المشهد الدولي – زيارة محمد بن سلمان إلى باريس.. ماذا تريد السعودية وفرنسا من الشراكة الجديدة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تدخل العلاقات السعودية الفرنسية مرحلة جديدة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى باريس، في وقت تتجه فيه الشراكة بين البلدين إلى توسيع نطاقها من الملفات التقليدية إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة، مع التركيز بصورة أكبر على تحويل التفاهمات والاتفاقات إلى مشروعات ملموسة.

وتأتي زيارة الدولة في توقيت تسعى فيه السعودية إلى إعادة تشكيل احتياجاتها من الشركاء الدوليين بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية التي تقودها رؤية السعودية 2030، فيما تبحث فرنسا عن حضور أكثر رسوخاً في المشاريع والقطاعات التي تشهد نمواً متسارعاً في المملكة.

اقرأ أيضا: الدوري السعودي، الأهلي يتقدم على أبها بثنائية توني في الشوط الأول

ويكتسب انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي للمرة الأولى خلال الزيارة أهمية خاصة، إذ أُنشئ المجلس عقب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السعودية نهاية 2024، ليكون إطاراً جامعاً للتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والدفاعي وغيرها من المجالات، ويوفر قناة مؤسسية للعلاقات بين قيادتي البلدين.

من الاتفاقات إلى سؤال المشروع

على مدى السنوات الماضية، اتسعت قائمة مجالات التعاون السعودي الفرنسي لتشمل الطاقة والدفاع والطيران والنقل والثقافة والسياحة، لكن المرحلة الجديدة تطرح سؤالاً مختلفاً يتمثل في طبيعة المشروعات التي يستطيع البلدان تطويرها معاً.

وتتقاطع في هذا السياق أهداف رؤية السعودية 2030 مع القدرات الصناعية والتقنية الفرنسية، في ظل توجه المملكة إلى توسيع اقتصادها خارج القطاعات التقليدية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والصحة والسياحة والضيافة والطاقة الجديدة.

وفي المقابل، تنظر الشركات الفرنسية إلى السوق السعودية باعتبارها إحدى ساحات النمو الرئيسية، في ظل ضخامة المشروعات وتنوعها، وهو ما يتيح لها فرصاً تتجاوز بيع المنتجات والخدمات إلى المشاركة في التصميم والهندسة والتشغيل والتوطين ونقل المعرفة.

وتشير البيانات إلى نمو القاعدة الاقتصادية للعلاقة بين البلدين، إذ بلغ حجم التبادل التجاري السعودي الفرنسي نحو 11.79 مليار دولار، بما يعادل 44.2 مليار ريال، خلال عام 2025، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية إلى نحو 18.52 مليار دولار، أي 69.45 مليار ريال، في 2024، مقابل نحو 7.49 مليار دولار، أو 28.09 مليار ريال، في 2015.

وخلال عقد واحد، بلغ إجمالي التجارة بين السعودية وفرنسا نحو 93.04 مليار دولار، بما يعكس ترسخ العلاقة الاقتصادية وتجاوزها نطاق المشاريع أو الصفقات المنفردة.

الطاقة.. شراكة تتجه إلى ما بعد النفط

ظلت الطاقة لسنوات أحد أبرز جسور التعاون بين الرياض وباريس، غير أن طبيعة هذا التعاون تتغير بالتوازي مع التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة نفسه.

ومن الشراكات الكبرى في التكرير والبتروكيماويات، وفي مقدمتها ساتورب بين أرامكو السعودية وتوتال إنرجيز، تتوسع أجندة التعاون لتشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين وتخزين الطاقة والشبكات الذكية واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب المعادن الحيوية.

وتنسجم هذه المجالات مع مساعي السعودية لبناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، كما تتيح لفرنسا توسيع حضور شركاتها في مشاريع التحول الصناعي والطاقة منخفضة الانبعاثات.

وبذلك تتحول الطاقة من ملف مستقل في العلاقة بين الرياض وباريس إلى جزء من إعادة تشكيل الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتقنيات التي يمكن أن تخدم البلدين خلال العقود المقبلة.

التعاون الدفاعي.. من شراء المنظومات إلى بناء القدرات

ولا يقتصر التحول على الاقتصاد والطاقة، إذ تتجه الشراكة الدفاعية أيضاً نحو نطاق أوسع من التدريب والتسليح التقليدي.

فمع توجه السعودية إلى توطين نسبة أكبر من صناعاتها الدفاعية، تزداد أهمية الشراكات التي تتيح التصنيع ونقل التقنية والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المحلية، بدلاً من اقتصارها على الحصول على منظومات أو منصات عسكرية جاهزة.

ويفتح هذا التوجه المجال أمام الشركات الفرنسية للمشاركة في منظومة تشمل التصنيع والخدمات الهندسية والتدريب والبحث والتطوير، بما يتوافق مع أهداف المملكة في بناء قدرات محلية أكثر استدامة.

فرنسا تبحث عن حصة أكبر في الاقتصاد السعودي

يقول دومينيك برونان، مدير الغرفة التجارية الفرنسية العربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاستراتيجية الاقتصادية التي يتعين على الشركات والمجموعات الفرنسية العمل وفقها تقوم على تعزيز الحضور الفرنسي في الاقتصاد السعودي والمشاركة في المشاريع والخطط الكبرى المرتبطة برؤية 2030، وفي مقدمتها معرض إكسبو الدولي في الرياض عام 2030 وكأس العالم لكرة القدم 2034 وغيرها من الاستحقاقات المقبلة.

