iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
*نزيه الخياط
اقرأ أيضا: ديون أمريكا تتجاوز 40 تريليون دولار للمرة الأولى
لم تكن إسرائيل في تاريخها الحديث أكثر تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً مما هي عليه اليوم، لكنها في الوقت نفسه تواجه سؤالاً يتجاوز نتائج الحروب ومعادلات الردع التقليدية: هل تستطيع دولة أن توفر لمجتمعها شروط حياة آمنة ومستقرة وطبيعية إذا استمرت في التعامل مع محيطها الجغرافي والديموغرافي بمنطق القوة والعداء؟
السؤال هنا لا يتعلق ببقاء إسرائيل كدولة، ولا يفترض انهيارها أو زوالها، وإنما يتعلق بشروط الحياة داخلها ومستقبل الأجيال التي ستعيش فيها. فقد تبقى الدولة قائمة وتمتلك جيشاً متفوقاً وتكنولوجيا متقدمة وقدرات ردع هائلة، لكنها قد تجد نفسها في الوقت ذاته أمام بيئةٍ إقليمية أكثر عداءً، ومجتمع إسرائيلي أكثر ارتباطاً بالحرب واعتماداً على الحماية الخارجية، وأقل قدرة على إنتاج حياة طبيعية ومستقرة.
ومن هنا تنطلق هذه القراءة من معادلة أراها مفتاحاً لفهم الشرق الأوسط جيوسياسياً وواقعياً:
الجغرافيا تصنع السياسة، والديموغرافيا تصنع القوة والتاريخ والحاضر والمستقبل.
فإسرائيل لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي، ولا تستطيع إلغاء محيطها العربي، ولا تستطيع تجميد الزمن، ولا منع الأجيال الفلسطينية الجديدة من إعادة إنتاج قضيتها. كما أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع وحده تحويل الانتصار في الميدان إلى سلام دائم.
وهذه الحقيقة لا تنطبق على إسرائيل وحدها. فإيران، التي سعت بدورها إلى بناء مجال نفوذ واسع يمتد من أراضيها عبر العراق وسوريا إلى لبنان، اصطدمت أيضاً بالحدود التي تفرضها الجغرافيا والديموغرافيا والسيادة الوطنية وتعدد مراكز القوة.
ولذلك، فإن المقارنة بين “إسرائيل الكبرى” و”إيران الكبرى” لا تقوم على التطابق بين المشروعين، وإنما على اختبار فرضية واحدة: هل تستطيع قوة إقليمية أن تعيد تشكيل فضاء جغرافي وديموغرافي واسع وفق إرادتها إلى ما لا نهاية؟
أولًا: الجغرافيا التي تصنع السياسة
إسرائيل ليست جزيرة منفصلة عن الشرق الأوسط، فهي تقع في قلب المشرق، على ملتقى آسيا وأفريقيا والبحر المتوسط، وتتصل مباشرة بالمجالين المصري والشامي، وتتحرك في فضاء جغرافي يمتد جنوباً نحو البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، وشمالاً نحو تركيا وسوريا ولبنان.
هذه الجغرافيا تمنح إسرائيل أهمية استراتيجية، لكنها تفرض عليها حقيقة لا تستطيع التكنولوجيا تغييرها: أمنها المستدام مرتبط بعلاقتها بالمجال الجغرافي المحيط بها.
يمكن إسرائيل أن تحصّن حدودها، وأن تطور أنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة، وأن تمتلك قدرات استخبارية وهجومية متفوقة، لكنها لا تستطيع نقل نفسها من الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن أي مشروع يقوم على افتراض إمكان عزل إسرائيل نفسها عن محيطها أو إعادة تشكيله وفق إرادتها يصطدم بحقيقة الجغرافيا.
