iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
د. عاصم عبد الرحمن
اقرأ أيضا: 88.3 مليار جنيه، العاملون بالوطنية للإعلام يشكرون السيسي بعد إنهاء مديونية ماسبيرو
اللحظة التي تغيّر فيها السؤال
في السياسة، ليست كل الهزائم عسكرية، وليست كل الانتصارات عسكرية. أحياناً يكون الانتصار الحقيقي أن تستعيد الدولة تعريف المشهد السياسي نفسه: من تعدد الجيوش إلى جيش واحد، ومن تعدد مراكز القرار إلى مركز قرار واحد، ومن كيانات تبحث عن شرعيتها خارج الحدود إلى مكونات تفاوض الدولة من داخل مؤسساتها.
ولعل ما جرى في شمال شرق سوريا خلال الأيام الأخيرة يجسد هذه القاعدة بصورة لافتة. ففي 25 آب/أغسطس 2026، أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي انتهاء مهمة “قسد” وحلّها كقوة عسكرية مستقلة بعد استكمال اندماجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء الإعلان عقب لقاء عبدي الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، وبعد مسار طويل من التفاوض والاتفاقات والتطورات الميدانية.
ولم تكن المسألة مجرد تغيير في اسم قوة عسكرية، فمسار الدمج شمل المؤسسات المدنية، والمعابر، وحقول النفط والغاز، ودمج أفراد “قسد” في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى إنهاء وجودها بصفتها قوة عسكرية مستقلة طبقاً لاتفاقات سابقة. وهنا تبرز القاعدة التي ينبغي أن يتوقف عندها كل من يراهن على الخارج لبناء مشروع داخلي: الدول تفاوض الدول، لا الكيانات.
أولاً: ماذا ربح أحمد الشرع؟
إذا نظرنا إلى التطور من زاوية بناء الدولة، فإن الرئيس أحمد الشرع خرج من هذا المسار بمكسبٍ استراتيجي يتجاوز بكثير استعادة مساحة جغرافية أو إنهاء وضع عسكري، لقد استعاد شيئاً أكثر أهمية: مبدأ احتكار الدولة للسلاح والسيادة والموارد.
فخلال حكم نظام الأسد المخلوع، كانت سوريا موزعة عملياً بين مناطق نفوذ متعددة، لكل منطقة قوة عسكرية، ومؤسسات، وعلاقات خارجية، ومصالح اقتصادية وأمنية مختلفة. أما اليوم، فإن الاتجاه العام يسير في الطريق المعاكس: إعادة الملفات السيادية الكبرى إلى الدولة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يفعله الشرع. فمشروع الدولة الذي تدفع به دمشق لا يقوم، في جوهره، على محو المكونات السورية، وإنما على إخراج السلاح والقرار السيادي من منطق الجماعات إلى منطق المؤسسات. وهذا فارق جوهري.
فالدولة لا تحتاج إلى محو التنوع لكي تكون موحدة؛ بل تحتاج إلى أن تجعل التنوع جزءاً من مؤسساتها، لا بديلاً منها. ولهذا فإن مكسب الشرع الحقيقي ليس أن “قسد” انتهت، بل أن صيغة الكيان العسكري الموازي للدولة انتهت.
ثانياً: الشرع لم يستعد الأرض فحسب… بل مفهوم الدولة
تكمن أهمية تجربة شمال شرق سوريا في أن المسألة لم تكن مجرد وجود قوات “قسد”، بل كانت هناك منظومة كاملة من الإدارة والأمن والموارد والمعابر والمؤسسات.
ولهذا فإن دمج المؤسسات المدنية في مؤسسات الدولة أكثر أهمية من مجرد دخول قوات حكومية إلى مدينة أو رفع علم فوق مبنى.
لقد نص مسار الاتفاقات على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في الدولة، بما فيها المعابر وحقول النفط والغاز، فيما انتهى المسار بإعلان حل “قسد” واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة.
وهكذا انتقلت المسألة من السؤال: من يسيطر على الأرض؟ إلى السؤال الأكثر أهمية: من يمثل الدولة؟ وهذا هو جوهر التحول السياسي.
كان يمكن لأي قوة مسلحة أن تسيطر على أرض، لكن السيطرة على الأرض ليست وحدها ما يصنع الدولة. الدولة هي التي تملك الجيش، والحدود، والقرار الخارجي، والموارد السيادية، والقانون.
ومن هذه الزاوية، فإن ما حققته دمشق لا ينبغي قراءته فقط كتحول عسكري، بل كإعادة تعريف لمن يملك حق تمثيل سوريا.
