“أصوات عربية” بشراكة أوروبية… جدل ترجمة الأدب العربي بين إحباط وأمل

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يتجدّد الجدل بشأن حركة ترجمة الأدب العربي بين الحين والآخر، خصوصاً كلّما ظهرت في الأفق مبادرة جديدة في هذا الصدد. وتُعدّ مبادرة “أصوات عربية”، التي أطلقت قبل أيام دورتها الثانية، من أحدث هذه المبادرات، إذ تتيح منصة إلكترونية لترشيح روايات لكتّاب من مختلف الدول العربية للترجمة، بالتعاون بين “دار العربي” للنشر في القاهرة وشبكة المعاهد الثقافية التابعة للاتحاد الأوروبي (EUNIC).

اقرأ أيضا: تأسيس بيئة قضائية رقمية متكاملة، 20 معلومة عن مدينة العدالة بالعاصمة الجديدة

ويتمحور هذا الجدل عادةً حول ما إذا كانت هذه “الترجمة العكسية” تؤدي دوراً يُعتدّ به في التعريف بالأدب العربي عالمياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأجيال التي جاءت بعد نجيب محفوظ، الذي أدّت الترجمة دوراً أساسياً في فوزه بجائزة نوبل عام 1988. ولعلّ فوز الترجمة الإنكليزية لرواية “سيدات القمر” للعُمانية جوخة الحارثي، التي أنجزتها الأميركية مارلين بوث، بجائزة مان بوكر الدولية عام 2019، يدعم وجهة النظر التي تؤكد ضرورة بذل مزيد من الجهد لترجمة الأدب العربي، كي يحظى بما يستحقه من مكانة في لوائح “الأدب العالمي”. ومع ذلك، لا يزال البعض يرى أن غالبية ما يُترجم من الأدب العربي المعاصر لا يحظى بانتشار كافٍ خارج دوائر أكاديمية واستشراقية ضيقة.

وتكشف تجارب الكتّاب والمترجمين أن التحدي لم يعد مقتصراً على إنجاز الترجمة، بل يشمل اختيار الناشر المناسب، وجودة النص المترجم، والتوزيع، والوصول إلى الدوائر النقدية والإعلامية والقرّاء. وبين مبادرات عربية وأوروبية متنامية وتجارب فردية حققت حضوراً لافتاً، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة هذه الجهود على تحويل الأدب العربي المترجم إلى جزء فاعل من المشهد الأدبي العالمي.

الحالة الفلسطينية

تقول الكاتبة والشاعرة الفلسطينية المقيمة في كندا باسمة التكروري لـ”النهار”: “في ظل أحداث صعبة، مثل الحرب على غزة، تُترجم أعمال أدبية خارجة من تحت رحى الموت، بهدف نقل ما يمكن إنقاذه وتوثيقه وحفظه من خلال الأدب. وهذا لا يقتصر على الحالة الفلسطينية، فقد حدث ذلك خلال الحرب العالمية الثانية مثلاً”.

وتضيف: “أعتقد أنه نعم، قد يرتبط اختيار بعض الأعمال الفلسطينية للترجمة باهتمام الناشرين أو القرّاء بالقضية الفلسطينية، ولا سيما في الوقت الراهن، حين تصبح الترجمة وسيلة لنقل الشهادة وحفظ الذاكرة ومقاومة المحو. لكن اختزال ترجمة الأدب الفلسطيني في هذا الدافع وحده يظلم الأدب والكتّاب معاً؛ فالانتماء إلى القضية الفلسطينية، في وقت ينحاز العالم رويداً رويداً إلى عدالتها بصورة أكبر، لا يعفي النص من شروطه الفنية، كما أن القيمة الأدبية لا تنفصل بالضرورة عن القيمة التاريخية والإنسانية”.

