أريد مقعداً خالياً في قصر الرئاسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عماد عطاللـه – كاتب لبناني

اقرأ أيضا: التربية والتعليم تطلق المرحلة الثالثة من البرنامج التدريبي للمعلمين

في اجتماعاتي الأسبوعية كمدير تنفيذي للأعمال، أحجز دائماً مقعداً خالياً لشبحٍ متخيّل في بالي بين المديرين المصطفين حول الطاولة. على رغم دهشتهم وحيرتهم بسبب المقعد الفارغ، فهم لا يسألون إطلاقاً عن السبب، وإذا سألوا فأتهرّب من الإفصاح، لأنني أفضّل ألا أؤثر على تصوراتهم أو أن أفقد التباين بين أفكارهم ووسواسي أنا بالمقعد الفارغ. ثم “أضع” زبون الشركة المتخيّل في ذلك المقعد، كي لا تضيع مصلحة الزبون من البال بين أهداف المديرين الفردية وغايتي الشخصية ومصالح الشركة الربحية.

مقعد الزبون الخالي/الحاضر أساسي في الحَوكمة الأخلاقية، سواء كان الهيكل شركة خاصة أو سلطة في وطن. لذلك سنعود إلى مقعدنا الخالي بعد توصيف مرض السلطة العضال أولاً.

مساكين رؤساء دولنا وبعض الدول الأخرى، يثيرون الشفقة في تطورهم العجيب خارج حركة الزمن. يعيشون في سلسلة لحظات كأنها لاتاريخية، لحظة منفصلة تلو الأخرى. وعيهم الفطري دون مستوى المعرفة المتراكمة عند عامة الشعب، يعانون من أفكارٍ مُجزّأة، فكرة مبعثرة تجرّ أخرى، من دون أن تنتظم في سياق يخدم الوطن. لعلّ تركيبتهم العصبية لا تستوعب مفاهيم من نوع “إفتح يا سمسم” ومعاني الإشارات. تكتمل سعادتهم في التخبط الإبستمولوجي والأنطولوجي، لدرجة لا يتأثرون فيها بذكرى “كان يا ما كان”. 

ليس عسيراً إسقاط التوتر الذي أقامه فريدريك نيتشه بين التاريخي واللاتاريخي على المشهد اللبناني، بما يتيح نقل هذا التوتر من داخل الفرد إلى صميم العلاقة السياسية بين الحاكم والمواطن. يضرب نيتشه مثلاً بالحيوان الذي يرعى في المرجة سعيداً، أسير اللحظة لأنه فاقدٌ لذاكرة الأمس. ومن هنا يبدأ إسقاطي أنا: رؤساؤنا يرعون على نفقة الناس في زقاقٍ ضيقٍ بين حائط التاريخ وسور المستقبل، لا يأبهون بماضي “ما كان” ولا بمضارع “ما سيكون”. في نظري، حياتهم مجموعة لحظات من الـ”يكون” الآنيّة، مستمرة ومتواصلة من دون انقطاع أو توظيف في إدراك ما يحصل. إنها سعادة النسيان.

تدوم السعادة الرئاسية إلى أن يأتي فراش النهاية أو بداية الذاكرة، أو فراش الانتفاضة الشعبية أو حتى التفاف القوى الكبرى على الوعود المنافقة، بعد عمرٍ قصيرٍ من هناء العيش في المرعى. فقط في تلك اللحظة الانعطافية تبدأ فعّالية الرئيس وسعادة المواطن، عندما يفهم الأول معنى «الصيرورة» ويفرض الثاني مسؤولية «اليقظة». عندما يبدأ الرئيس في الحفر من قبر الماضي، يستخرج منه ما يبني عليه على قاعدة الوطن دون أن يدفن نفسه فيه. حينها يكتمل الجسر بين استحضار الذاكرة وصناعة المستقبل، قفزاً فوق لحظة الحاضر العابرة إلى اللحظة التاريخية. هكذا ينصهر معدن المجتمع لمعالجة الجروح وتعويض الخسائر وإنتاج المصلحة العامة.

لذلك من الضرورة فرض تمارين رئاسية على وظيفة كل رئيس، كي تتحول موائد الرؤساء إلى مختبرات تفاعلية مع حاجات الشعب. طبعاً تقوم شروط النجاح على إبعاد مستشاري الرئيس عن الطاولة، لأن لا أسوأ من الرئيس المضلَّل في مرعاه سوى مستشاريه الأسعد في تشذيب العشب المضلِّل. وإذا لم يكن من مهرب من اصطفافهم حول الطاولة، فلا بد من حجز مقعدٍ خالٍ للمواطن الغائب، كي يكون دائم الحضور في خيال الرئيس وقراراته.