ثالثاً: النفط والمعابر… حين تتحول السيادة إلى موارد
كان النفط من أهم عناصر القوة التي امتلكتها الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا. أما المعابر فكانت تمنح المنطقة قدرة على التواصل مع الخارج اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. لذلك، فإن انتقال هذه الملفات إلى الدولة لا يعني أن دمشق استعادت مجرد منشآت فحسب، بل أدوات السيادة، وهذا أمر أساسي في أي دولة حديثة.
فلا يمكن أن تكون هناك دولة واحدة إذا كان الجيش في جهة، والحدود في جهة ثانية، والموارد الإستراتيجية في جهة ثالثة، والقرار الخارجي موزعاً بين عواصم مختلفة.
وقد شكلت السيطرة على المعابر وحقول النفط والغاز جزءاً أساسياً من الاتفاقات التي رسمت طريق دمج شمال شرق سوريا في الدولة.
فالمركزية في ملفات السيادة لا تعني أن دمشق يجب أن تدير كل قرية وبلدة من مكتب واحد، بل تعني أن القرار السيادي لا يمكن أن يكون متعدد المركز. بمعنى أنه يمكن توزيع الإدارة لكن لا يمكن توزيع الدولة.
رابعاً: ماذا خسرت “قسد”؟
لقد خسرت “قسد” أهم عناصر مشروعها السياسي السابق:
• القوة العسكرية المستقلة.
• القيادة العسكرية المستقلة.
• السيطرة المستقلة على الموارد الاستراتيجية.
• السيطرة على المعابر.
• الإدارة الذاتية بوصفها بنية منفصلة عن مؤسسات الدولة.
• القدرة على التفاوض مع دمشق باعتبارها طرفاً مساوياً للدولة.
لكن هذا لا يعني أن الكرد خرجوا خاسرين بالكامل وهنا تكمن دقة التجربة. يمكن القول إنَّ “قسد” خسرت الكيان، لكنها استطاعت الانتقال إلى الدولة، مع استمرار التفاوض حول الحقوق السياسية والثقافية واللغوية للكرد.
وقد أعلن عبدي، في سياق إعلان الدمج، أن المرحلة المقبلة ستتصل بتثبيت الحقوق الكردية في الدستور، فيما أكد الشرع انفتاحه على حق التعليم باللغة الأم.
فالدرس ليس أن الكرد خسروا لأنهم أكراد، بل أن الصيغة العسكرية المستقلة انتهت، بينما بقيت القضية الحقوقية داخل إطار الدولة. وهذا يقود إلى نتيجة بالغة الأهمية: يمكن للمكوّن أن يحافظ على هويته من دون أن يمتلك دولة داخل الدولة.
خامساً: الدرس الكردي الأكبر: الدعم الخارجي ليس عقد ملكية
كانت الولايات المتحدة الداعم الدولي الأبرز لـ”قسد” خلال سنوات الحرب على تنظيم “داعش”. وكان هذا التحالف مفهوماً في سياق الحرب على التنظيم، إذ شكلت “قسد” شريكاً ميدانياً مهماً للولايات المتحدة في تلك الحرب. لكن العلاقات الدولية لا تقوم على العاطفة، فالدول تتعامل مع الحلفاء وفق مصالحها، والمصالح تتغير عندما تتغير الحروب والخرائط والأولويات.
وهكذا وصلت “قسد” التي امتلكت طوال سنوات قوة عسكرية وأرضاً وموارد ودعماً أميركياً، إلى دمشق لتعلن نهاية قوتها العسكرية المستقلة واندماجها في الدولة السورية. لتثبت مرة أخرى القاعدة الأساسية في العلاقات الدولية: الدول لا تملك أصدقاء دائمين؛ تملك مصالح دائمة.
سادساً: من هنا تبدأ الرسالة إلى الجنوب السوري
التجربة الكردية تطرح سؤالاً مشروعاً حول ما يجري في الجنوب السوري، وخصوصاً في البيئة الدرزية. وهنا ليس المقصود مساواة الظروف الكردية بالظروف الدرزية، فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل منطقة تاريخها وتركيبتها وموقعها الجغرافي وحساباتها الأمنية. لكن هناك قاعدة مشتركة: هل يمكن بناء مشروع مستقر اعتماداً على حماية خارجية؟ وهنا تصبح العلاقة مع إسرائيل ذات دلالة خاصة.
