بغداد / أحمد كوكب
أعلنت وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة إطلاق خطتها الإقراضية للعام الحالي، بتخصيص نحو 10 آلاف قرض يصل سقف الواحد منها إلى 60 مليون دينار، في إطار مساعي معالجة عجز سكني تقدره السياسة الوطنية للإسكان بـ2.3 مليون وحدة. وفي المقابل، يشكك باحثون اقتصاديون في كفاية هذه التقديرات وجدوى الاعتماد على القروض الفردية، ويرى أحدهم أن الفجوة السكنية بين الموظفين الحكوميين وحدهم تتجاوز 6 ملايين وحدة، محذرا من تحميل الأسر ديونا وأقساطا طويلة الأجل من دون معالجة جذرية للأزمة.
وقال المتحدث باسم الوزارة، استبرق صباح، في حديث خاص لـ«المدى»، إن خطة الإقراض التي أعدها صندوق الإسكان العراقي للعام الحالي تتضمن تخصيص نحو 10 آلاف قرض، ضمن توجه الصندوق لتوفير التمويل السكني الميسر للمواطنين الراغبين بالبناء.
وأشار صباح إلى أن صندوق الإسكان أنجز ما يقارب 27 ألف معاملة إقراضية منذ عام 2025 ولغاية الوقت الحالي، مبينا أن هذه الأرقام تعكس استمرار المؤسسة في تقديم التسهيلات الإقراضية واستيعاب الطلبات المتزايدة.
وأوضح أن الضوابط المعتمدة حددت السقف الأعلى للقرض بـ60 مليون دينار عراقي من دون فوائد مباشرة، مضيفا أنه في حال نفاد المبالغ المخصصة ضمن الخطة الرسمية، يخير طالب القرض بالتحول إلى قرض ثان بالسقف المالي نفسه، ولكن بفائدة تناقصية تقدر بـ2%.
وأكد صباح أن تقديرات العجز السكني في العراق تبلغ نحو 2.3 مليون وحدة سكنية، استنادا إلى البيانات الواردة في وثيقة السياسة الوطنية للإسكان للسنوات 2025–2030، وهو ما يستدعي، بحسب قوله، استمرار برامج التمويل السكني وتوسيعها، إلى جانب إطلاق مشاريع المجمعات السكنية وتوفير الأراضي المخدومة.
واعتبر أن خطة الإقراض المعتمدة للعام الحالي تمثل خطوة عملية لتمكين الأسر من الحصول على التمويل السكني الميسر، في ظل الظروف والتعقيدات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد.
وأضاف أن البرنامج الحالي امتداد لبرامج صندوق الإسكان السابقة وتطوير لها، ويركز على تعزيز الرصيد السكني عبر دعم المواطنين بقروض ميسرة تخصص لبناء دور جديدة أو إضافة بناء إلى الدور القائمة.
وقال صباح إن هذه البرامج تؤدي دورا في دعم استقرار الأسر وتنمية الرصيد العمراني، مستدركا بأن معالجة العجز المتراكم، البالغ 2.3 مليون وحدة سكنية، تتطلب تكاملا بين برامج الإقراض والمشاريع الاستثمارية الجديدة وتوفير الأراضي المخدومة والشراكة مع القطاع الخاص، للحد تدريجيا من الفجوة السكنية.
وفي المقابل، يشكك الباحث في الشأن الاقتصادي دريد شاكر العنزي في جدوى الاعتماد على التمويل الفردي وحده، ويرى أن القروض محدودة القيمة قد تزيد الضغوط المعيشية على الأسر من دون أن تعالج أزمة السكن المتراكمة.
وقال العنزي، في حديث خاص لـ«المدى»، إن أزمة السكن لن تجد طريقها إلى الحل عبر البرامج الإقراضية المحدودة، داعيا إلى التفكير في معالجات أوسع، ومعتبرا أن المؤسسات الرسمية لا تمتلك حتى الآن رؤية شاملة لحل الأزمة، وتلجأ إلى حلول وصفها بالترقيعية في مواجهة مشكلة تزداد تعقيدا عاما بعد آخر.
