لم يكن انتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور مجرد صفقة كبرى في سوق الانتقالات، بل كان مشروعًا متكاملًا راهن فيه النادي التركي على قوة الجماهير وتأثير المدينة ومكانة النجم المصري، لينجح في حسم واحدة من أكثر الصفقات إثارة للجدل خلال الصيف.
اقرأ أيضا: ترامب يقترب من انتخابات التجديد النصفي بأجندة خارجية متعثرة
وبينما كان صلاح يوقع عقدًا يمتد لعامين أمام نحو 35 ألف مشجع داخل ملعب «بابارا بارك»، كان رئيس النادي أرطغرل دوغان يقف إلى جواره بابتسامة عريضة، مدركًا أن طرابزون سبور نجح في تحقيق صفقة تتجاوز حدود كرة القدم.
وقال دوغان في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «إنه أكبر لاعب كرة قدم مسلم في العالم، وهو قدوة مؤثرة. أقمنا حفل توقيعه أمام 35 ألف شخص، كان واضحًا من كل تصرفاته أنه شعر بحجم الحب الذي يحظى به، وقد عبّر لنا عن ذلك أيضًا، وتوجه إلينا بالشكر».
كان السؤال الأبرز قبل إتمام الصفقة: كيف نجح طرابزون سبور في إقناع لاعب بحجم محمد صلاح بالانضمام إليه، رغم عدم مشاركته في دوري أبطال أوروبا، وعدم تتويجه بالدوري التركي سوى مرة واحدة منذ حقبته الذهبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؟
يرى دوغان أن الإجابة تكمن في هوية المدينة وعلاقتها الاستثنائية بالنادي. وقال: «لطالما قلت إن طرابزون سبور ومدينة طرابزون يمثلان شيئًا استثنائيًا، فنحن أكبر مدينة في العالم يمثلها نادٍ واحد فقط».
وأضاف: «سألنا صلاح: لماذا عليك اختيار طرابزون سبور الآن؟ وحدثناه عن المدينة، وقلنا له: كن على ثقة بأنك ستلتقي بمجموعة من المشجعين لا مثيل لهم، وستلمس الحب الصادق الذي تكنّه قلوب هؤلاء الناس».
وتقع طرابزون على ساحل البحر الأسود، بالقرب من الحدود مع جورجيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 800 ألف نسمة، لكنها لا تدخل ضمن أكبر 20 مركزًا حضريًا في تركيا.
رئيس النادي.. رجل أعمال من أبناء طرابزون
وُلد أرطغرل دوغان في يناير/كانون الثاني 1977، وينحدر من مدينة طرابزون نفسها. ونجح رجل الأعمال التركي في بناء ثروته من خلال مجموعة من الأنشطة، من بينها العقارات وتجارة البندق، قبل أن يتجه إلى قطاع الطاقة والعمل في مجال الوقود الحيوي.
وتولى دوغان رئاسة طرابزون سبور عام 2023، بعد فترة قصيرة من أفضل مواسم النادي في السنوات الأخيرة، عندما توج بلقب الدوري التركي موسم 2021-2022.
وتحت قيادته، أنهى الفريق، المعروف بلقب «عاصفة البحر الأسود»، مواسمه الثلاثة الأخيرة في الدوري التركي بالمراكز الثالث والسابع والثالث على الترتيب.
وفي الموسم الماضي، توج طرابزون سبور بكأس تركيا تحت قيادة المدرب فاتح تيكي، الذي يعمل حاليًا على قيادة الفريق نحو التأهل إلى الدوري الأوروبي، رغم خسارة مباراة الذهاب على أرضه أمام فيرينتسفاروش المجري بهدف دون رد في الدور التمهيدي.
صلاح جزء من مشروع طرابزون الجديد
لا ينظر دوغان إلى صفقة صلاح باعتبارها خطوة منفصلة، وإنما يضعها ضمن مشروع أكبر يهدف إلى تحويل طرابزون سبور إلى محطة جاذبة للمواهب والنجوم. وقال: «نعمل لجعل طرابزون سبور ومدينة طرابزون وجهة مفضلة للاعبين الشباب الموهوبين من جميع أنحاء العالم».
وأوضح أن النادي يريد تطوير هؤلاء اللاعبين ومنحهم الفرصة للانتقال لاحقًا إلى أندية أوروبية أكبر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وجود لاعبين أصحاب خبرة ونجوم قادرين على صناعة الفارق. وأضاف: «صلاح مثال رائع على ذلك، سواء من حيث أسلوب حياته أو احترافيته أو ابتسامته أو طاقته الإيجابية».
وخلال فترة الانتقالات الصيفية، حقق طرابزون سبور أرباحًا كبيرة من بيع لاعب خط الوسط الإيفواري كريست إيناو أولاي، البالغ 20 عامًا، إلى فيورنتينا، والمهاجم البرازيلي فيليبي أوجوستو، البالغ 22 عامًا، إلى زينيت سانت بطرسبرج، بعد موسم واحد فقط لكل منهما.
وعوض النادي رحيلهما بالتعاقد مع مجموعة من اللاعبين الشباب القادمين من ألبانيا وبلجيكا والرأس الأخضر والبرتغال، لكنه كان يبحث في الوقت ذاته عن أسماء ذات خبرة أكبر.