في هذا التمرين الرئاسي، يفرض شبح المواطن على وجدان الرئيس نوعاً من الإدراك البنّاء، بقدرته على إحداث وميضٍ مفاجئٍ من الضوء عبر الفراغ الذي يُغيّم مخيلة الرئيس، وبقدرة المواطن على مساعدته في تحويل الماضي إلى خدمة أغراض الحاضر. مهمة المقعد الفارغ كبح إفراط العنصر اللاتاريخي في الاستنتاجات المضلّلة، كي يستوعب الرئيس اللحظة التاريخية الملقاة على كتفيه. وإلا يتحوّل قصر الرئاسة إلى نادٍ خاص وفخم تتمخطر فيه ماري أنطوانيت بين مهمات الاحتفالات واختيار فساتين السفر إلى المحافل الدولية في نيويورك، على حساب محفظة الشعب الضرائبية.

اقرأ أيضا: هل اللبن المصدر الوحيد للكالسيوم؟ معهد التغذية يكشف البدائل المناسبة للأطفال

بقدر ما تسيطر العتمة على كل رئيس أحاديّ المنظار، بقدر ما تتعطل لغة الكلام وتفقد الأفعال البلاستيكية أثرها. رؤساؤنا المهووسون بالهدف السريالي الواحد واقعون في فخ تفاهات الأمم الأقوى علينا، لدرجة أنهم لم يعودوا قادرين على تقييم الطريق الصحيح. وحده الله يعلم في أي حفرة هم واقعون. ووحده مقعد المواطن الخالي يحمل البوصلة.

لا رئيس أنجز للتاريخ ولنفسه ما ينفع الوطن بدون قاعدتين أساسيتين ومتناقضتين. هنا تكمن المفارقة: الهوس قاعدة أولى ضرورية ممزوجة بقدرٍ من السريالية لتحقيق ما قد يُعتبر خارج الواقع وفوق التاريخ. لا وطنٌ ولا قائدٌ ولا شارل ديغول نال هدفه السامي دون ساميّة الهدف أولاً، ودون جهادٍ تحت ظروفٍ تُعتبر خارج المعقول. لكن الرئيس المغروم بأحادية ما يفعله دون التسلح بالمعرفة والذاكرة الشعبية، يحوّل الهوس إلى سراب الوعود الخارجية الذي لا يستحق الهوس به، وإلى خيانة لمن ينساهم خلفه. قوة الشغف بحاجة إلى قوة القاعدة الثانية المنضبطة بالمعرفة والذاكرة الداخلية، تلك المتدفقة من صوت المقاوم على الصليب وفي ملحمة الغدير، تلك الرابضة في قلب التلال والأنفاق والقلاع والبلدات المجروفة واللبنانيين الذين يحملون في نزوحهم إدراكهم للحظة التاريخية والذاكرة الجماعية. الرئيس بحاجة إلى المواطن كي يملأ ذلك المقعد الخالي أمام طاولة القرار.

إنّ تذويب لاتاريخية الرئيس المفرطة في ذاكرة المواطن الوجدانية هو فعلُ موازنة يحتاج إليه الاثنان معاً؛ فكلٌّ منهما مصدرُ قوةٍ للآخر. وإدراك هذا التوازن بين الإرادة العمياء والذاكرة العارفة هو استحضارٌ لإرادة حياةٍ قادرة في الحاضر، لا سيّما حين يكون المطلوب مواجهة الصهيوني ورعاته وعملائه الذين يعملون خارج هوامش الأخلاق والشرعية التاريخية.

ومن دون هذا التوافق بين الاثنين، يحوّل الرئيس نفسه، عملياً، إلى أداة هيمنة مفرطة تنتهي بتدمير الوطن ذاته؛ فيما تتحوّل ذاكرة المواطن ومعرفته إلى قوّة رجعية مفرطة لا تكتفي بأن تصبح أسيرة التاريخ، بل تنتهي إلى إفساد التاريخ نفسه. أريد مقعداً خالياً ومحجوزاً للمواطن المجهول في قصر الرئاسة: كي لا يبقى المواطن خارج القرار، قبل أن يصبح لبنان وجنوبه مقعداً خالياً.

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الاعلامية

اقرأ أيضا: كامل الوزير يترأس الجمعية العامة للشركة االقابضة للنقل ويتابع نتائج سنوات الهيكلة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً