د. فالح الحمراني
ركز الرصد الشهري للتطورات في العراق الذي يصدر عن معهد الشرق الأوسط في موسكو على المحور الأمني، وفي مقدمتها أزمة “نزع سلاح الفصائل” التي حدد رئيس الوزراء علي الزيدي شهر أيلول المقبل آخر موعد لها. وكما جاء في الرصد (الذي تعرض ما يلي لأهم محاوره وقراءته للوضع في البلد) شهد الوضع العسكري والسياسي في العراق خلال شهر يوليو 2026 استمراراً لحالة التعقيد؛ إذ حالت الخلافات الحادة والمستمرة بين القوى السياسية الرائدة في البلاد دون استكمال عملية تشكيل الحكومة الجديدة للجمهورية. ولا تزال مسألة تفكيك وسحب سلاح الفصائل المسلحة اللانظامية تمثل قضية معقدة وحساسة للغاية، حيث يواصل رئيس الوزراء علي الزيدي ــ تحت ضغوط أمريكية مكثفة ومستمرة ــ إصراره على إنهاء عملية نزع سلاح هذه الجماعات في موعد أقصاه الثلاثون من أيلول من العام الحالي. وفي المقابل، تبدي غالبية التشكيلات العسكرية اللانظامية ممانعة شديدة لقرارات الحكومة، رافضةً تسليم أسلحتها إلى السلطات الرسمية.
وعلى صعيد آخر، لا تزال العلاقات بين الحكومة المركزية في بغداد وسلطات إقليم كردستان في أربيل محكومة بخلافات عميقة في الملفات السياسية والمالية والاقتصادية والعسكرية، بالتزامن مع استمرار الأوضاع الصعبة في القطاعات الاقتصادية والمالية والاجتماعية بالبلاد. أما في الشأن الخارجي، فقد تمثلت أبرز أحداث شهر يوليو في الزيارتين الرسميتين اللتين قام بهما رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
كما يرى المراقبون السياسيون، فإن «حكومة الزيدي باتت في موقف معقد؛ فهي ترزح من جهة تحت وطأة ضغوط داخلية هائلة تمارسها فصائل مسلحة نافذة تشكل جزءاً من هيكلية الدولة، في حين تنطوي المقترحات الأمريكية، من جهة أخرى، على عوائد اقتصادية مجزية» للعراق. وفي الوقت عينه، فإن «ما يضاعف من مأزق الحكومة العراقية ويعمق من انكشافها السياسي هو عدم اكتمال نصاب تشكيلتها الوزارية، فضلاً عن كون صعود الزيدي إلى سدة الرئاسة جاء بفضل تحالف الأحزاب الشيعية المنضوية تحت مظلة “الإطار التنسيقي”، وهو المكون الذي يمثل الأجنحة السياسية لتلك الفصائل ذاتها التي تضغط واشنطن لتجريدها من السلاح، مما يفرض على رئيس الوزراء الموازنة وهامشاً ضيقاً للمناورة بين إملاءات واشنطن والنفوذ الإيراني داخل ائتلافه الحاكم».
وكما هو معلوم، فقد حددت الحكومة العراقية الثلاثين من أيلول المقبل موعداً نهائياً لتسليم الأسلحة إلى الدولة من قِبَل كافة التشكيلات والفصائل المسلحة الناشطة على الأراضي العراقية؛ حيث «يتزامن هذا السقف الزمني مع الانسحاب النهائي لقوات التحالف الدولي من العراق». وقد أبلغت الحكومة قرارها هذا إلى جميع الفصائل المسلحة، فيما حذر المتحدث باسم رئيس الوزراء من أن «السلطات ستتعامل بموجب القانون وبحزم مع كل من يمتنع عن تسليم سلاحه قبل الموعد المحدد». وبموازاة ذلك، فإن افتقار الحكومة إلى بيانات ومعلومات دقيقة حول حجم ونوعية الترسانة العسكرية التي تمتلكها تلك الفصائل في العراق، من شأنه أن يعرقل تقييم مدى التقدم المحرز في مساعي السلطات الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وكبح جماح النفوذ التسليحي للجماعات المسلحة.