ففي 23 آب/أغسطس، عقد وفد سوري رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني اجتماعاً مع وفد إسرائيلي في الأردن بوساطة أميركية، في إطار مساعٍ لخفض التصعيد وإحياء مسار التفاوض حول ترتيبات أمنية. وأكد الجانب السوري خلال المحادثات سيادة سوريا وحقها في إعادة بناء جيشها الوطني، كما طرح أولوية الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وعليه، فإنَّ المفارقة السياسية هنا شديدة الدلالة. ففي الوقت الذي قد ينظر فيه بعض الفاعلين المحليين إلى إسرائيل بصفتها قوة حماية أو ضمانة، فإن إسرائيل نفسها تدخل في التفاوض مع الحكومة السورية عندما يتعلق الأمر بالملفات الأمنية والاستراتيجيات الكبرى.
سابعاً: لا ينبغي للدروز أن يكونوا ورقة في يد أحد
إنَّ المشكلة اليوم ليست في أن تكون للدروز علاقات خارجية، ولا في أن يحاول أي مكوّن سوري التواصل مع القوى الإقليمية والدولية، فهذا جزء طبيعي من السياسة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم الخارجي من أداة تفاوض إلى بديل من الدولة. فالذي يجعل إسرائيل تفاوض دمشق هو أن دمشق تمثل الدولة السورية. أما الفاعل المحلي، مهما امتلك من قوة، فيبقى جزءاً من معادلة أوسع لا يملك وحده مفاتيحها.
وهنا ينبغي أن يكون الدرس واضحاً للبيئة الدرزية السورية، من دون وصاية عليها ومن دون إنكار مخاوفها:
إذا أراد الدروز ضمان أمنهم وحقوقهم، فإن الطريق الأكثر استدامة ليس أن يكونوا تابعين لإسرائيل، ولا لتركيا، ولا لأميركا، ولا لأي قوة خارجية. إنما الطريق الأكثر استدامة هو أن يكونوا مواطنين سوريين أصحاب حقوق واضحة ومضمونة داخل دولة سورية قادرة على حماية مواطنيها.
اقرأ أيضا: شراكة إستراتيجية، تفاصيل اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ونظيره الروسي
ثامناً: الفرق بين استخدام الخارج والارتهان له
هناك فارق كبير بين الأمرين. إذ يمكن للسوري أن يتفاوض مع الخارج، كما يمكنه أن يطلب ضمانات دولية، وأن يبني علاقات سياسية مع دول أخرى، وأن يستخدم التنافس الدولي لحماية مصالحه.
لكن هناك خطاً فاصلاً لا ينبغي تجاوزه: متى تتحول العلاقة الخارجية من وسيلة إلى وصاية؟
فالديبلوماسية الذكية تقول: استخدم علاقاتي الخارجية لحماية مصالح بلدي، أما السياسة الضعيفة فتقول: أحتاج دولة أجنبية كي تحميني من دولتي. الأولى تعزز موقعك داخل الدولة، والثانية تجعل وجودك السياسي مرتبطاً بإرادة الخارج.
والتجربة الكردية تقدم درساً واضحاً في هذا المجال: الدعم الخارجي قد يكون قوياً جداً في مرحلة معينة، لكنه ليس عقد ملكية على المستقبل، وعندما تتغير الظروف، يعاد صوغ التحالفات، وما إن تتغير طبيعة الصراع، تتغير معه قيمة الأدوات المحلية، وعندما تعود الدولة إلى موقعها الطبيعي، تصبح الدول أكثر استعداداً للتعامل معها مباشرة.
تاسعاً: الشرع يقدم معادلة مختلفة
قد يكون أهم ما في تجربة الشرع أنه لم يجعل نهاية “قسد” تعني نهاية الكرد. فالاندماج لا يعني أن الكرد أصبحوا بلا قضية، ولا أن خصوصيتهم اختفت، بل يعني أن القضية انتقلت من مستوى: نحن كيان مستقل نملك جيشاً وأرضاً ومؤسسات منفصلة، إلى مستوى: نحن مكوّن سوري نريد حقوقاً دستورية وسياسية وثقافية داخل الدولة.
وهذا هو التحول الذي يمكن للدولة أن تتعامل معه من دون أن تفقد طبيعتها، فالدولة تستطيع أن تستوعب القومية الكردية، وكذلك الخصوصية الدرزية، وتستطيع أن تستوعب التنوع الديني والمذهبي والثقافي الذي تتميز به سوريا ويمنحها القوة، لكنها لا تستطيع، إذا أرادت أن تكون دولة فعلاً، أن تتعايش إلى ما لا نهاية مع جيوش مستقلة ومراكز قرار مستقلة وعلاقات خارجية مستقلة.