والأمر نفسه ينطبق، بصورة مختلفة، على إيران. فطهران، التي تفصلها عن المشرق مسافة تقارب 1500 كيلومتر، تستطيع امتلاك القوة والنفوذ وبناء الشبكات الحليفة، لكنها لا تستطيع تحويل العراق وسوريا ولبنان إلى امتداد جغرافي وسياسي دائم لها، لأن لهذه المجتمعات عمقها الجغرافي، ودولها، وهوياتها، وذاكرتها، وتاريخها، ومصالحها، وتوازناتها الخاصة.
وعليه، لا تستطيع قوة أن تلغي الخصائص الجغرافية للإقليم وهوياته التاريخية، أو أن تعيد تشكيل جغرافيته وديموغرافيته وفق إرادتها المنفردة، مهما بلغ تفوقها العسكري.
ثانياً: الديموغرافيا التي تصنع القوة والتاريخ والحاضر والمستقبل
إذا كانت الجغرافيا حقيقة ثابتة يصعب تغييرها، فإن الديموغرافيا تعمل ببطء، لكنها أكثر عمقاً في صناعة المستقبل.
كان المجال العربي في بداية القرن العشرين مختلفاً تماماً عن صورته السياسية الحالية؛ فقد كانت أجزاء واسعة منه ضمن الإمبراطورية العثمانية، فيما خضعت مناطق أخرى للاستعمار أو الحماية الأوروبية، ولم تكن الحدود السياسية للدول العربية المعاصرة قد اكتملت. لذلك ينبغي الحذر عند مقارنة أعداد السكان في عام 1900 والمقدرة بهامش خطأ كبير بنحو 35-37 مليون شخص أو عام 1917 تاريخ وعد بلفور والمقدرة بنحو 40-42 مليون شخص بالأرقام الحالية.
لكن الاتجاه التاريخي واضح: فقد ارتفع عدد سكان العالم العربي من نحو 91.5 مليوناً عام 1960 إلى اكثر من 515 مليوناً وفق تقديرات 2026.
واللافت أن فلسطين نفسها لم تكن سوى جزء صغير من الكتلة السكانية العربية: كان مجموع سكان فلسطين عام 1915 يقارب 678 ألفاً، منهم نحو 590 ألف عربي و87.5 ألف يهودي.
أي أن القضية الفلسطينية لم تكن قضية كتلة سكانية ضخمة قياساً بديموغرافية العالم العربي، بل قضية أرض مغتصبة وحقوق شعب مسلوبة، في موقع جغرافي واستراتيجي وتاريخي وديني بالغ الأهمية، تتقاطع فيه مقدسات الأديان التوحيدية الثلاثة.
وهذا التحول لا يعني مجرد ارتفاع عدد السكان، بل يعني أجيالاً فلسطينية جديدة، ومدناً ضخمة، وجامعات، وأكاديميين ومثقفين فلسطينيين في الشتات والمهجر، واقتصادات وطبقات وسطى ورجال أعمال، وشبكات إعلامية ورقمية، ومجتمعات أكثر اتصالاً ببعضها وبالعالم.
ومن هنا، فإن مقارنة البيئة البشرية الفلسطينية التي نشأت فيها إسرائيل عام 1948 بالبيئة التي تواجهها اليوم تكشف تغيراً بنيوياً هائلاً.
فالقوة العسكرية، إسرائيليةً كانت أم إيرانية، يمكن أن تتغير خلال سنوات، أما التحول الديموغرافي فيتراكم عبر عقود وأجيال.
ولا يعني ذلك أن كثرة السكان تتحول تلقائياً إلى قوة عسكرية، وإنما يعني أن حجم المجال البشري الذي تتحرك إسرائيل داخله تغير بصورة جذرية.
والأمر نفسه ينطبق على إيران : فهي دولة كبيرة سكانياً وجغرافياً، لكنها لا تستطيع تحويل المجال العربي أو المشرق إلى امتداد طبيعي لها. فالديموغرافيا ليست أرقاماً فقط؛ إنها مجتمعات وهوية ولغة وذاكرة تاريخيّة ومكانية وتقاليد وثقافات ومصالح وتطلعات سياسية.
ثالثاً: فلسطين التي رفض الزمن أن يلغيها
ربما كان أحد أهم الرهانات التي حكمت بعض التصورات الوهمية الاسرائيلية أن الزمن سيعمل لمصلحة النسيان، وأن انتقال الأجيال القسري سيضعف ارتباط الفلسطينيين بقضيتهم وأرضهم .
لكن الأحداث الأخيرة أظهرت شيئاً مختلفاً.
فالقضية الفلسطينية لم تختفِ بانتقالها من جيل إلى جيل، بل أعيد إنتاجها داخل الأسرة والمجتمع والذاكرة. فالذاكرة الجماعية لم تتوقف عند الجيل الذي عاش النكبة، وإنما انتقلت إلى الأجيال اللاحقة، وأصبحت جزءاً من وعيها الاجتماعي والتاريخي، حتى لدى من ولدوا في الشتات بعيداً من فلسطين.
وهذا يعني أن الرهان على تآكل القضية تلقائياً مع مرور الأجيال لم يتحقق كما افترض أصحابه. فالزمن الذي كان يفترض أن يعمل لمصلحة النسيان، عمل في المقابل على إعادة إنتاج القضية في ذاكرة أجيال لم تعش التجربة الأولى، لكنها حملت روايتها وحقوقها وتطلعاتها إلى بيئات جديدة.
فالزمن لم يقتل القضية الفلسطينية؛ بل أعاد إنتاجها. لكن القضية لم تبقَ مجرد ذاكرة موروثة؛ فقد أعادت الأجيال الجديدة امتلاك أدوات التعبير عنها وحضورها في المجال العام.
رابعاً: الجيل الفلسطيني الجديد يعيد امتلاك القضية
وهنا تكمن أهمية الأجيال الفلسطينية الرابعة والخامسة في الشتات. فهذه الأجيال لم تعش النكبة، ولم تشهد حرب 1967، ولم يتشكل وعيها السياسي بالضرورة في ظل التجربة المباشرة للصراع، لكنها حملت القضية باعتبارها جزءاً من ذاكرتها التاريخية والاجتماعية، ثم نقلتها إلى البيئات التي نشأت فيها.
غير أن أهمية هذه الأجيال الجديدة لا تكمن في مجرد استمرار الذاكرة، بل في تحويل الموروث التاريخي إلى مبادرة جديدة في المجال العام. فقد أصبحت من أهم حَمَلة الخطاب الفلسطيني ومبادري الحراك حول القضية، خارج الأطر السياسية والفصائلية التقليدية، عبر شبكات شبابية وطالبية وأهلية ومدنية أكثر استقلالاً، وبأدوات التواصل التي يفرضها العصر الرقمي.
والتحول الأهم أن هذه الأجيال لم تكتفِ بإعادة إنتاج الخطاب الفلسطيني التقليدي، بل أعادت ترجمته إلى خطاب إنساني وحقوقي يستند إلى قيم الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، وهي قيم تشكل جزءاً من المرجعيات الدستورية والثقافية للمجتمعات التي تعيش فيها. وبذلك لم تعد القضية تقدم إلى الرأي العام الغربي باعتبارها قضية قومية أو دينية تخص العرب والمسلمين وحدهم، بل باعتبارها قضية إنسانية تتعلق بحقوق الإنسان وكرامته، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.
وقد أدت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً حاسماً في هذا التحول، إذ أتاحت لهذه الأجيال تجاوز احتكار المؤسسات السياسية التقليدية لمنابر التعبير والتواصل. فأصبح بإمكان شاب فلسطيني في كندا أو الولايات المتحدة أو أوروبا أن يخاطب جمهوراً واسعاً بصورة مباشرة، وأن ينقل روايته بالصوت والصورة والشهادة الشخصية، وأن يبني شبكات تواصل مع حركات طالبية ومدنية ونقابية وسياسية تتقاطع معها في مفاهيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان.
من الخطاب الجديد إلى استعادة المبادرة
وفي كندا، كما في جامعات غربية أخرى، ظهر ذلك بوضوح في الحراك الطالبي والمدني الذي جمع الشباب الفلسطيني والعربي مع قوى وحركات كندية مختلفة حول قضايا إنسانية وحقوقية، بما جعل القضية الفلسطينية حاضرة في المجال العام خارج الأطر التقليدية للتمثيل الفلسطيني.
