بغداد / محمد العبيدي
تدفع الضغوط التي تواجه الخزينة العراقية إلى طرح حزمة من المقترحات لمعالجة أزمة السيولة، تتراوح بين تنويع الإيرادات والاقتراض وإعادة تنظيم الإنفاق، وصولا إلى أفكار مثل الدينار الرقمي واستخدام النفط أداة للتمويل، فيما يرى خبراء أن تطبيق الأدوات الجديدة يحتاج إلى تشريعات وترتيبات مالية واقتصادية، ما يجعل الحلول التقليدية الأقرب للتنفيذ في المدى القصير.
وتأتي هذه الضغوط في ظل استمرار العمل بقاعدة الصرف بنسبة 1/12، التي تتيح للمالية العامة إدارة الإنفاق وتمويل الالتزامات الأساسية لحين إقرار الموازنة، فيما تتحدث الحكومة عن إجراءات تستهدف ترشيد الإنفاق وتنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط.
وقال عضو اللجنة المالية النيابية حسين الدراجي لـ(المدى) إن «الاتجاه الحالي يجب أن ينصب على تنويع الإيرادات والاستفادة من الأزمة الحالية في خلق مورد إضافي للدولة، بدلا من التعامل مع مشكلة السيولة باعتبارها أزمة مؤقتة تنتهي بمجرد تحسن أسعار النفط أو عودة الصادرات إلى مستوياتها السابقة».
وأضاف الدراجي أن «السياسات المالية السابقة تسببت بكوارث في الاقتصاد العراقي بسبب استمرار الاعتماد على النفط وعدم بناء موارد مستقرة من القطاعات الأخرى، ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات حقيقية لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتعزيز الإيرادات غير النفطية، مع البحث عن أدوات تمويل لا تزيد من أعباء الدولة مستقبلا».
وفي هذا السياق، عاد مقترح اعتماد الدينار العراقي الرقمي إلى واجهة النقاش، بعد طرحه باعتباره وسيلة يمكن أن تساعد في تقليل الاعتماد على النقد الورقي وتسهيل دفع الرواتب عبر المحافظ والحسابات الإلكترونية. إلا أن هذا المقترح، وفق خبراء، لا يمثل حلا لمشكلة العجز أو نقص الموارد، إذ تتطلب معالجة أزمة السيولة أولا توفير مصادر مالية قادرة على تغطية الإنفاق الحكومي، فيما يمثل التحول الرقمي أداة لإدارة الأموال وتداولها بصورة أكثر كفاءة.
وقال الخبير الاقتصادي ضرغام محمد لـ(المدى) إن «مقترحات الدينار الرقمي وكذلك سندات النفط صعبة التطبيق في الوقت الحاضر، لأنها تحتاج إلى وقت وترتيبات وتشريعات، خصوصا أن النفط يمثل المورد الأساسي للدولة العراقية، وأي تعامل به خارج الإطار التقليدي للبيع يحتاج إلى قانون يتيح استخدامه كضمانة للقروض أو للحصول على التمويل».
وأضاف محمد أن «الدينار الرقمي يحتاج أيضا إلى تشريع وترتيبات مالية واقتصادية غير متوفرة في الوقت الحاضر، ولذلك فإن الحلول القريبة ستبقى ضمن الأدوات التقليدية، ومنها الاقتراض الداخلي ومحاولة تسويق النفط بطرق غير تقليدية وفتح أسواق جديدة، فضلا عن زيادة الكميات المصدرة عبر منافذ بديلة، سواء من خلال التفاهمات الإقليمية أو الطرق البرية عبر تركيا وسوريا».
ومن بين المقترحات التي طرحها خبراء للتعامل مع أزمة السيولة، بيع جزء من النفط المستقبلي عبر سندات أو أدوات مالية، بحيث تحصل الحكومة على قيمته من المواطنين أو المصارف بصورة مسبقة وفق سعر محدد، مقابل تسوية هذه السندات في وقت لاحق وبآلية تسعير متفق عليها.
ويواجه هذا المقترح اعتراضات تتعلق بالحاجة إلى تشريعات واضحة تنظم آلية بيع النفط بهذه الطريقة وتحدد حجم الكميات التي يمكن طرحها، فضلا عن مخاطر تقلب أسعار الخام في الأسواق العالمية وما قد يترتب على تثبيت سعر البيع مسبقا من خسائر محتملة في حال ارتفاع الأسعار لاحقا، إلى جانب ضرورة تحديد الجهة التي ستتولى إدارة هذه السندات وآلية تسويتها وضمان حقوق الدولة والأطراف المتعاملة بها.
ويرى اقتصاديون أن ملف السيولة تحول من أزمة مرتبطة بتوقيت صرف الرواتب إلى اختبار أوسع لقدرة الدولة على إدارة مواردها، فيما تبدو الأدوات التقليدية، مثل الاقتراض وإعادة ترتيب الإنفاق وزيادة الصادرات، الأقرب إلى التطبيق في المدى القصير. وفي المقابل، يتطلب اللجوء إلى أدوات مثل الدينار الرقمي وسندات النفط تشريعات وبنية مالية ومصرفية أكثر نضجا لمواجهة تداعيات المرحلة الحالية.
The post الخزينة العراقية تبحث عن متنفس.. الاقتراض وسندات النفط والدينار الرقمي على طاولة النقاش appeared first on جريدة المدى.
اقرأ أيضا: العثور على جثة وسط ملعب نادي تشارلتون أثلتيك الإنجليزي