عاشراً: الدولة المركزية ليست بالضرورة عدواً للمكونات
ثمة خطأ فكري شائع في المنطقة يساوي بين الدولة المركزية والدولة القمعية، وهذا غير صحيح. إذ يمكن أن تكون الدولة مركزية في السيادة، ولا مركزية في الإدارة، كما يمكن أن يكون الجيش وطنياً واحداً، بينما تكون الإدارة المحلية واسعة الصلاحيات، ويمكن أن يكون القرار الخارجي مركزياً، بينما تكون الثقافة والتعليم والخدمات المحلية أكثر استقلالاً.
لذلك فإن النموذج الذي تحتاجه سوريا ليس دولة تبتلع مجتمعاتها، ولا مجتمعات تبتلع الدولة، بل دولة واحدة تتسع لمجتمعات متعددة.
الحادي عشر: ماذا تقول تجربة “قسد” للشرع نفسه؟
من الواضح أنَّ الدرس ليس موجهاً إلى المكونات فقط. فالشرع والحكومة السورية أمام مسؤولية مقابلة، فإذا طلبت دمشق من الكرد التخلي عن سلاحهم والانضمام إلى الدولة، فعليها أن تثبت أن الدولة أكثر أمناً وعدلاً من الكيان المسلح.
وإذا أرادت دمشق من الدروز التخلي عن الرهانات الخارجية، فعليها أن تقدم إليهم سبباً مقنعاً للثقة بالدولة، وإذا أرادت أن تمنع عودة الطائفية السياسية، فعليها أن تجعل المواطنة أقوى من الطائفة، وهذا يعني:
• حماية المواطنين.
• ضمان الحقوق.
• منع التمييز.
• احترام الخصوصيات الثقافية.
• مشاركة سياسية حقيقية.
• عدالة في توزيع الموارد.
• إدارة محلية فعالة.
• بناء مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية.
• وعدم العودة إلى نموذج الدولة التي لا ترى في المواطن سوى تابع.
الثاني عشر: الاختبار الحقيقي للشرع يبدأ بعد الانتصار
من السهل نسبياً توحيد السلاح، لكن الأصعب هو توحيد الولاء. ومن السهل أن تدخل مؤسسة حكومية إلى مدينة، ويبقى الأصعب أن يشعر سكان تلك المدينة أن هذه المؤسسة تمثلهم وتحميهم.
وإذا كان الشرع قد نجح في التوصل إلى صيغة أنهت استقلال “قسد” العسكري، فإن المرحلة الأصعب تبدأ الآن. فهل ستستطيع دمشق أن تجعل الكرد يشعرون بأنهم جزء من الدولة، وليسوا مجرد قوة مهزومة جرى استيعابها؟ وهل تستطيع أن تجعل الدروز يشعرون بأن دمشق هي الضامن الحقيقي لأمنهم؟ وهل تستطيع أن تجعل العلويين والمسيحيين وغيرهم يشعرون بأن الدولة تحميهم بصفتهم مواطنين، لا بصفتهم جماعات تحت الوصاية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن مشروع الدولة السورية يكون قد قطع شوطاً هائلاً. أما إذا بقيت الدولة مجرد سلطة مركزية من دون عدالة أو ضمانات أو مشاركة، فإن الفراغ سيعود، وستعود معه الحاجة إلى الخارج. ولهذا فإن نجاح اتفاق الدمج لا يقاس بعدد البنادق التي دخلت مستودعات الدولة فحسب، بل بعدد المواطنين الذين أصبحوا يرون في الدولة بيتهم السياسي الطبيعي
.
الثالث عشر: إسرائيل نفسها تقدم الدليل
ربما لا يوجد مثال أوضح من المفاوضات السورية – الإسرائيلية الحالية. إسرائيل لا تتعامل مع كل قرية أو طائفة أو فصيل سوري باعتباره طرفاً مستقلاً عندما يتعلق الأمر بالترتيبات الاستراتيجية الكبرى، إنها تفاوض الحكومة السورية.
والاجتماع الذي جرى في الأردن بوساطة أميركية يؤكد هذه الحقيقة. فالمفاوضات تناولت خفض التصعيد، والاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب، وترتيبات أمنية، وإحياء اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وكلها ملفات تتصل مباشرة بسيادة الدولة وحدودها وأمنها.
وهذا لا يعني أن إسرائيل تتفق مع دمشق، ولا يعني أن دمشق تثق بإسرائيل، ولا يعني أن الصراع التاريخي بين الطرفين انتهى، بل يعني شيئاً أبسط وأعمق: عندما يتعلق الأمر بالأمن والسيادة والحدود والاتفاقات الاستراتيجية، تعود الدول إلى بعضها البعض.
فحتى الدول المتحاربة تفاوض الدول، أما الكيانات المحلية فتبقى جزءاً من المعادلة، لكنها لا تصبح تلقائياً بديلاً من الدولة. وهذا تحديداً ما ينبغي أن تفهمه كل القوى السورية التي تراهن على الخارج.