وفي الرابع عشر من تموز، جدد رئيس الوزراء علي الزيدي تأكيده على أنه «لن تكون هناك أي حاجة لوجود الفصائل المسلحة على الأراضي العراقية بعد الثلاثين من سبتمبر؛ فقواتنا الأمنية باتت قادرة على حماية البلاد بمفردها». وأشار رئيس الحكومة إلى أن بعض الفصائل قد سلمت بالفعل «شحنات كبيرة من الأسلحة» إلى سلطات الجمهورية، لكنه لم يحدد هوية تلك التشكيلات أو طبيعة أنواع الأسلحة التي انتقلت إلى عهدة السيطرة الحكومية.
بموازاة ذلك، واصلت الولايات المتحدة ممارسة ضغوط مكثفة ومتصاعدة على القيادة العراقية لحملها على تسريع وتيرة نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران، حيث تطالب واشنطن رئيس الوزراء علي الزيدي بإصرار باتخاذ إجراءات ملموسة ضد الفصائل الشيعية المحلية. وفي هذا السياق، أكد وزير الحرب الأمريكي هيغسيث، خلال محادثة مع الزيدي في الخامس عشر من تموز، أنه يتعين على السلطات العراقية حسم ملف تفكيك سلاح الفصائل غير النظامية في البلاد، مضيفاً: «لتعزيز شراكتنا، يجب على العراق ترسيخ سيادته ونزع سلاح الفصائل المسلحة، والتي تتحمل المسؤولية عن أكثر من 600 هجوم استهدف العسكريين الأمريكيين هذا الربيع». وأردف هيغسيث بأن الولايات المتحدة تتطلع كذلك إلى أن تلعب قوات الأمن العراقية ــ بما فيها القوات الكردية ــ «دوراً محورياً» في جهود مكافحة تنظيم داعش.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى غياب أي موقف موحد بين الفصائل المسلحة إزاء مسألة نزع السلاح وتسليمه للدولة العراقية؛ ففي الحادي والعشرين من تموز، أبلغت عشرة فصائل منضوية تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق” الحكومةَ بشكل غير رسمي عزمها الاحتفاظ بسلاحها إلى حين إتمام الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، إذ يشكك قادة هذه الفصائل في جدية الولايات المتحدة وسحب قواتها بحلول نهاية سبتمبر وفقاً لخطط الحكومة العراقية.
علاوة على ذلك، تشترط الفصائل العراقية المسلحة الحصول على حزمة ضمانات مسبقة قبل الانخراط في عملية نزع السلاح، تشمل التزام الحكومة الاتحادية بحمايتها من أي ضربات أمريكية أو إسرائيلية مستقبلاً، والإنهاء الفعلي للوجود العسكري الأمريكي في البلاد. ومع ذلك، يؤكد ممثلو الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها عدم سعيهم للدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة المركزية، معتبرين في الوقت ذاته أن “الضمانات الحالية” ــ غير المحددة ــ تظل غير كافية، فضلاً عن مطالبتهم بضمانات قطعية تقي قياداتهم وأفرادهم أي ملاحقات سياسية أو ملاحقات أمنية في المستقبل.
وفي سياق متصل، لا تزال فلول خلايا تنظيم “داعش” الإرهابي تنشط في بعض المناطق العراقية؛ حيث يحتفظ التنظيم عادةً بخلايا نائمة ومخابئ للسلاح في المناطق الوعرة وصعبة المسالك في محافظات نينوى، وصلاح الدين، والأنبار، وديالى، وكركوك، فضلاً عن وجوده داخل مدن الموصل، وكركوك، وطوزخورماتو، في وقت «تتابع فيه الجماعة عن كثب مجريات الأحداث وتطورات الأوضاع في المنطقة”.
وكان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي قد أعلن في التاسع من تموز أن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ستنهي مهامها على الأراضي العراقية في الثلاثين من سبتمبر 2026، مشيراً إلى أنه في ذلك التاريخ «سيعلن عن شراكة اقتصادية وسياسية بين بغداد وواشنطن». وأعرب الزيدي عن قناعته بأن «القوات العراقية باتت قادرة الآن على حماية البلاد وشعبها»، دون أن يستبعد في الوقت ذاته «إمكانية استمرار التبادل الاستخباراتي والأمني بين العراق والولايات المتحدة».
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – إنجاز نادر في اليمن.. حافظ للقرآن يحفظ البخاري ومسلم والسنن دفعة واحدة
The post آفاق نزع سلاح الفصائل في صدارة التطورات الداخلية في العراق appeared first on جريدة المدى.