وعن تجربتها الشخصية، تقول صاحبة رواية “عبور شائك”: “تُرجم كتابي “يوميات تحت الاحتلال” إلى الفرنسية عام 2004، عبر دار نشر مؤيدة للقضية الفلسطينية. أما قصائدي، التي تُرجمت إلى السويدية والكورية والإنكليزية، فكان ذلك لقيمتها الأدبية ولمشاركتي في مهرجانات أدبية عالمية. وبالنسبة إلى روايتي الأخيرة “الإمام”، فقد ترجمتها بنفسي إلى الإنكليزية، لإيماني بأهميتها بوصفها عملاً أدبياً، ولتناولها مرحلة تاريخية لم تُنقل كما ينبغي بصوتنا نحن”.

وتضيف: “تتحدث رواياتي السابقة عن الواقع الفلسطيني بصورة أكثر مباشرة وحساسية، وربما أكثر كشفاً، لكنني آثرت ترجمة “الإمام”؛ لأنني أعتقد أنها، من الناحية الأدبية، الأنضج روائياً”.

واختتمت بالقول: “حين تُترجم أعمالي، لا تكون نيتي أو رغبتي أن تعبر إلى اللغات الأخرى بجواز سفر فلسطيني، أو أن تكون تلك هي قيمتها الوحيدة؛ فهي لن تصمد، بعد مرحلة النشر، في اختبارها الحقيقي، إن لم تكن أعمالاً ذات قيمة أدبية راسخة أمام القارئ. أريدها أن تصل وتُقرأ، فتحمل فلسطين معها من دون أن تُختزل فيها. فالترجمة، كما أراها، تمنح النص حياة أخرى، تحتفظ بشيء من لغته الأولى من دون أن تتخلص منها تماماً، وتمنحه شيئاً جديداً من اللغة التي انتقل إليها، لم يكن يعرفه عن نفسه. إنها أكثر من عملية إعادة كتابة؛ إنها حياة أخرى لنص أدبي يتولّد بعد النص الأصلي وبعد كاتبه”.

دور أوروبا

يرى الكاتب السوري الكردي المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي أن الترجمة إلى لغات بلدان الاتحاد الأوروبي تحتل مكانة مهمة، مشيراً إلى إطلاق مشروع “Creative Europe” في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بهدف دعم مشاريع تداول الأعمال الأدبية المترجمة في البلدان الأوروبية، بميزانية تبلغ خمسة ملايين يورو، وبمعدّل يقارب 40 عملاً سنوياً.

ويضيف أنه، بحسب إحصاءات المفوضية الأوروبية، تشهد أوروبا سنوياً ترجمة نحو 500 عنوان أدبي جديد من نحو 40 لغة. وقياساً إلى ذلك، تستمد مبادرة “دار العربي” القاهرية أهميتها الثقافية من عرض الأعمال الأدبية العربية، بهدف الإفادة من مشاريع كهذه. ومن الطبيعي أن تتوزع الفوائد المعنوية والمادية على المؤلف والمترجم والناشر الأصلي والناشر الأوروبي، من جهة، وأن تنتعش سوق الترجمة الأوروبية بتجارب مختلفة على صعيد البيئات والأفكار والأساليب والمعالجات الأدبية، من جهة أخرى.

وعموماً، لاحظ أوسي تزايد مشاريع الترجمة ومبادراتها في العالم العربي، ولا سيما في دول الخليج، “من دون أن نغفل الدور الريادي والمهم الذي كان يؤديه المركز القومي للترجمة في مصر”. ورأى صاحب رواية “منازل البلجيكي” أن ذلك يدل على ضرورة الترجمة وأهميتها القصوى.

ودعا، في هذا السياق، إلى فصل ترجمة الأعمال الأدبية، الروائية والقصصية والشعرية، عن خرافات العالمية وأوهامها وترّهاتها، التي ربما يتبجّح بها البعض إذا تُرجم لهم عمل أو عملان أو ثلاثة إلى لغات أخرى؛ “ذلك لأن الحضور العالمي لا يقتصر على ترجمة العمل فحسب، بل يتعداها إلى قياس مستويات التفاعل والتأثير التي يُحدثها العمل المترجم من العربية في الأوساط الثقافية والنقدية والإعلامية الأوروبية أو الآسيوية أو الأميركية، ناهيك بنسب المقروئية التي قد تحققها تلك الترجمات عن العربية”.