واللافت أن هذا الحراك سبق، في بعض ساحات الجامعات والمجتمع المدني، الأطر والفصائل الفلسطينية الرسمية في المبادرة والتنظيم، وبناء الشبكات العابرة للمؤسسات والحدود. وليس المقصود بذلك أن هذا الجيل أصبح بديلاً من التمثيل السياسي الفلسطيني، وإنما أنه استعاد المبادرة في إنتاج الحضور الشعبي والثقافي والحقوقي للقضية، وأثبت أن قدرتها على الاستمرار لا تتوقف على أداء المؤسسات السياسية وحدها.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: فالجيل الذي كان يُفترض أن يكون أُبعِد عن فلسطين زمنياً وجغرافياً، أصبح أكثر انتماءً إليها وقدرةً على إدخال قضيتها إلى المجال العام في المجتمعات التي ينتمي إليها. فهو لا يتعامل معها بوصفها ذكرى موروثة فحسب، بل بوصفها قضية حاضرة تستحق النقاش والمساءلة.
وبذلك أصبح امتلاك القضية يتخذ أشكالاً جديدة؛ فلم يعد محصوراً بالتنظيم السياسي أو الخطاب القومي أو أدوات الصراع التقليدية، بل امتد إلى الجامعة والشارع ووسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع المدني والفضاء الحقوقي والإعلامي.
لقد انتقلت المبادرة في جانب من الحضور الفلسطيني من المحافظة على الذاكرة إلى إنتاج خطابٍ جديد للقضية في المجال العام، وهو ما مهّد لانتقالها من إطارها العربي والإسلامي إلى فضاءٍ إنساني وأممي أوسع.
خامساً: من القضية العربية والإسلامية إلى القضية الأممية
أحداث غزة نقلت القضية الفلسطينية إلى مستوى يتجاوز المجال العربي والإسلامي.
فالتظاهرات التي عمّت مدناً وعواصم في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا لم تكن مجرد امتداد لحراك عربي أو إسلامي، بل شارك فيها طلاب ومجموعات مدنية ونقابية وسياسية وأكاديمية من خلفيات متعددة.
ولا ينبغي الخلط بين الحراك الشعبي والمواقف الرسمية للحكومات، لكن التحول في الرأي العام العالمي والمجتمع المدني يحمل دلالة استراتيجية مهمة: فقد استطاعت القضية الفلسطينية أن تخترق الوجدان العالمي وأن تتحول إلى قضية حقوقية وإنسانية ذات حضور أممي متزايد.
وكان المحرك الأساسي لهذا التحول، في جانب كبير منه، المظلومية الفلسطينية ذاتها وما رافق الحرب من مشاهد قتل ودمار ونزوح ومعاناة إنسانية.
وهكذا أصبحت القضية تتحرك في ثلاثة مستويات متداخلة:
الذاكرة الفلسطينية، والوجدان العربي والإسلامي، والضمير الإنساني العالمي.
وبذلك أصبح الرهان على أن الزمن سيعيد القضية إلى حدودها الإقليمية أكثر صعوبة.
سادساً: طوفان الأقصى وصدمة الوعي الوجودي
رغم النتائج البشرية والميدانية الكارثية التي ترتبت على طوفان الأقصى بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الحدث أحدث داخل المجتمع الإسرائيلي صدمة وعيٍ حول مفهوم الأمن نفسه.
لم يكن الحدث دليلاً على أن إسرائيل فقدت تفوقها العسكري، لكنه أثبت أن التفوق العسكري لا يعني الحصانة المطلقة.
فإسرائيل تستطيع امتلاك أقوى الأسلحة وأنظمة الدفاع، لكنها لا تستطيع ضمان عدم تمكن مجموعة مسلحة من اختراق منظومتها الأمنية في لحظة ما.