ويرى برونان أن السعودية تعمل على تعزيز شراكاتها في أوروبا وآسيا، وهو ما يجعل مواكبة هذه الدينامية أمراً ضرورياً بالنسبة إلى الشركات الفرنسية.

وبشأن الاستثمارات المباشرة في الاقتصاد السعودي، يقول إن مرتبة فرنسا «لا يستهان بها، حيث إنها تحتل المرتبة الثانية»، لكنه يؤكد في الوقت نفسه الحاجة إلى زيادة الاستثمارات، خصوصاً مع توجه السعودية إلى تطوير قطاعات متعددة وإقامة شراكات تحقق مصالح مشتركة.

ويشير برونان إلى فرص في القطاعات التكنولوجية والرقمية والذكاء الاصطناعي والفضاء، إلى جانب قطاعات الطاقة والمواصلات والصحة، لافتاً إلى امتلاك باريس خبرات في المجالات المرتبطة بالسيادة بمعناها الواسع.

وفي الوقت نفسه، يدعو الشركات الفرنسية المتوسطة إلى التوسع في قطاعات «أقل استراتيجية»، مشيراً إلى فرص متاحة أيضاً في الثقافة والفنون والرياضة، مع التنبيه إلى قوة المنافسة التي فرضها انفتاح السوق السعودية.

اقرأ أيضا: أخبار الحوادث اليوم، سرقة كتب من داخل مسجد فى المحلة.. ضبط طن مخدرات و50 ألف قرص وسقوط 3 عناصر شديدة الخطورة.. القصة الكاملة لمقتل الطفل “مالك” على يد أمه بالدقهلية

السياسة والأمن يوسّعان نطاق الشراكة

وتتجاوز العلاقة السعودية الفرنسية الحسابات الاقتصادية، في ظل الثقل السياسي لكل من البلدين؛ فالسعودية تتمتع بوزن سياسي واقتصادي متزايد في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، بينما تمتلك فرنسا عضوية دائمة في مجلس الأمن وحضوراً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي وقدرة على التحرك في ملفات المنطقة.

ومن هنا يكتسب التنسيق بين الرياض وباريس أهمية تتجاوز الإطار الثنائي، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا وأمن الملاحة.

كما تفرض اضطرابات طرق التجارة والطاقة في المنطقة اهتماماً مشتركاً بتنويع مسارات نقل الطاقة والسلع بين الشرق الأوسط وأوروبا، في تقاطع واضح بين المصالح الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية.

العلا.. نموذج للشراكة القائمة على مشروع طويل الأمد

إذا كانت الطاقة والدفاع يمثلان الجانب الاستراتيجي من العلاقات السعودية الفرنسية، فإن مشروع العلا يقدم نموذجاً أكثر وضوحاً لشراكة تتشكل حول مشروع طويل الأمد.

فالحضور الفرنسي في العلا لم يتوقف عند السياحة، بل امتد إلى التخطيط والهندسة والآثار والثقافة والفنون والتدريب والتعليم والبيئة، لتصبح المنطقة أحد أبرز النماذج على توظيف الخبرة الفرنسية في مشروع سعودي يتجاوز الاستثمار التقليدي.

ويعكس هذا النوع من التعاون تقاطع الخبرات الفرنسية مع التحول الذي تشهده السعودية في قطاعات الثقافة والترفيه والسياحة، التي باتت مكونات رئيسية في الاقتصاد الجديد للمملكة.

علاقة تعود إلى قرن تقريباً وتبحث عن مستقبل مختلف

تعود العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وفرنسا إلى عام 1926، فيما افتتحت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في جدة عام 1932. وشكلت زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى باريس عام 1967 ولقاؤه الرئيس الفرنسي شارل ديغول محطة مهمة في ترسيخ العلاقة السياسية بين البلدين.

وتوالت منذ ذلك الحين الزيارات والاتفاقات، قبل أن تدخل العلاقات مرحلة توسع متسارع بالتزامن مع تنفيذ رؤية السعودية 2030.

لكن زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية تأتي في ظل تراكم طويل من الاتفاقات والتفاهمات، وبوجود إطار مؤسسي جديد يتمثل في مجلس الشراكة الاستراتيجية، ما يجعل التحدي أمام الرياض وباريس مرتبطاً بمدى قدرتهما على تحويل قوة العلاقات إلى نتائج ومشروعات قابلة للقياس.

فالمعادلة لم تعد تقتصر على ما تبيعه فرنسا للسعودية وما تشتريه السعودية من فرنسا، وإنما تتجه إلى كيفية استثمار التحولات الاقتصادية والتقنية ومكانة البلدين الدولية في بناء مصالح مشتركة طويلة الأمد.

وبهذا، تبدو زيارة ولي العهد السعودي إلى باريس اختباراً لمرحلة جديدة من العلاقة، عنوانها الانتقال من تثبيت قوة الشراكة إلى إظهار ما يمكن أن تنتجه فعلياً في الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة.

اقرأ أيضا: توتنهام يسقط أمام برينتفورد بثلاثية في الدوري الإنجليزي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً