بغداد / تبارك عبد المجيد
تنتهي العقوبة القانونية للنساء مع مغادرتهن السجن، لكن كثيرات منهن يواجهن بعد الإفراج سلسلة من القيود الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، تبدأ بالوصمة والرفض الأسري، وتمتد إلى صعوبة الحصول على فرص عمل والاندماج مجددا في المجتمع، وسط غياب سياسات فاعلة للرعاية اللاحقة وإعادة التأهيل.
«انتهت مدة محكوميتها، لكنها لم تنه عقوبتها». بهذه العبارة تختصر الناشطة النسوية سرى سالم واقع آلاف النساء اللواتي يغادرن السجن ليواجهن سجنا آخر أكثر قسوة، تفرضه نظرات المجتمع وأحكامه المسبقة.
وتقول سالم لـ«المدى» إن «معاناة النساء لا تنتهي بمجرد مغادرتهن أسوار السجن، فالحرية القانونية وحدها لا تكفي لإزالة القيود النفسية والاجتماعية التي تلاحقهن، فبعد الإفراج تجد المرأة نفسها أمام ما تصفه بـ«محكمة المجتمع»، حيث تحاكم يوميا بنظرات الجيران وأحاديث الأقارب والصمت الذي يحمل في طياته الإدانة»، لتصبح رحلة الاندماج في الحياة أكثر صعوبة من فترة العقوبة نفسها.
وتوضح أن السجينة السابقة تعود إلى مجتمع غالبا ما يرفض احتواءها، فتتحول حياتها إلى دائرة من العزلة والنبذ. وبدلا من استعادة مكانتها داخل أسرتها، تواجه في كثير من الأحيان الرفض من أقرب الناس إليها، حتى إن كان دخولها السجن نتيجة ظلم أو ظروف قاهرة.
وتضيف أن الوصمة الاجتماعية تبدأ من داخل الأسرة قبل أن تمتد إلى المجتمع، إذ ترفض بعض العائلات استقبال ابنتها بعد الإفراج عنها، خشية «العار» أو استجابة لضغوط عشائرية واجتماعية. وفي حالات أخرى، تحرم المرأة من ممارسة دورها كأم أو زوجة، وقد تمنع من رؤية أطفالها، لتتحول العقوبة القانونية إلى عقوبة اجتماعية مفتوحة لا يحددها قانون ولا تنتهي بقرار قضائي.
وترى سالم أن هذا الرفض يترك آثارا نفسية عميقة على النساء المفرج عنهن، إذ يدفعهن إلى العزلة وفقدان الثقة بالنفس، ويغذي لديهن مشاعر الخجل وتدني احترام الذات، ما يضاعف هشاشتهن ويجعل إعادة الاندماج في المجتمع أكثر تعقيدا.
وتمتد التحديات إلى الجانب الاقتصادي والمهني، إذ تشير سالم إلى أن كثيرا من المؤسسات ترفض توظيف النساء اللواتي يحملن سجلا قضائيا، حتى بعد انتهاء محكوميتهن، كما تتعرض بعضهن للتمييز في أماكن العمل حتى عند شغل وظائف بسيطة، ما يحرمهن من مصدر دخل مستقر ويزيد هشاشة أوضاعهن الاقتصادية.
وتؤكد أن مسؤولية إعادة دمج المرأة المفرج عنها مسؤولية مشتركة تتحملها الأسرة والمجتمع والدولة، مشددة على أهمية منح النساء فرصة جديدة للحياة من خلال القبول والاحتواء، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية، وفتح أبواب الاندماج المهني والاقتصادي أمامهن.
وتدعو سالم إلى تبني إصلاحات تشريعية شاملة تكفل حماية حقوق النساء المفرج عنهن، عبر سن قوانين مستقلة تحظر العنف والتمييز وتجرم الوصم الاجتماعي، وتسهل إجراءات رد الاعتبار القانوني، مع إزالة القيود المرتبطة بالسجل القضائي بما يمنع التمييز في التوظيف والحياة الاجتماعية.
كما تؤكد ضرورة تفعيل برامج الرعاية اللاحقة، من خلال إنشاء مراكز إيواء آمنة وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي لمساعدة النساء على تجاوز آثار الصدمات السابقة، إلى جانب إطلاق حملات توعية مجتمعية تنشر ثقافة التسامح ونبذ الوصمة، وتواجه الممارسات العشائرية والاجتماعية التي تحول دون تقبل النساء المفرج عنهن.
وتتابع سالم أن «منح المرأة المفرج عنها فرصة ثانية ليس عملا خيريا، بل هو استحقاق إنساني وحق يكفله مبدأ العدالة، فالعقوبة تنتهي بحكم القانون، أما استمرارها داخل المجتمع فلا ينتج سوى مزيد من التهميش والإقصاء، ويحول دون بناء حياة جديدة قائمة على الكرامة والاندماج».
