حين تنجح طالبة مصرية في منافسة علمية عالمية ببحث بالغ التعقيد، فإننا نفرح؛ لأن زينب زهران وأمثالها يثبتون أن العقل المصري قادر على المنافسة حين يجد الفرصة. لكن نجاح زينب يجب ألا يكون مناسبة للتصفيق فقط، بل مناسبة للسؤال: لماذا ننجح كأفراد ونتعثر كمجموع؟
مصر لا تعاني نقصًا في النوابغ. لدينا متميزون في الطب والهندسة والعلوم والبرمجة والفنون والرياضة. لكن هؤلاء يظهرون غالبًا رغم المنظومة لا بسببها. وكم من موهبة مرت من مدارسنا دون أن يكتشفها أحد؟
اقرأ أيضا: الشريان يرد على وزير كويتي سابق بشأن خطر إيران.. ماذا قال؟
كيف يمكن لعقل أن يفكر في أعقد مشكلات العلم، بينما يقضي ملايين الطلاب سنواتهم في سباق مرهق للحصول على مجموع يحدد مستقبلهم؟ وهل الثانوية العامة بصورتها الحالية تقيس الفهم والإبداع، أم تقيس قدرة الطالب على الحفظ وتحمل ضغط الامتحان؟
أسرة تنفق، وطالب يرهق، ومستقبل كامل يصبح معلقًا على نصف درجة. ثم يأتي الغش والتسريب ليضربا في أخطر ما نملك: الإيمان بالعدل. فحين يتساوى المجتهد مع من حصل على الإجابة بالغش، لا نخسر درجة فقط؛ نخسر قيمة الاجتهاد نفسها، ونرسخ في أذهان أبنائنا أن التحايل قد يكون أقصر طريق إلى النجاح.
اقرأ أيضا: مهرجان الواعدين تحت 13 عاما لكرة القدم ينطلق غدا
ثم نصل إلى الجامعة، فنجد في بعض كليات الطب نسب نجاح منخفضة للغاية في الفرق الأولى. هنا لا ينبغي أن نسارع إلى اتهام الطالب أو الأستاذ، وإنما نسأل: هل كانت المدرسة تعد الطالب فعلًا لما تحتاجه الجامعة؟ وهل تقيس الثانوية القدرات التي يحتاجها الطبيب؟ وهل هناك خلل في المناهج أو طرق التدريس أو التقييم؟
هذه ليست أزمة امتحان. إنها أزمة رؤية. نحن لا نحتاج إلى تغيير شكل الثانوية العامة كل فترة، وإنما إلى تحديد الإنسان الذي نريد أن نصنعه. نريد طالبًا يفهم لا يحفظ فقط، وباحثًا يسأل لا يكرر، وشابًا يعرف أن مستقبله لا تحدده نصف درجة. وليس كل صاحب مجموع مرتفع عالمًا، وليس كل من تعثر في امتحان قليل الموهبة. المشكلة ليست أن مصر تفتقر إلى العقول. المشكلة أنها تهدر الكثير منها.
ازرعوا الأمل.. وكفى تخويفًا!
محمد صلاح.. ودلالة الاستقبال الأسطوري في تركيا!
زينب زهران ليست مجرد قصة نجاح؛ إنها دليل على أن النهر ما زال يجري تحت الرماد. والسؤال الذي يجب أن يطاردنا: كم زينب أخرى يمكن أن تظهر إذا بنينا تعليمًا يكتشف الموهبة بدل أن يرهقها، ويكافئ التفكير بدل الحفظ، ويجعل العلم طريقًا لا سباقًا على الدرجات؟
يا سادة.. لا تهدروا العقول ثم تسألوا: لماذا تأخرنا؟
