أثار التشكيك في حقيقة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه جدلا علميا وإعلاميا في بريطانيا، بعد انتقادات وجهتها جريدة “ذا جارديان” لبرنامج تلفزيوني عرضته القناة الرابعة البريطانية، حيث اتهمته بتقديم معالجة انتقائية للأدلة العلمية.
وفي مقال رأي كتبته أستاذة التصوير العصبي المعرفي جينا ريبون، اعتبرت أن البرنامج أضاع فرصة لفتح نقاش علمي حقيقي حول دقة تشخيص الاضطراب وحدود علاجه، وانحاز بدلا من ذلك إلى انتقاء الآراء والأدلة، رغم عقود من الأبحاث الجينية والسريرية والعصبية التي تؤكد وجوده.
اقرأ أيضا: دعاء الجمعة الثانية من شهر ربيع الأول لتحصين النفس من المرض والحسد
وأشارت ريبون إلى أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه معترف به عالميا، بما في ذلك من قبل منظمة الصحة العالمية والخدمات الصحية البريطانية، وأن تقديرات تشير إلى إصابته لنحو 8% من الأطفال والمراهقين وحوالي 3% من البالغين على مستوى العالم.
وأضافت أستاذة التصوير العصبي المعرفي أن “التشكيك في هذا الإجماع العلمي أمر مشروع، لكنه يتطلب أدلة قوية وقابلة للتكرار تستطيع تفسير أو دحض عقود من الدراسات الجينية والنمائية والسريرية والعصبية، وهو ما قالت إن البرنامج لم يقدمه”.
انتقائية في عرض الأدلة
ووجهت الكاتبة انتقادات إلى مقدم البرنامج ماكس بيمبرتون، معتبرة أن العمل بدا وكأنه ينطلق من نتيجة محددة مسبقا، ثم يبحث عن آراء وتجارب تدعمها، بدلا من إخضاع فرضياته للأدلة المؤيدة والمخالفة على حد سواء.
كما انتقدت الطريقة التي تناول بها البرنامج أبحاث تصوير الدماغ، إذ استند إلى أن عدم وجود فحص واحد يمكنه تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى فرد بعينه باعتباره دليلا على أن الاضطراب ليس ذا أساس عصبي.
وترى ريبون أن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة الدراسات العلمية، موضحة أن اختلافات الدماغ يمكن رصدها على مستوى المجموعات، حتى وإن لم يكن من الممكن استخدام صورة دماغ واحدة كأداة تشخيصية مستقلة لكل حالة.
تجارب خارج قواعد البحث العلمي
وكان من أبرز ما أثار انتقاد الكاتبة تجربتان قدمهما البرنامج بوصفهما تجارب خاضعة للمراقبة؛ حيث تناولت التجربة الأولى تجربة طفل يبلغ من العمر 10 سنوات أوقف دواءه لمدة ستة أسابيع، بالتزامن مع إجراء تغييرات واسعة في نمط حياته، شملت تقليل استخدام الشاشات والهواتف، وتغيير النظام الغذائي، وممارسة الرياضة واليوجا وقضاء وقت أطول في الطبيعة.
لكن ريبون اعتبرت أن هذه التجربة لا يمكن وصفها بأنها دراسة علمية، لغياب مجموعة مقارنة أو شروط تجريبية تسمح بعزل تأثير كل عامل على حدة، فضلا عن أن حالة فردية واحدة لا يمكن استخدامها لاستخلاص نتائج علمية عامة، على حد وصفها.
اقرأ أيضا: قائمة مورينيو الأولى.. غياب ثنائي ريال مدريد وحضور 3 مفاجآت
أما التجربة الثانية، فتضمنت خضوع مقدم البرنامج لتقييم خاص عبر الإنترنت مقابل نحو 1200 جنيه إسترليني، قبل أن يحصل سريعا على تشخيص يشير إلى إصابته باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وفق “ذا جارديان”.
وتقول ريبون: اعتبر البرنامج أن سهولة الحصول على تشخيص خاطئ قد تعني أن الاضطراب نفسه غير حقيقي، وهو استنتاج غير منطقي، إذ إن وجود خلل محتمل في بعض إجراءات التشخيص لا ينفي وجود الحالة الطبية أو العلمية التي يسعى التشخيص إلى رصدها.
أسئلة مشروعة وإجابات غير علمية
ومع ذلك، أكدت ريبون أن البرنامج أثار عددا من الأسئلة التي تستحق البحث والنقاش، من بينها ما إذا كانت معايير التشخيص أصبحت واسعة أكثر من اللازم، ومدى دقة بعض التقييمات الخاصة، وما إذا كانت الأدوية تستخدم أحيانا في حالات يمكن أن تكون التغييرات البيئية أو التعليمية أكثر فاعلية فيها.
لكنها شددت على أن إثارة هذه الأسئلة لا تعني تجاهل الكم الكبير من الأدلة المتراكمة عبر عقود من الأبحاث الجينية والسريرية والعصبية.
وخلصت الكاتبة إلى أن التشكيك في المعرفة العلمية ليس خطأ في حد ذاته، بل يمثل جزءا أساسيا من تطور العلم، إلا أن التشكيك الحقيقي، بحسب رأيها، يتطلب اختبار الفرضية المفضلة في مواجهة أقوى الأدلة التي قد تنقضها، وليس انتقاء مجموعة من الآراء والتجارب التي تقود جميعها إلى النتيجة نفسها ثم تقديمها باعتبارها “بحثا يقوده العلم”.
اقرأ أيضا: جامعة القاهرة الأهلية: 24 أغسطس آخر موعد لرفع الشهادات العربية والأجنبية المعادلة
