أميركا تخرج والفصائل تبقى.. إيران تتحرك: من يملأ الفراغ بعد 30 أيلول؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 بغداد/ تميم الحسن

بعد 34 يوماً، ستسلم أميركا العراق للفصائل، بعدما تكون قد انسحبت منه بشكل كامل، وفق ما تعلنه واشنطن وبغداد. لكن رغم ذلك، الفصائل المسلحة، التي ستبقى في العراق إلى إشعار آخر، لا تبدو مقتنعة بأن الولايات المتحدة ستغادر بهذه السهولة. الجماعات المسلحة تتحدث عن رواية أخرى، يجري إعدادها في السر، وقد يبدأ تنفيذها مع وصول الرئيس الجديد للبعثة الأميركية إلى بغداد.

اقرأ أيضا: تصريح استثنائي من مورينيو بعد الفوز أمام ريال سوسيداد

وفي كردستان، أُعلن أمس انتهاء المهام العسكرية للقوات الألمانية ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”، الذي تقوده الولايات المتحدة.
وفي مطلع آب الحالي، بدأت القوات الأميركية الموجودة في قاعدة تجميع في أربيل الانسحاب تدريجياً، بحسب تقارير غربية. ويفترض، وفق الخطة المعلنة، أن تكون هذه القوات خارج العراق في 30 أيلول، في ثالث انسحاب أميركي معلن من البلاد منذ عام 2003. لكن خلف هذا المشهد، تبدو الأسئلة أكبر من موعد الانسحاب.

الفصائل تشكك: أعذار للبقاء
سياسي شيعي قريب من الفصائل قال لـ”المدى” إن الانسحاب الأميركي لا يزال موضع شك، مرجحاً أن تظهر “أعذار للبقاء”. السياسي، الذي طلب عدم نشر اسمه، تحدث عن احتمال استمرار جهود عسكرية أو تدريبية أميركية بعد الانسحاب. وقال: “هذا إعادة لإنتاج وجود القوات الأميركية، وفصائل المقاومة كانت واضحة في ذلك بأنها لن توافق على أي مستوى تواجد”. ويحذر السياسي من وجود ما وصفها بـ”ترتيبات سرية” قد تديرها واشنطن مع البعثة الجديدة في بغداد، التي يفترض أن يرأسها ستيفن فاغن، القائم الجديد بأعمال الولايات المتحدة في العاصمة العراقية. وتأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه واشنطن أخيراً بإعادة ترتيب بعثاتها الدبلوماسية في المنطقة، ومن ضمنها العراق. وفي المقابل، حصلت الفصائل على ما يشبه “اتفاقاً غير مكتوب” يسمح لها بالبقاء إلى أجل غير مسمى. وهكذا أُسقطت عملياً فكرة “ساعة الصفر” التي كانت تفترض إخلاء البلاد من الجماعات المسلحة والقوات الأميركية في توقيت واحد بنهاية أيلول المقبل. لكن هذا الترتيب الجديد لم يأت من فراغ. فالضغوط الإيرانية الشديدة التي تواصلت خلال الأسبوعين الأخيرين، ووصلت إلى حد حضور وفود من طهران جلسات “الإطار التنسيقي”، دفعت باتجاه هذه الصيغة.

“آخر جندي أميركي سيغادر العراق”
لكن نائباً سابقاً يقرأ المشهد من زاوية مختلفة تماماً. ويقول مثال الألوسي: “هل ستبقى أمريكا رغم عدم تسليم الميليشيات السلاح؟ أنا أعتقد، ومعلوماتي تتحدث عن أن التحرك الأمريكي العسكري، أي التحرك الأمريكي على الأرض في العراق، سيصل إلى تصفير هذا الوجود. يعني فعلاً سيكون هناك انسحاب لآخر خبير ومستشار وجندي أمريكي أو عسكري أمريكي في الأرض العراقية”. ويرى الألوسي أن مؤشرات الانسحاب لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تظهر أيضاً في شكل الحضور الدبلوماسي الأميركي في العراق. ويقول الألوسي في حديث مطول لـ(المدى): “هذا أيضاً واضح عندما ننظر إلى الدبلوماسية الأمريكية في العراق، سلمت أمريكا العراق دبلوماسياً إلى موظفين من الدرجة الثالثة والرابعة في الخارجية الأمريكية، وهؤلاء هم الموجودون الآن في السفارة الأمريكية في العراق. وسلمت أمريكا العراق إلى السفير الأمريكي الذي لديه علاقات حميمة مع تركيا وكمبعوث رئاسي إلى سوريا وإلى العراق، إضافة إلى موقعه في أنقرة. بمعنى آخر، العراق في الأساس لدى حكومة أو إدارة الرئيس ترامب لا يحظى بموقع متقدم أو أي اهتمام فعلي، لا على المستوى الدبلوماسي ولا على المستوى الرئاسي ولا على المستوى العسكري”. لكن الانسحاب، في قراءة الألوسي، لا يعني أن العراق خرج من الحسابات الأميركية بشكل نهائي.