وهذا يعيد طرح سؤال يتوارى خلف جدار التفوق الإسرائيلي:
هل تستطيع القوة وحدها أن تمنح مجتمعاً صغيراً حياة طبيعية في بيئة إقليمية مضطربة؟
كما كشفت المواجهات اللاحقة مدى أهمية الدعم الأميركي بالنسبة إلى إسرائيل في أوقات الأزمات الكبرى. وليس المقصود التقليل من القدرات الإسرائيلية، وإنما إدراك أن التحالف مع الولايات المتحدة أصبح جزءاً أساسياً من معادلة ضمان الأمن الإسرائيلي.
وهنا تبدأ وظيفة إسرائيل الإقليمية نفسها بالتغير.
سابعاً: من إسرائيل التي ترسم القواعد إلى إسرائيل التي تضيق مساحة قرارها
مدى عقود، لم تكن إسرائيل مجرد متلقٍ للاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط، بل تمكنت بفعل تفوقها العسكري والاستخباري والتكنولوجي من التأثير في قواعد اللعبة الإقليمية، والتأثير في اتجاهات السياسة الغربية في مراحل مختلفة، بما جعل حلفاءها يتعاملون مع الوقائع التي تفرضها.
لكن المعادلة بدأت تتغير. فكلما اتسعت دائرة الحرب، ازدادت الحاجة إلى المظلة الأميركية. وهنا تظهر مفارقة مهمة:
القوة التي كان يفترض أن تمنح إسرائيل استقلالاً استراتيجياً أكبر يمكن أن تؤدي، إذا أسيء استخدامها، إلى زيادة اعتمادها على الولايات المتحدة.
لا يعني ذلك أن إسرائيل فقدت استقلالها أو أصبحت تابعة لواشنطن، وإنما أن هامش القرار الإسرائيلي المنفرد أخذ يضيق، وسيواصل تضاؤله، كلما ازدادت قراراتها ارتباطاً بمصالح أميركية أوسع في الإقليم.
فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية أمن إسرائيل وحده، وإنما من زاوية الطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية والمنافسة مع الصين وعلاقاتها مع السعودية ودول الخليج ومصر وسوريا والعراق و الأردن وتركيا وسائر القوى المؤثرة.
ومن ثم لا تستطيع إسرائيل أن تتصرف كأنها صاحبة القرار المنفرد في هذه المنطقة.
ثامناً: الولايات المتحدة وإعادة توزيع أعباء الأمن
منذ الولاية الأولى لدونالد ترامب، ظهر توجه أميركي نحو تحميل الحلفاء والشركاء الإقليميين قسطاً أكبر من مسؤولية أمنهم، كما ظهر في مشروع Middle East Strategic Alliance (MESA) المعروف إعلامياً بـ”الناتو العربي”.
هذه الفكرة تكشف اتجاهاً استراتيجياً أوسع: واشنطن تريد الحفاظ على نفوذها، لكنها لا تريد بالضرورة أن تبقى اللاعب الميداني المباشر في كل أزمة.
فالشرق الأوسط بالنسبة إلى الولايات المتحدة جزء من منافسة عالمية أوسع، وليس ملفاً منفصلاً عن التنافس الجيو-ستراتيجي مع الصين وأمن الطاقة والتجارة الدولية والممرات الاستراتيجية.
ولهذا فإن الدول العربية المقتدرة، ولا سيما منها دول الخليج، إلى جانب مصر وسوريا وتركيا كما باكستان، أصبحت ذات أهمية استراتيجية لا تستطيع واشنطن تجاهلها.
ومن هنا فإن إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جانب إسرائيل بصورة منفردة لا يمكن أن تكون محايدة بالنسبة إلى المصالح الأميركية.
تاسعاً: اتفاق مكة واستعادة الإقليم قدرته على إنتاج أمنه
في هذا السياق تأتي أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.
لكن أهميته لا تكمن في وصفه بأنه “تحالف سني”، إذ لم تقدمه الدول الموقعة على هذا الأساس، وإنما في كونه مؤشراً على أن القوى الإقليمية بدأت تستعيد قدرتها على إنتاج ترتيباتٍ أمنية ردعية من داخل المنطقة.
فالسعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً، وتركيا قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية، وباكستان تضيف وزناً سكانياً وعسكرياً ونووياً استراتيجياً مختلفاً.
وعندما تلتقي هذه الأوزان في إطار دفاعي مشترك، مع انفتاح الاتفاق على انضمام دولٍ إقليمية أخرى وترحيب أميركي، فإن ذلك لا يعني قيام نظام إقليمي جديد مكتمل، لكنه يعني أن الإقليم لم يعد ينتظر بالضرورة قوة خارجية واحدة كي تحدد له شكل أمنه وأدواته الردعية.
وهذا التطور لا ينبغي تفسيره بوصفه موجهاً ضد إسرائيل أو إيران، بل باعتباره دليلاً على انتقال الشرق الأوسط نحو تعدد مراكز القوة وإنتاج التوازن من داخله.
عاشراً: “إسرائيل الكبرى” و”إيران الكبرى” أمام حدود الإقليم
هنا تبرز إحدى أهم فرضيات المقال.
من المستحيل على إسرائيل أن تعيش طويلاً بوهم السيطرة المطلقة على المجال العربي من المشرق إلى المغرب. ولا يعني ذلك افتراض سعيها إلى احتلال هذا المجال كله، وإنما رفض الاعتقاد أن التفوق الإسرائيلي يسمح بإعادة هندسة المنطقة وفق الإرادة الإسرائيلية وحدها.
إسرائيل تستطيع التأثير والردع وبناء التحالفات وتحقيق التفوق العسكري، لكنها لا تستطيع التحكم بمسار المنطقة كلها.
والقاعدة نفسها تنطبق على إيران.
لقد تمكنت طهران خلال عقود من بناء مجال نفوذ واسع في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مستفيدةً من موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية وشبكات القوى الحليفة لها. لكن النفوذ ليس سيادة، والشبكة المسلحة ليست دولة، والارتباط السياسي لا يعني إلغاء الهوية الوطنية.
اقرأ أيضا: أكسيوس: الجيش الأمريكي ينشئ ممرا بحريا سريا عبر مضيق هرمز
فالعراق ليس إيران، وسوريا ليست إيران، ولبنان ليس إيران، واليمن ليس إيران.
وهكذا اصطدم مشروع “إيران الكبرى”، بمعنى بناء مجال نفوذ إيراني ممتد، بحدود الجغرافيا والسيادة والديموغرافيا وتعدد مراكز القوة.
والأمر نفسه ينطبق على مشروع “إسرائيل الكبرى”.
اختلف المشروعان الإسرائيلي والإيراني في الأيديولوجيا والأهداف والأدوات، لكنهما اصطدما بحدّ بنيوي واحد: لا تستطيع قوة إقليمية تحويل مجال جغرافي وديموغرافي واسع إلى امتداد دائم لإرادتها، لأن الجغرافيا لا تُختزل بالقوة، والديموغرافيا ليست مجرد أرقام، والتاريخ لا يمكن إعادة تشكيله بإرادة طرف واحد.
حادي عشر: القوة التي لا تنتج سلاماً تتحول إلى عبء
هنا يصل المقال إلى جوهر المأزق الإسرائيلي.
لا توجد مشكلة في أن تمتلك إسرائيل القوة. المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة من أداة لحماية الدولة إلى بديل من السياسة.
فالانتصار العسكري يمكن أن يوقف هجوماً، لكنه لا يستطيع وحده إنهاء قضية سياسية. ويمكن تدمير بنية عسكرية، لكن لا يمكن تدمير ذاكرة جماعية. ويمكن إضعاف تنظيم، لكن لا يمكن القضاء على فكرة تتوارثها أجيال.
ومن هنا تتشكل الحلقة:
القوة تؤدي إلى حرب، والحرب تعيد إنتاج المظلومية، والمظلومية تعيد إنتاج القضية، والقضية تنتقل إلى جيل جديد، والجيل الجديد يعيد تقديمها بلغة عالمية، فتتسع دائرة التعاطف معها ويزداد الضغط السياسي والأخلاقي على إسرائيل.
وهكذا يمكن الأداة التي يفترض أن تحمي إسرائيل أن تنتج جزءاً من البيئة التي تجعل أمنها أكثر صعوبة.
وهنا تحديداً يصبح “نحر الذات” مفهوماً تحليلياً، لا مجرد استعارة بلاغية.
الثاني عشر: ماذا حقق اليمين الإسرائيلي بعد عقود من القوة والقمع؟
إن تفكيك المنظومة الفكرية التي تحكم اليمين الإسرائيلي لا يحتاج إلى مخاطبة مباشرة لما تسمى الأكثرية الصامتة داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا إلى التعامل مع الإسرائيليين باعتبارهم كتلة سياسية واحدة.
الأجدى هو وضع النتائج أمام القارئ وطرح أسئلة يصعب تجاوزها:
ماذا حقق اليمين الإسرائيلي، بعد عقود من الاعتماد المتزايد على القوة والقمع، سوى مزيد من الحروب والضحايا والدمار، من دون أن يتمكن من إنتاج سلام مستدام؟
وهل استطاعت القوة أن تمنح الإسرائيليين شعوراً دائماً بالأمن، أم جعلت الأمن أكثر ارتباطاً بالتعبئة العسكرية والحماية الخارجية؟
وهل أدى التشدد في التعامل مع الفلسطينيين إلى إضعاف القضية الفلسطينية، أم ساهم في إعادة إنتاجها لدى أجيال جديدة ونقلها من المجال العربي والإسلامي إلى المجال العالمي؟
وهل أدى السعي إلى فرض الوقائع بالقوة إلى تعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية، أم دفع القوى المحيطة بها إلى إعادة تنظيم قدراتها وتحالفاتها؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد المجتمع الإسرائيلي، وإنما أسئلة حول صلاحية العقيدة التي تفترض أن القوة وحدها تستطيع صناعة الأمن والسلام.
فإذا كانت القوة قد حققت الأمن، فلماذا لم يتحول كل هذا التفوق إلى سلام؟
الثالث عشر: السلام ليس تنازلاً بل شرط للحياة
إذا كان الهدف هو الحفاظ على حياة الإسرائيلي في دولته، فإن السؤال يجب أن ينتقل من كيفية تحقيق التفوق إلى كيفية إنتاج بيئة تسمح بالحياة.
فالدولة لا تقاس فقط بعدد الصواريخ التي تستطيع اعتراضها، ولا بعدد الطائرات التي تستطيع تشغيلها، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير مجتمع يستطيع أن يعيش ويعمل ويستثمر ويبني الأسر ويستبقي شبابه وكفاءاته، ويشعر بأن المستقبل مشروع حياة لا مشروع حرب.
ومن هنا فإن السلام مع الفلسطينيين ليس خدمة تقدمها إسرائيل للفلسطينيين، بل يمكن أن يكون استثماراً إسرائيلياً في شروط الحياة داخل إسرائيل نفسها.
وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، ضمن تسوية سياسية وضمانات أمنية إقليمية ودولية، يمكن أن يحول العلاقة بين إسرائيل ومحيطها من علاقة صراع دائم إلى علاقة مصالح متبادلة.
فالجغرافيا التي صنعت الصراع يمكن أن تصبح أساساً للتعاون، والديموغرافيا التي تثير القلق يمكن أن تتحول إلى سوق ومجال اقتصادي، والذاكرة التي تنتج العداء يمكن أن تبدأ، عبر الأجيال، في إنتاج المصالحة.
لكن ذلك يتطلب الاعتراف بأن القوة لا تستطيع فرض السلام الإسرائيلي على الفلسطينيين، بل تستطيع فقط أن تفتح الطريق أمام سلام متبادل أو تغلقه.