من جهته، يرى المدير التنفيذي لمنظمة تدارك لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الواحد، أن الحديث عن أوضاع النساء المفرج عنهن من السجون لا يمكن فصله عن واقع المؤسسة السجنية في العراق، مؤكدا أن ملف السجون يعد من أكثر الملفات تعقيدا على المستويات التنظيمية والإدارية والقانونية، فضلا عن التحديات المرتبطة بالبنى التحتية.
ويقول عبد الواحد لـ«المدى» إن السجون العراقية تعاني منذ سنوات مشكلات هيكلية عميقة انعكست بصورة مباشرة على أوضاع النزلاء والموقوفين، إذ تشهد انتشارا لجرائم العنف والقتل والتحرش والتعذيب، إضافة إلى نشاط العصابات وتفشي المخدرات داخل بعض المؤسسات الإصلاحية. ويرى أن هذه الاختلالات البنيوية تؤثر في جميع السجناء، فيما تبقى النساء الفئة الأكثر هشاشة وتأثرا بهذه الظروف.
ويؤكد أن النساء المفرج عنهن يواجهن، بغض النظر عن أسباب دخولهن السجن، وصمة اجتماعية قاسية تحول دون اندماجهن مجددا في المجتمع. ويضيف أن كثيرا من المجتمعات المحلية ترفض التعامل مع السجينة السابقة بصورة طبيعية، إذ تتعرض للتنمر والإهانة وإطلاق الأوصاف المهينة بحقها، ما ينعكس على فرصها في بناء حياة مستقرة أو الحصول على عمل.
ويشير إلى أن المؤسسات المعنية بإعادة تأهيل وإدماج النساء المفرج عنهن محدودة للغاية، في ظل غياب استراتيجية حكومية واضحة للتعامل مع هذه الفئة، رغم تزايد أعداد النساء اللواتي يحتجن إلى برامج دعم ورعاية بعد الإفراج.
وعن التمييز الذي تتعرض له النساء مقارنة بالرجال، يوضح عبد الواحد أن جميع المفرج عنهم يواجهون تحديات اجتماعية، فيما تتحمل المرأة عبئا مضاعفا بسبب الأعراف الاجتماعية السائدة، إذ يمنح المجتمع الرجل مساحة أكبر لاستعادة حياته، بينما تبقى المرأة أسيرة الأحكام المسبقة والوصمة الاجتماعية، ما يجعل فرص اندماجها أقل بكثير.
ويضيف أن النساء داخل السجون يواجهن، إلى جانب تقييد حريتهن، انتهاكات تمس حقوقا أساسية، من بينها الحق في الصحة والتعليم، فضلا عن تأثر حقوقهن المدنية والاجتماعية نتيجة واقع المؤسسات الإصلاحية التي ما زالت تعاني ضعف الإمكانات وسوء الإدارة.
كما يشير إلى ورود تقارير وشهادات عن تعرض بعض النساء للعنف والتحرش والاعتداء داخل السجون، مؤكدا أن إجراءات التحقيق التي أعلنت في بعض تلك الحالات بقيت شكلية ولم تسفر عن نتائج حقيقية تضمن المساءلة أو توفر الحماية الكافية للنزيلات.
وفي مرحلة ما بعد الإفراج، يلفت عبد الواحد إلى أن كثيرا من النساء يواجهن الرفض حتى داخل أسرهن، وإن قبلت بعض العائلات باستقبالهن فإنهن لا يعاملن بالمساواة مع بقية أفراد الأسرة، بل يظللن تحت وطأة «وصمة العار» المرتبطة بالسجن، بصرف النظر عن طبيعة الجريمة أو ملابساتها.
ويؤكد أن إعادة دمج النساء المفرج عنهن مسؤولية الدولة أيضا، من خلال تبني سياسات واضحة وبرامج متخصصة لإعادة التأهيل والاندماج. ويستذكر في هذا السياق الدور الذي كانت تؤديه منظمة حرية المرأة في دعم وتأهيل النساء المفرج عنهن قبل أن تتعرض لضغوط كبيرة بعد اغتيال رئيستها، ينار محمد، الأمر الذي أثر في استمرار بعض برامج الدعم.
ويشدد عبد الواحد على أن قضية النساء المفرج عنهن يجب أن ينظر إليها من منظور حقوقي ومؤسساتي، إلى جانب بعدها الاجتماعي، داعيا إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة لإصلاح ملف السجون وتطوير برامج الرعاية اللاحقة، وتعزيز الوعي المجتمعي بأن وظيفة السجون في الأساس هي الإصلاح وإعادة التأهيل، بما يحد من استمرار العزلة والإقصاء بعد انتهاء العقوبة القانونية.
The post «الحرية خلف الأسوار لا تكفي».. النساء المفرج عنهن يواجهن العزلة وصعوبة الاندماج appeared first on جريدة المدى.
اقرأ أيضا: انهيار وبكاء لاعبة الجزائر مورغان بلخيتر بعد طردها أمام مالاوي (فيديو)