واشنطن تغادر عسكرياً.. وتبقى في الحسابات
ويقول: “على المستوى السياسي، حققت إدارة ترامب، وهذا هدف كبير بالنسبة لها وتكتفي بهذا، حققت هدف عدم وصول بعض الشخصيات السياسية العراقية من قيادات الأحزاب الشيعية إلى السلطة ومنعت وصولهم إلى السلطة، وهذا نصر بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية تستطيع أن تبني عليه في المستقبل”. ثم يذهب أبعد في توصيف العلاقة بين البلدين: “أمريكا أساساً غير موجودة في العراق، العراق موجود داخل أمريكا، العراق موجود داخل الحسابات الأمريكية، وأمريكا تتعامل من خلال هذا مع مصالحها ومفاهيمها. الميزانية العراقية هي دولارات أمريكية وتأتي من أمريكا، التسليح هو أمريكي ويأتي من أمريكا إذا وافقت أمريكا على التسليح، النفط العراقي ينتج ويصدر ويُحمى تحت الراية الأمريكية”. ومن هنا، يعتقد الألوسي أن الانسحاب العسكري قد يفتح باباً لصراع آخر. “تنسحب أمريكا من مواجهة الميليشيات؟ نعم، وتترك الساحة العراقية إلى صراع إيراني بدل توافق إيراني – تركي، سيتحول إلى صراع إيراني – تركي، سني – شيعي، ونحن نلاحظ في هذه الأيام أصواتاً نشاز طائفية تدفع إلى تصعيد هذا الصراع الطائفي”.

اقرأ أيضا: فيديو: البرنابيو يهتز احتفاء بكوكوريلا.. ولفتة مميزة تجاه أويارزابال

“العراق مطوق من الجوار”
في هذه الصورة، يرى الألوسي أن العراق يجد نفسه محاصراً من جهاته المختلفة.
“العراق يُطوّق الآن سياسياً، عسكرياً، واستراتيجياً من تركيا، من الأردن، من السعودية التي شاركت في القصف الأخير، من الكويت التي لديها مشاكل كثيرة ولدينا مشاكل كثيرة معها”. ويحذر من أن غياب الوجود الأميركي المباشر، الذي استمر نحو عقدين، قد يزيل حاجزاً كان يمنع أطرافاً عدة من استخدام الساحة العراقية لتصفية حساباتها.
ويقول: “أنا أعتقد التواجد الأمريكي الذي استمر لـ20 عاماً في العراق كان يمنع أن تقوم أمريكا بتوجيه ضربات قاسية إلى أعدائها التقليديين في العراق، وكان يمنع إسرائيل أن تقوم بقصف واستهداف أعدائها التقليديين في العراق، وكذلك يمنع السعودية ويمنع غيرها”.
ويضيف: “انسحاب القوات الأمريكية علنياً ورسمياً، هذا يعني أمريكا تفتح الساحة العراقية إلى أخطر أنواع الصراعات الطائفية والأمنية والتصادم العسكري، وهذا أمر خطر”.

طهران تتحرك لملء الفراغ
في المقابل، يعتقد الألوسي أن إيران تتحرك منذ بدء الحديث عن الانسحاب الأميركي، ليس فقط لحماية حلفائها، بل لإعادة ترتيب البيت الداخلي للفصائل. ويقول: “إيران في الفترة الأخيرة بعد الحديث عن انسحاب أمريكا، تقوم يومياً بزج كل قياداتها الإيرانية على العراق، في محاولة لتثبيت حقيقة أنه أمريكا غير موجودة نحن موجودون، وفي محاولة للملمة المختلفين والمتصارعين والمتنافسين على المراكز وعلى المال من حلفائها في العراق”. ويقرأ ذلك على أنه محاولة إيرانية لتغطية الانسحاب الأميركي: “أي إيران تقول أمام الانسحاب الأمريكي ستقوم بتغطية هذا الانسحاب الأمريكي”. لكن المشهد، بحسب الألوسي، قد يكون جزءاً من لعبة تفاوض أكبر بين واشنطن وطهران. ويقول: “هناك من يتحدث في واشنطن عن أن هذه المحاولات الإيرانية وهذه المحاولات الأمريكية هي جزء من أوراق التفاوض الإيراني – الأمريكي”. غير أن هناك، وفق قوله، من يرى في واشنطن أن سقف التنازلات الإيرانية لن يكون كافياً لوقف ما يصفه بالغضب والتخطيط الأميركي والإسرائيلي ضد طهران. ويضيف: “لكن أيضاً هناك في أمريكا من يقول مهما قدمت إيران في العراق لأمريكا ومهما قدمت إيران لأمريكا في المنطقة لن تصل إلى ما يطمئن النظام الإيراني من الغضب والتخطيط الأمريكي أو الإسرائيلي، بمعنى آخر: هناك من يقول الهدف الآن الفعلي الأمريكي هو استهداف النظام الإيراني”.