بعد نجيب محفوظ

من جانبه، يرى الكاتب السعودي يوسف المحيميد أن ترجمة روايته “فخاخ الرائحة” إلى الفرنسية كانت تجربة مهمة بالنسبة إليه وإلى الرواية السعودية، لكونها أول رواية سعودية تُترجم إلى الفرنسية، مضيفاً: “إنها من التجارب التي جعلتني أرى الرواية من خارج لغتها للمرة الأولى”.

وقال المحيميد لـ”النهار”: “وجدت الرواية صدى نقدياً وإعلامياً جيداً، وكان لافتاً بالنسبة إليّ أن قارئاً بعيداً جغرافياً وثقافياً عن المكان الذي تدور فيه الرواية استطاع أن يتفاعل مع شخصياتها وعالمها الهامشي”.

وأضاف: “هذا أكثر ما تعنيه لي الترجمة؛ فهي ليست مجرد انتقال كتاب من لغة إلى أخرى، وإنما هي تحدٍّ لإمكانات الأدب وقدرته على مغادرة بيئته المحلية من دون أن يفقد روحه”. واستطرد: “مع تعدد ترجمات أعمالي، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن الكاتب كلما كان مخلصاً لمكانه وتفاصيله، كان أكثر قدرة على الوصول إلى قارئ بعيد عنه”.

وقبل أيام، صدرت الترجمة الكردية لرواية “فخاخ الرائحة”. وسبق أن تُرجمت للمحيميد روايته “الحمام لا يطير في بريدة” إلى اللغة نفسها. وعن ذلك، يقول: “أشعر بأن الترجمة إلى الكردية تفتح نافذة مهمة على قارئ قريب منا، ينتمي إلى نسيج ثقافي وتاريخي مشترك مع العالم العربي، وتجمعنا به علاقات جوار وتفاعل وذاكرة مشتركة. وبصورة عامة، تسعدني ترجمة رواياتي إلى لغات مختلفة؛ لأنني أرى في الترجمة حياة أخرى للنص، فهي تنقله من بيئته ولغته الأولى إلى قارئ جديد، قد يكتشف في شخصياته وأمكنته، رغم اختلاف الثقافة والجغرافيا، شيئاً من تجربته الإنسانية الخاصة. وهذا، بالنسبة إليّ، أحد أجمل ما يمكن أن يحدث للرواية”.

اقرأ أيضا: رودري لن يكون فيغو جديد

ويرى المحيميد أيضاً أن الأدب العربي قطع، بعد نجيب محفوظ، مسافة كبيرة، قائلاً: “فتح محفوظ نافذة واسعة أمام العالم، لكن ظهرت بعده أصوات وتجارب شديدة الخصوصية والتنوع من مختلف البلدان العربية. وأعتقد أن التحدي اليوم لم يعد يكمن في وجود أدب عربي جيد، بل في وصوله من خلال الترجمة الجيدة والناشر المؤثر والتوزيع والحضور النقدي العالمي”.

فعل تبادل وحوار

لاحظ الكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة وجود هوّة شاسعة بين ما يُترجم من الأدب العربي إلى الفرنسية والإنكليزية، وما يُترجم من هاتين اللغتين إلى العربية، علماً أن ثلاثة أرباع ما تُرجم من أدبنا وفكرنا إليهما جاء بمبادرة من المخابر الغربية نفسها، لا بمبادرة منا.

