الجانب “الآخر” من سوق الجنسيات الذهبية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في أكثر نسخها أناقة، تُباع برامج الإقامة والجنسية مقابل الاستثمار باعتبارها لقاءً مثالياً بين رأس المال والسيادة: مستثمر يبحث عن حرية أكبر في الحركة، ودولة تريد أموالاً جديدة من دون ديون ولا ضرائب إضافية. يدفع الأول، فتمنح الثانية إقامة طويلة أو جواز سفر. صفقة سريعة ونظيفة، ظاهرياً. 

اقرأ أيضا: الأرصاد الجوية: أجواء صيفية معتدلة في الأردن الجمعة وانخفاض طفيف على درجات الحرارة في هذا الموعد

لا ترى المنظمات المعنية بمكافحة الفساد والجريمة المالية، وفي مقدمها منظمة الشفافية الدولية وFATF وOECD، الخطر في وجود المستثمر الأجنبي بحد ذاته، وإنما في نموذج قد يجمع، في أسوأ حالاته، ثلاثة عناصر شديدة الحساسية: أموال ضخمة عابرة للحدود، وسطاء يتقاضون عمولات على إتمام الصفقات، وحكومات لديها مصلحة مالية مباشرة في قبول أكبر عدد ممكن من المتقدمين. وكلما أصبحت سرعة الحصول على الجواز جزءاً من جاذبية المنتج، أصبح التدقيق أبطأ عنصر في عملية يفترض أن تكون سريعة.

من غسل الأموال إلى غسل الهوية

غسل الأموال هو الخطر الأكثر وضوحاً. يستطيع مال غير مشروع، نظرياً، أن يدخل دولة في صورة شراء عقار أو استثمار في شركة أو صندوق، ليظهر لاحقاً كأصل قانوني داخل نظام مالي جديد. لكن الجنسية الاستثمارية تضيف إلى المشكلة طبقة أكثر تعقيداً: هي لا تمنح المال عنواناً جديداً فحسب، بل قد تمنح صاحبه هوية قانونية جديدة أيضاً. وهنا يظهر مفهوم يكاد يكون أخطر من غسل المال: “غسل الهوية”.

قد يغير الحصول على جواز ثانٍ الطريقة التي يظهر بها الشخص أمام المصارف والسلطات الحدودية ومقدمي الخدمات المالية. وإذا ترافق ذلك مع شركات متعددة الجنسيات، وإقامات ضريبية مختلفة، وحسابات مصرفية موزعة بين ولايات قضائية عدة، يصبح رسم خريطة واضحة لهوية المستفيد الحقيقي وثروته أكثر تعقيداً. وقد حذرت OECD وFATF من إمكان إساءة استخدام برامج الإقامة والجنسية الاستثمارية لإخفاء عائدات الجريمة والتهرب من العدالة والعقوبات، أو لتقديم صورة مضللة عن مكان الإقامة الضريبية الفعلية.

شعار مجموعة العمل المالي (أف ب)

المفارقة أن الدول التي تحتاج إلى هذه الأموال بشدة قد تكون هي نفسها الأكثر تعرضاً لإغراء التساهل. ففي بعض اقتصادات الكاريبي الصغيرة، تحولت إيرادات بيع الجنسيات إلى مورد اقتصادي بالغ الأهمية؛ ووصلت في فترات معينة إلى ما يعادل نحو ثلث الناتج المحلي في دومينيكا وأكثر من نصفه في سانت كيتس ونيفيس. عندما يصبح الجواز مورداً للخزانة، لا يعود قرار الرفض مسألة أمنية فقط؛ يصبح له ثمن مالي مباشر.

قبرص: عندما تحولت الجنسية إلى فضيحة

قدمت قبرص المثال الذي يخشاه منتقدو هذه البرامج. فبرنامجها الاستثماري فتح أبواب الاتحاد الأوروبي أمام أثرياء مقابل استثمارات بملايين اليوروهات. لكن تسريبات وتحقيقات “Cyprus Papers” كشفت أن المستفيدين لم يكونوا دائماً مجرد رجال أعمال يبحثون عن قاعدة أوروبية جديدة.

اقرأ أيضا: مصر تعزي زيمبابوي في ضحايا حادث انقلاب عبارة ببحيرة كاريبا

وبحسب ما أبرزته “منظمة الشفافية الدولية”، ظهر بين المتقدمين أشخاص يواجهون إدانات أو اتهامات جنائية، إلى جانب عشرات الشخصيات السياسية المكشوفة المخاطر، أو ما يعرف بـPEPs. وهنا سقطت الحجة الأساسية التي تسوّق بها هذه البرامج نفسها: إذا كانت الثروة كافية لتجاوز أسئلة كان ينبغي أن تُطرح عن صاحبها، يصبح حجم الاستثمار عملياً بديلاً من مستوى التدقيق.

وفي مالطا، تجاوز النقاش حدود السياسة إلى القضاء الأوروبي. وفي نيسان/أبريل 2025، قضت محكمة العدل الأوروبية ضد برنامج منح الجنسية للمستثمرين، معتبرة أن تحويل جنسية دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى معاملة تجارية يتعارض مع طبيعة المواطنة الأوروبية.

الكاريبي تحت المجهر

حتى الجزر التي بنت جزءاً مهماً من نموذجها الاقتصادي على بيع جوازاتها بدأت تكتشف أن لهذه الصناعة كلفة جيوسياسية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، أدرجت الولايات المتحدة أنتيغوا وبربودا ودومينيكا ضمن دول خاضعة لقيود جزئية على التأشيرات، وكان اللافت أن واشنطن أشارت صراحة إلى برامج الجنسية مقابل الاستثمار بوصفها تحدياً إضافياً أمام عمليات التدقيق الأمني. 

المغزى يتجاوز دولتين صغيرتين في الكاريبي. لأول مرة تقريباً، يتحول ضعف الثقة في برنامج بيع الجنسية إلى كلفة يتحملها الجواز نفسه. وهذه هي المفارقة التي قد تعيد رسم الصناعة كلها. فالدولة تبيع جنسيتها لأنها ذات قيمة؛ لكنها إذا باعت منها أكثر مما تستطيع تدقيقه، قد تبدأ الدول الأخرى بخفض قيمة تلك الجنسية عبر التأشيرات والقيود والتدقيق المشدد.

لذلك، لا تدور المعركة المقبلة حول إلغاء الاستثمار مقابل الإقامة أو الجنسية بقدر ما تدور حول سؤال واحد: هل تستطيع الدولة إثبات أنها تعرف فعلاً لمن باعت جوازها؟ ففي هذه السوق، لا تكون أخطر الأموال تلك التي لا تعرف الدولة من أين جاءت فحسب، بل تلك التي تستطيع، بعد دفع الثمن، أن تشتري لنفسها اسماً جديداً وحدوداً جديدة وهوية أكثر نظافة من تاريخها.

اقرأ أيضا: “الإقامة أو الجنسية مقابل الاستثمار: مفتاحٌ ثانٍ إلى العالم” – ملفّ خاص من “النهار”

‫0 تعليق

اترك تعليقاً