النفط.. موطئ قدم آخر
وإذا كانت واشنطن تستعد، عسكرياً، لمغادرة العراق، فإن الألوسي يرى أن هناك وجوداً أميركياً آخر يتشكل عبر الاقتصاد والنفط.
ويشير إلى الاتفاقات التي وقعتها الحكومة العراقية مع شركات النفط الأميركية خلال زيارة رئيس الحكومة إلى واشنطن، قائلاً: “ليكن أيضاً بعلمنا جميعاً الاتفاقات التي وقعتها الحكومة مع شركات النفط الأمريكية أخيراً في زيارة رئيس الحكومة إلى واشنطن، بعدها جرى ما يلي: قامت هذه الشركات بإرسال ممثليها وخبرائها إلى المناطق وقاموا بتعليم هذه المناطق، أي وضعوا موطئ قدم أمريكي نفطي استراتيجي اقتصادي بمعنى الكلمة، وضعوا موطئ قدم في هذه الآبار وفي هذه المناطق النفطية، بمعنى آخر إنها أمريكية، موطئ قدم يعني رفعت الراية الأمريكية هناك”. ثم يخلص إلى أن الانسحاب من المواقع العسكرية لا يعني بالضرورة التخلي عن المصالح الأميركية.
انسحاب أم تموضع؟
ولا يرى الألوسي في الاتفاقات العراقية – الأميركية ما يمنع واشنطن من العودة إلى العراق إذا تغيرت حساباتها. ويقول: “مع التذكير أن الاتفاقيات العراقية – الأمريكية تبيح وتسمح للولايات المتحدة الأمريكية، حكومة ترامب أو غير حكومة ترامب، بالعودة إلى مواقعها في العراق متى ما تعتقد أن العراق كدولة في حسابات أمريكا بحاجة إلى هذا أو متى ما تعتقد أن أمريكا واستراتيجياتها والمصالح العراقية – الأمريكية بحاجة إلى هذا”. ثم يضع خلاصة موقفه: “فلا انسحاب فعلي أمريكي من العراق وإنما تموضع جديد وحسابات جديدة، لكنها لن تؤثر على أهمية العراق في الحسابات الأمريكية الاستراتيجية القريبة والبعيدة المدى”.
وكان علي الزيدي قد أعلن في حزيران الماضي أن العلاقة مع الولايات المتحدة “ستتحول من عسكرية إلى شراكة اقتصادية”.
ويعد الخروج الأميركي المرتقب من العراق الثالث من نوعه، بعد الانسحاب الأول في نهاية عام 2011، قبل أن تطالب بغداد بعودتهم في 2014 على إثر تمدد تنظيم “داعش”، ثم الانسحاب الثاني في نهاية عام 2021، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي.
“الانسحاب يحمي واشنطن من كلفة البقاء”
في المقابل، يقترب القيادي السني أثيل النجيفي من فكرة الانسحاب الأميركي، ولكن من زاوية مختلفة. ويقول لـ(المدى): “أعتقد أن القوات الأمريكية تفضل الانسحاب من العراق، لأن وضع هذه القوات بهذا الحجم القليل وبمهام ليست قتالية هي قوة واهنة يمكن أن تتعرض لضربات وخسائر، وبالتالي سيكون مردود ذلك كبيراً داخل الولايات المتحدة”.
ويرى النجيفي أن واشنطن تستطيع الاحتفاظ بأدوات تأثيرها من دون إبقاء قوات كبيرة على الأرض.
ويضيف: “من جانب آخر، فإن قدرة الولايات المتحدة على التأثير على العراق ليست في الجانب العسكري، بل في الجانب الاقتصادي والسياسي. بل إن الانسحاب العسكري الأمريكي سيحرر الإدارة الأمريكية من أية مخاوف عند قيامها بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية”.

The post أميركا تخرج والفصائل تبقى.. إيران تتحرك: من يملأ الفراغ بعد 30 أيلول؟ appeared first on جريدة المدى.

اقرأ أيضا: تحرك نيابي لحسم تثبيت العقود والمخصصات في موازنة 2027

‫0 تعليق

اترك تعليقاً