وشكك العنزي في الرقم الحكومي المعلن بشأن العجز السكني، متسائلا عن المصدر العلمي الذي استند إليه تقدير الفجوة بـ2.3 مليون وحدة، ومؤكدا أن قطاع الموظفين العراقيين، الذي قال إن عدده يبلغ نحو 8 ملايين، يضم وحده ما لا يقل عن 6 ملايين موظف لا يملكون سكنا شخصيا، فضلا عن أعداد العاطلين عن العمل الذين يصعب عليهم شراء أرض أو البناء في ظل غياب دخل ثابت.
ورأى أن منح القروض الفردية لا يحل أزمة السكن، وقد يترك آثارا سلبية على المستوى المعيشي للعائلة عبر تحميلها ديونا طويلة الأجل حتى إذا كانت من دون فائدة، متسائلا عن القيمة الفعلية لـ60 مليون دينار في سوق العقارات، ومعتبرا أن هذا المبلغ لا يغطي ثمن قطعة أرض صغيرة ولا يكفي لاستحصال إجازة بناء في ظل الشروط والتعقيدات البلدية.
وأشار العنزي إلى أن الاشتراطات القانونية المعتمدة تفرض ألا تقل المساحة السكنية عن 100 متر، بواجهة لا تقل عن 8 أمتار، معتبرا أن هذه المعايير وضعت في فترات تختلف عن ظروف الغلاء والضغط الحالية، وأنها تدفع بعض المواطنين إلى البناء العشوائي والتجزئة غير النظامية نتيجة غياب المرونة التشريعية.
ودعا الحكومة إلى التدخل المباشر وإلغاء ما وصفه بفلسفة القروض الفردية، التي يرى أنها تسهم في ارتفاع أجور المواد الإنشائية وأسعار الأراضي عند الإعلان عنها، مطالبا بأن تتولى الدولة وشركاتها العامة بناء مجمعات سكنية وتوزيعها على المواطنين، ومعتبرا هذا الخيار أكثر جدوى اقتصاديا. كما انتقد غياب المصانع والمعامل الوطنية القادرة على رفد السوق بالمواد الإنشائية والمنتجات المحلية اللازمة للبناء.
واقترح العنزي توجيه بناء مجمعات سكنية متوسطة الكلفة لشريحة الموظفين التي قدرها بنحو 6 ملايين شخص، عبر اقتطاعات من الرواتب من دون تحميلهم أعباء القروض والفوائد. وقال إن من الممكن أن يتولى المقاولون تشييد مجمعات مخصصة لكل دائرة حكومية، تضم مثلا 500 موظف في قطاعات الصحة أو التربية أو غيرها، مع تمويل المشروع من خلال استقطاع مسبق ومضمون بنسبة 10% من رواتب الموظفين المستفيدين.
وحذر من التعويل على قروض بفوائد تصل إلى 2% أو 5%، معتبرا أنها قد تدخل المواطنين في أزمات سداد متواصلة، فضلا عن إحجام شرائح من المجتمع عن التعامل مع القروض القائمة على الفوائد لاعتبارات شرعية ودينية، داعيا إلى البحث عن معالجات تنموية مختلفة عن السياسات القائمة.
واختتم العنزي حديثه بالدعوة إلى ربط الحل السكني بالدورة الاقتصادية واستصلاح الأراضي، مقترحا تشغيل الطاقات المعطلة، ومنها خريجو كليات الزراعة، وتوزيع أراض بمساحة 20 دونما لكل خريج بحسب مسقط رأسه، وقال إن ذلك يمكن أن يوفر نحو 600 ألف فرصة عمل مباشرة وملحقة في المحافظات، ويوفر دخلا يتيح للمواطنين بناء مساكنهم بعيدا عن القروض الحكومية.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – بعد 11 شهراً من الغدر.. غضب عارم يجتاح عدن ومطالبات بـالقصاص لشهيد صلاة الجمعة!
The post الحاجة إلى 2.3 مليون وحدة سكنية.. هل تنهي خطط الإعمار أزمة السكن أم تغرق العراقيين بالديون؟ appeared first on جريدة المدى.