الرابع عشر: من يراهن على الخارج يخسر حين تتغير الخريطة
قد تكون إسرائيل قوية اليوم، وقد تكون الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأكبر غداً، وقد تكون تركيا صاحبة التأثير الأكبر في مرحلة أخرى، لكن لا توجد قوة خارجية تبني سياستها على حماية مشروع محلي إلى الأبد. فإذا تغيرت المصالح، تغيرت التحالفات، وإذا انتهت الحرب، تغيرت قيمة الحلفاء المحليين.
وما إن تظهر حكومة مركزية قادرة على التفاوض، يصبح التعامل معها أكثر جدوى بالنسبة إلى القوى الخارجية.
وهذا تحديداً ما يمكن قراءته في الحالة الكردية، لقد امتلكت “قسد” جيشاً، وأرضاً، وموارد، ودعماً أميركياً، وعلاقات دولية واسعة، ومع ذلك انتهت إلى حل قوتها العسكرية المستقلة والاندماج في مؤسسات الدولة السورية، ليس لأن كل ما بنته خلال سنوات الحرب كان وهماً، بل لأن ميزان العلاقات الدولية لا يتوقف عند حدود القوة المحلية.
الخامس عشر: الدرس ليس “ثقوا بالدولة” فقط… بل “ابنوا دولة تستحق الثقة”
ليس المطلوب اليوم من أي مكوّن سوري أن يضع ثقته العمياء في دمشق، ولا ينبغي أن يكون البديل من الارتهان للخارج هو الارتهان للداخل، كذلك عدم معارضة الحكومة المركزية لمجرد معارضتها أو ممارسة الحق الديموقراطي بالمعارضة. المطلوب هو بناء دولة تجعل المواطن لا يحتاج إلى حماية أجنبية، كذلك المطلوب من المواطن أن يلتزم الدستور والقوانين والمحاسبة الديموقراطية في صناديق الاقتراع والدفاع عن مؤسسات الدولة باعتبارها ملكاً للشعب وليس للحزب. دولة يقول فيها الدرزي: أمني مضمون كمواطن سوري. ويقول فيها الكردي: لغتي وهويتي وحقوقي مصونة كمواطن سوري. ويقول فيها المسيحي: ديني ووجودي مصانان بالقانون. ويقول فيها العربي: لا أحد ينتزع مني مواطنتي أو حقوقي. ويقول فيها كل سوري، بصرف النظر عن طائفته وقوميته ومنطقته: الدولة دولتي.
عندها فقط يصبح الجيش الوطني أقوى من أي ميليشيا، والدستور أقوى من أي ضمان خارجي، والدولة أكثر جاذبية من أي مشروع انفصالي أو شبه مستقل، لأن الدولة التي تبنى بصورة صحيحة تصبح مشروعاً طويل الأمد.
حين تصبح دمشق هي العنوان
ما حدث مع “قسد” ليس نهاية القضية الكردية، بل نهاية صيغة معينة لإدارة القضية الكردية. فالكرد لم يختفوا من سوريا، ولم تختفِ حقوقهم، ولم تنتهِ خصوصيتهم، الذي انتهى هو نموذج القوة العسكرية المستقلة التي تمتلك مؤسسات وأرضاً وموارد وعلاقات خارجية خارج الإطار الكامل للدولة.
وما يجري في الجنوب ليس بالضرورة صراعاً بين الدروز وسوريا، إنه سؤال أكبر: هل تكون المكونات السورية أجزاء من دولة واحدة، أم تتحول كل مجموعة إلى مشروع سياسي مستقل يبحث عن دولة أجنبية تحميه؟
تجربة السنوات الماضية تقدم جواباً مهماً. يمكن للخارج أن يفتح لك باباً، ويمكنه أن يمنحك السلاح، ويمكنه أن يوفر لك الحماية، ويمكنه أن يرفع قضيتك إلى المحافل الدولية، لكنه لا يستطيع أن يمنحك دولة مستقرة إلى الأبد، لأن الدولة تُبنى من الداخل، ولهذا فإن العبارة التي تختصر المشهد كله ليست فقط عنواناً لمقال، بل قاعدة سياسية: الدول تفاوض الدول، لا الكيانات.
إنَّ التاريخ السياسي لسوريا الجديدة بدأ في هذه اللحظة تحديداً، أي عندما أصبح عنوان التفاوض من جديد هو دمشق.
اقرأ أيضا: المشهد السعودي – إطلاق إنذار أحمر في السعودية… ماذا يجري؟