الاستنتاج: نحر الذات أم إعادة اكتشاف شروط الحياة؟
تقف إسرائيل أمام خيارٍ استراتيجي لا يتعلق بقدرتها على خوض حرب جديدة، وإنما بقدرتها على إنتاج مستقبل مختلف. وهي في ذلك لا تمثل حالة منفردة؛ فالدول التي تجعل الأيديولوجيا والقوة بديلاً من السياسة قد تجد نفسها، مع مرور الزمن، أمام مفارقة أن تتحول أدوات حماية المشروع إلى عوامل تهدد ديمومة استمراره.
يمكن إسرائيل أن تواصل الاعتماد على القوة، وأن تؤجل التسوية السياسية، وأن تتعامل مع محيطها العربي باعتباره مشكلة أمنية دائمة. وبالمثل، تستطيع إيران أن تواصل الرهان على القوة والنفوذ، وأن تتعامل مع المشرق باعتباره مجالاً مفتوحاً لتمدد مشروعها الأيديولوجي.
لكن كلا المسارين يقودان إلى مفارقة خطيرة: كلما ازدادت حاجة الدولة إلى القوة لحماية استمرار مشروعها، أصبحت ديمومته أكثر ارتباطاً باستمرار القوة.
وهنا يتحول الأمن من حالة طبيعية إلى حالة تعبئة دائمة، والاستقرار إلى هدنة بين حربين، والمستقبل إلى انتظار للمواجهة مع الأجيال القادمة .
وهذا هو معنى “نحر الذات”؛ ليس بوصفه سمة إسرائيلية حصراً، وإنما بوصفه نتيجة محتملة لتحول الأيديولوجيا إلى قاعدة لمشروع دائم لإعادة تجديد الصراع وتشكيل الإقليم بالقوة.
ليس المقصود أن إسرائيل ستنهار غداً، ولا أن زوالها حتمي، وإنما أن السياسة التي يفترض أن تحميها يمكن أن تصبح، إذا استمرت من دون مراجعة، عاملاً في تقويض شروط الحياة الآمنة داخلها. والأمر نفسه ينطبق، وإن اختلفت الأدوات والأيديولوجيات، على المشروع الإيراني.
فلا إسرائيل تستطيع أن تبتلع محيطها العربي، ولا ايران تستطيع أن تبتلع المشرق العربي.
فالجغرافيا أكبر من المشروع، والديموغرافيا أبقى من القوة، والزمن أقدر على إعادة إنتاج التاريخ والحفاظ على أثره من أي انتصار عسكري موقت.
ولعل التحولات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمها إعادة بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، تقدم بيّنة على أن المنطقة نفسها بدأت تستعيد قدرتها على إنتاج توازناتها.
وهنا تتقاطع التجربتان الإسرائيلية والإيرانية، رغم اختلاف الأيديولوجيا والأهداف والأدوات: كلاهما اكتشف عجز القوة وحدود تحويلها إلى قدرة دائمة على إعادة هندسة الإقليم.
فالمشكلة ليست في أن تكون إسرائيل قوية، ولا في أن تكون إيران قوية؛ وإنما في الاعتقاد أن القوة تستطيع أن تحل محل السياسة، وأن النفوذ يستطيع أن يحل محل قبول المجتمعات، وأن التفوق يستطيع أن يلغي الجغرافيا والديموغرافيا والزمن.
ومن هنا فإن السلام مع الفلسطينيين والمصالحة مع المحيط العربي لا ينبغي أن يُنظر إليهما باعتبارهما تنازلاً إسرائيلياً، بل باعتبارهما شرطاً من شروط الحياة التي يحتاجها الإسرائيلي داخل دولته.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال آخر ليس هل تستطيع إسرائيل أن تنتصر في الحرب المقبلة؟
وإنما: هل تستطيع إسرائيل أن تبني حياة آمنة ومستقرة لأجيالها، وهي ترفض المصالحة والمصارحة السياسية والأمنية مع وقائع الجغرافيا والديموغرافيا المحيطة بها وحقائقها، وتتعامل مع بعدها الوجودي بمنطق القوة وحدها؟
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
اقرأ أيضا: متلازمة أبوظبي!