وأضاف أنه لا ينبغي أن ننسى أن كثيراً مما وصل إلى الغربيين من كتاباتنا كان بفضل كتّابنا الذين كتبوا أصلاً باللغات الغربية، فلم يحتج الأمر إلى ترجمة، ما يجعل السؤال عن هوية تلك الكتابات مشروعاً: هل نحسبها على العرب أم على الغرب؟

ورأى صاحب رواية “رقصة اليعسوب” ضرورة مواجهة جملة من الأسئلة الموضوعية في هذا الصدد، “لندرك فداحة تقصيرنا في هذا الباب”، منها: “كم مركزاً للترجمة نملك في الدول العربية الاثنتين والعشرين؟ وماذا فعلت الجامعات العربية للمساهمة في رفد مسعى الترجمة، علماً أن لا جامعة تقريباً تخلو من كلية للترجمة؟ وأين الملحقيات الثقافية لسفاراتنا العربية من خلق قنوات ترجمية جادة؟ وأين مساهماتنا المالية في دعم القنوات الغربية التي تهتم بالترجمة، ولا سيما تلك المؤمنة بكتاباتنا؟ ولماذا نقيم المآتم عندما تذهب الجوائز الوازنة في العالم إلى غيرنا، ومنها جائزة نوبل للآداب، بينما لا نملك آليات لترجمة المتميزين من كتّابنا إلى اللغات الحية، وفي مقدمتها الإنكليزية والفرنسية؟ بل هل بذلنا ما ينبغي من جهود لمساندة الحق الفلسطيني من خلال ترجمة الأدب الفلسطيني؟ فما عدا أسماء تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، لا يعرف الغربيون أن هناك مشهداً أدبياً حياً ونابضاً في فلسطين، في مقابل الحضور اللافت الذي يحققه الأدب العبري بينهم”.

وفي السياق ذاته، رأى الروائي المصري محمد بركة أن نسبة كبيرة من الأدب الغربي المترجم إلى العربية هي “محض هراء”، في حين أن الرواية العربية، بحسب صاحب رواية “حانة الست”، “وصلت إلى درجة من النضج والتطور والقدرة على الإمتاع والإدهاش، بحيث يمكنها أن تتصدر المشهد في الغرب، لو توافرت لها الشروط المناسبة، وفي مقدمها الترجمة الجيدة”.

وذهب، في تصريح لـ”النهار”، إلى أن ترجمة الأدب العربي إلى اللغات العالمية تعوّض جزئياً ضعف رواج بعض الأعمال الجيدة في هذه العاصمة العربية أو تلك.

وعن تجربته الشخصية، قال: “عشت في بروكسل، العاصمة البلجيكية، من عام 2015 إلى عام 2017، فاكتشفت مدى عمق وتأثير أن تصنع جسراً للتواصل مع قارئ في إحدى قارات العالم المختلفة. ففي أي لقاء عابر أو تجمّع عام، ما إن يعلم أحدهم أنني روائي حتى تتغيّر نظرته إليّ، ويتعامل معي كما لو كنت نجم سينما يتميّز بالتواضع! وبقدر الانبهار والتبجيل، يكون الإحباط وخيبة الأمل حين يعرف أنه لا توجد لي أي أعمال مترجمة إلى الإنكليزية أو الفرنسية”.

وأضاف: “صدرت الآن الترجمة الإنكليزية لروايتي “الفضيحة الإيطالية”، وفي الطريق ترجمتا “مهنة سرية” و”حانة الست”، التي تتناول الوجه الآخر المسكوت عنه لأم كلثوم”.

واختتم بركة بالقول: “تسهم الترجمة في تعريف الآخر بنا، وتنقل الإبداع العربي من خانة الدراسات الاستشراقية المتخصصة في علوم الأنثروبولوجيا والتاريخ، وكأننا كائنات مثيرة للدهشة في سيرك الحضارة، إلى خانة الفعل الثقافي القادر على مخاطبة وجدان القارئ بلغة أخرى”.

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – النعمان: سببان وراء تعمد الحوثيين التغطية على استنزاف عناصرهم بعمليات الطيران المسير

‫0 تعليق

اترك تعليقاً