليمنية قد اتهمت الحرس الثوري الإيراني بإرسال خبراء عسكريين وأسلحة متطورة إلى مناطق سيطرة الحوثيين، فيما تؤكد الحكومة أن الدعم الإيراني يمثل عاملًا رئيسيًا في تطوير قدرات الجماعة الصاروخية والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من توسع نطاق المواجهة البحرية، خصوصًا مع استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وارتباط هذه الممرات بمسارات التجارة الدولية.
وبذلك، فإن التصعيد الأخير على المخا يأتي ضمن مسار أوسع: ضربات استباقية متبادلة، ثم هجمات حوثية مكثفة على الميناء، بالتزامن مع اشتداد المواجهات في البرح ومأرب، وظهور مؤشرات على تطور القدرات الجوية للقوات المسلحة؛ ما يجعل الساحل الغربي أحد أبرز محاور التصعيد في المرحلة الحالية.
