السلام في لبنان، إمّا أن يكون إيجابياً، أو لا يكون

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

جوزيف جروش – خريج معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po) والأكاديمية العسكرية الفرنسية سان سير (Saint-Cyr)

اقرأ أيضا: الأهلي ضد برشلونة.. مواجهة تاريخية في كأس خوان جامبر.. أول مشاركة لنادي عربي وأفريقي.. 62 ألف متفرج.. وحمزة عبد الكريم يترقب المشاركة

كثُر الحديث عن السلام في الأشهر الأخيرة. صار مفردةً في خطاب السياسيين، وعنواناً في المؤتمرات، ومادةً في التحليلات اليومية. ومع ذلك، لا أحد في هذا البلد يدرك حقاً ما هو السلام، ولا ماذا يعني، ولا ماذا يترتّب عليه لدولةٍ واقتصادٍ ومجتمعٍ ونظامٍ سياسيٍّ والناس. فلبنان لم يعرف يوماً السلام. 

المجتمعات المنقسمة لا تبني سلاماً، والاقتصادات الضعيفة لا تقوى على تحمّل كلفته، والمؤسسات السياسية الهشّة تعجز عن استدامته. هذه ليست جملة إنشائية، بل خلاصة ما تراكم في أدبيات دراسات السلام منذ نصف قرن.

ميّز يوهان غالتونغ، العالم في أدبيات السلام في العلوم السياسية، بين السلامٍ السلبيّ والسلامٍ الإيجابيّ. السلام السلبيّ هو غياب العنف المباشر، أي وقف الحرب و صمت المدافع. أما السلام الإيجابيّ فهو بناء الأسس الهيكلية في الدولة والمجتمع والاقتصاد التي تُنتج السلام وتُعيد إنتاجه بشكل مستدام.

لبنان لم يعرف سوى السلام الأول، أي السلبي للأسف. ما نسمّيه سلاماً منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية ليس أكثر من هدنةٍ ممتدة بين جولتين. توقّف القتال الواسع، ودامت الوصايات والاحتلالات وحروب الآخرين على أرض لبنان، والفساد البنيويّ في الدولة، والأزمات الاقتصادية والمصرفية والمالية، والدولة التي تنسحب من وظائفها الواحدة تلو الأخرى. غياب الحرب المشتعلة والدموية ليس سلاماً. إنه غياب الحرب فحسب.

حدّد معهد الاقتصاد والسلام ثمانية أعمدة للسلام الإيجابي: حكومة تؤدّي وظائفها، بيئة أعمال سليمة، توزيع عادل للموارد، قبول حقوق الآخرين، علاقات سليمة بالجوار، تدفّق حرّ للمعلومات، رأس مال بشريّ مرتفع، ومستويات متدنّية من الفساد. أعيدوا قراءة اللائحة. إنها، حرفياً، لائحة أعطاب لبنان.

حين وصف كمال الصليبي لبنان بأنه بيت بمنازل كثيرة، ‏كان بإمكانه القول بأنه بيتٌ بأعطابٍ كثيرة. قامت الصيغة اللبنانية على مبادئ عدّلتها الحروب وأعاد صياغتها أمراء الحرب. وقّعنا نصوصاً أوقفت الاقتتال ولم تُزل أسبابه، ورتّبت السلطة ولم تبنِ الدولة. ففي لبنان اليوم نملك دولة على الورق: دستور ومؤسسات وتوزيع صلاحيات. أما في الممارسة وعلى أرض الواقع، فالنصوص حبر على الورق، والمؤسسات معطلة، والقرار مختطف خارج الشرعية.

هنا تكمن المسألة الجوهرية: السلام يُبنى من الداخل ويُصان من الداخل. وكل ما عداه ليس بسلام. من لا يصنع سلامه الداخلي لا يفاوض جيرانه من موقع دولة، بل من موقع ساحة حرب. ولبنان الذي لا يتّفق مع نفسه لن يتّفق مع أحد، لأن أي تفاوض خارجي يفترض سلطة واحدة تملك قرار الحرب والسلم وتُلزِم به الجميع في الداخل.

ترتيب البيت شرطٌ مسبق لكلّ سلام.

اقرأ أيضا: قرقاش ينفي هذه الادّعاءات: الإنجازات الملموسة أقوى من الشائعات

وليكن واضحاً: السلام الداخلي لا يعني إلغاء التنوّع، ولا دمج الجماعات تحت هوية واحدة. التنوّع ليس عاراً لبنانياً، بل معطى تأسيسي وغنى نوعي. السلام يعني الاتفاق على العيش معاً تحت دولة واحدة وقواعد واحدة، وفي مقدّمها القانون. حين يسري القانون على الجميع بالتساوي، يصبح الاختلاف السياسي والطائفي والإيديولوجي مسألة تُدار، لا تهديداً وجودياً يُدفع ثمنه دماً.

السلام الإيجابي، في جوهره، مشروع بناء دولة.

ما ينقص لبنان ليس مزيداً من الكلام عن السلام، بل تعريفاً صحيحاً له. السلام ليس ملفاً في وزارة ولا بنداً في مفاوضات. إنه صيغة هندسة داخلية للدولة والاقتصاد والمجتمع معاً، تُقاس بمؤشرات واضحة.

لبنان اليوم أمام خيار لم يعد يحتمل التأجيل: أن يبدأ ببناء سلامه الإيجابي وترتيب البيت، أو أن يواصل إدارة هدنته حتى الجولة المقبلة من الاقتتال. 

فالسلام في لبنان، إمّا أن يكون إيجابياً، أو لا يكون.

اقرأ أيضا: مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء، موعد أذان الظهر في القاهرة والمحافظات

‫0 تعليق

اترك تعليقاً