ورغم عودة الحارس الكاميروني أندريه أونانا لموسم ثانٍ على سبيل الإعارة من مانشستر يونايتد، فإن صفقة صلاح تبقى الأكثر تأثيرًا على النادي من الناحية الجماهيرية والتسويقية. وقال دوغان: «لا يمكن بسهولة تحديد قيمة مالية مباشرة للاهتمام ومستوى التفاعل اللذين أحدثتهما هذه الصفقة حول العالم».
تأثير فوري
وكان رئيس طرابزون سبور قد كشف أن صلاح سيحصل على راتب سنوي يبلغ 17 مليون يورو، إلى جانب 20% من عوائد مبيعات المنتجات التي تحمل اسمه. وأوضح: «من منظور مالي بحت، لا تحقق الصفقة عائدًا مباشرًا بحد ذاتها».
لكنه أشار إلى أن تأثير النجم المصري بدأ في الظهور سريعًا، بعدما رفع النادي أسعار تذاكر الموسم مجددًا، بالتزامن مع الإعلان عن التعاقد مع صلاح. وقال دوغان: «قلت للجماهير: انظروا، أنا أجلب لكم صلاح، أحد أكبر النجوم في العالم».
وكشف أن مبيعات تذاكر الموسم خلال الأيام الأربعة أو الخمسة الأولى من الإعلان عن الصفقة غطت نحو 70% من راتب صلاح السنوي.
اقرأ أيضا: قبل 6 أيام من الاغتيال… خدام قال للحريري: “غادر لبنان” فرد: “لديّ انتخابات”
وكان النادي يستهدف في البداية بيع 25 ألف تذكرة موسمية، لكنه يتوقع الآن تجاوز حاجز 30 ألف تذكرة، بالتزامن مع دخول شركات كبرى في مفاوضات للاستفادة من حالة الاهتمام الهائلة التي أحدثها وصول النجم المصري. وقال دوغان: «نجري حاليًا مناقشات مهمة في تركيا وأوروبا والعالم العربي أيضًا».
صفقة بدأت من كأس العالم
أثار فوز طرابزون سبور بسباق التعاقد مع صلاح، بعد تسعة مواسم استثنائية قضاها مع ليفربول، حالة كبيرة من الدهشة، خاصة أن التوقعات كانت تشير إلى إمكانية انتقاله إلى الدوري السعودي أو اللعب في الولايات المتحدة إلى جانب ليونيل ميسي.
لكن دوغان أكد أن المفاوضات مع صلاح سارت بسرعة كبيرة بمجرد بدء الاتصالات الرسمية. وقال: «بمجرد أن بدأنا الحديث، أبدى الطرفان رغبة صادقة للغاية في التوصل إلى اتفاق.. في الواقع، كنا نسعى لضمه منذ كأس العالم، لكننا كنا نعلم في البداية أنه يتفاوض مع أندية أخرى أيضًا».
وكان على طرابزون سبور الانتظار بسبب وجود أندية تركية أخرى دخلت في مفاوضات مع اللاعب، وفقًا لما أوضحه دوغان، الذي أكد أن النادي تحرك بعد انسحاب تلك الأندية من السباق. وقال: «بعد أن أعلنت تلك الأندية انسحابها من الصفقة، بدأنا نحن المفاوضات. أعتقد أن الأمر استغرق حوالي خمسة أو ستة أيام لإتمامها».
بدأت المفاوضات باجتماع عبر تطبيق «زوم»، وكان الهدف في البداية هو التعارف بين الطرفين. وأوضح دوغان: «كان صلاح حينها في عطلة بجزيرة ميكونوس، وبعد ذلك استؤنفت المحادثات مرة أخرى عبر زوم».
وبعد التوصل إلى اتفاق، قرر النادي استقدام صلاح إلى تركيا لإجراء الفحوصات الطبية في إسطنبول، بدلًا من طرابزون. ولم يكن اختيار إسطنبول عشوائيًا، إذ أراد النادي أن يرى صلاح بنفسه حجم الاستقبال الذي سيحظى به في تركيا، وليس في مدينة طرابزون فقط.
وعند وصوله إلى المطار، احتشد آلاف المشجعين لاستقباله، رغم أن وصوله تزامن مع منتصف يوم عمل عادي، في مشهد عكس حجم الشعبية التي يتمتع بها النجم المصري داخل تركيا.
صلاح يبدأ رحلته مع «عاصفة البحر الأسود»
سجل صلاح ظهوره الأول بقميص طرابزون سبور في إسطنبول، بعدما شارك بديلًا خلال الشوط الثاني من مواجهة قاسم باشا، التي انتهت بالتعادل 1-1 في الجولة الافتتاحية للدوري التركي.
ومن المنتظر أن يخوض النجم المصري أول مباراة له على ملعب فريقه في طرابزون، وسط ترقب جماهيري هائل.
ويختصر دوغان العلاقة بين المدينة والنادي في جملة واحدة: «المدينة بأسرها تعيش من أجل كرة القدم.. أينما ذهبت، وفي كل زاوية، تمنح المدينة ذلك اللاعب طاقة وسعادة غامرة».
وبعد نجاح طرابزون سبور في إتمام واحدة من أكبر صفقات تاريخه، يبدو أن ابتسامة رئيس النادي لن تكون مجرد لقطة عابرة من حفل تقديم محمد صلاح، بل قد تتحول إلى عنوان لمرحلة جديدة يعيشها النادي التركي بفضل النجم المصري.
اقرأ أيضا: هل تخلف بعثة أوروبية “اليونيفيل”… وهل من ضمانة لدور الجيش اللبناني؟
