قبل سنوات قليلة، اجتاحت حمى كراسات التلوين للكبار رفوف المكتبات بحثًا عن مهرب من الضغوط. واليوم تنتقل الظاهرة ذاتها إلى شاشاتنا عبر ملايين المقاطع التي توثق لحظات من الخربشة الهادئة.
لم يعد هذا التحول مجرد تفاعل عابر على منصات التواصل، بل استجابة بيولوجية يترجمها قضاء 10 دقائق من ممارسة الرسم لإعادة ضبط الجهاز العصبي وإعادته لحالة السكينة.
اقرأ أيضا: الذهب يفقد مكاسبه بعد تسجيل أعلى مستوى في شهرين
ويأتي هذا الإقبال بالتزامن مع الاهتمام المتزايد بكيفية تنظيم عمل الجهاز العصبي لمواجهة الضغوط الحياتية والعودة إلى حالة السكينة الاسترخائية، وفقا لصحيفة «واشنطن بوست».
وأكدت رينا لومباردي المعالجة بالفن ومؤسسة خدمات العلاج بالفن في فلوريدا أن المجتمعات تعيش تحت وطأة ظروف اقتصادية وسياسية ضاغطة تؤرق العائلات وتمنعهم من النوم المريح.
وأوضحت لومباردي أن الهواتف الذكية تتسبب بدرجة كبيرة في إرباك التوازن العصبي نتيجة اعتمادها على أساليب تحفيزية وتنبيهات متواصلة تبقي المستخدم في حالة استنفار دائم.
ويرغب الكثيرون في إيجاد طرق عملية لتجاوز حالة التأهب المستمرة، حيث يمثل إمساك القلم والورقة لمدة عشر دقائق حلا ميسرا لتحقيق هذا الهدف.
دور ممارسة الرسم في تهدئة الجهاز العصبي
وبينت سوما سينغوبتا رئيسة أطباء الأعصاب ورئيسة قسم الأعصاب في مركز تافتس الطبي، أن التعرض للضغط يفعل الجهاز العصبي السمبثاوي المسؤول عن استجابة المواجهة أو الفرار، مضيفة أن هذا النظام يجهز الجسد للتعامل مع الخطر عبر زيادة ضربات القلب وتوتر العضلات ورفع ضغط الدم وضخ هرمون الكورتيزول.
وذكرت سينغوبتا أن الرسم يسهم في صرف الذهن عن الأفكار المجهدة وينشط الجهاز العصبي الجارسمبثاوي المختص بالراحة والهضم، ما يقلل تسارع القلب ويرخي العضلات ويعيد الجسد إلى وضعه الطبيعي.
وتعمل هذه الممارسة على إشغال الدماغ عبر تنسيق حركة اليد مع الرؤية والتركيز واتخاذ القرار، مما يمنح الفرد تجربة حسية تهدئ العقل.
وتتكامل عدة أنظمة داخل المخ أثناء ممارسة الرسم، إذ يتطلب التركيز على الأشكال والألوان والخطوط تواصلًا مستمرًا بين العينين واليدين ومراكز التخطيط الحركي.
ويساعد هذا التناسق في تثبيت الذهن في اللحظة الحاضرة ويمنعه من الانجرار نحو الأفكار السلبية والقلق المتزايد.
ويعزز هذا الأداء المتبادل مستوى الإدراك الحسي، وهو القدرة على استيعاب مدخلات الحواس من رؤية وسمع ولمس وشم وإحساس داخلي، حيث تشير أبحاث إلى أن زيادة هذا الإدراك تخفف حدة الاضطراب النفسي.
ويوفر العمل الفني وسيلة غير لفظية للتعبير عن المشاعر، إذ يعبر الفرد عن خلجاته عبر الأشكال والألوان بدلا من الكلمات، مما يسهل فهم المشاعر واستيعابها.
ولفتت سينغوبتا إلى أن إنهاء الرسمة أو متابعة نموها التدريجي ينشط نظام المكافأة في المخ، ما يفرز كميات متوازنة من الدوبامين المحفز للشعور بالرضا.
ويصل الممارس أحيانا إلى حالة من الاستغراق الكامل عند الانشغال بنشاط يتضمن تحديًا مناسبًا، حيث يقل التركيز على الذات وينخفض مستوى التوتر بشكل ملحوظ.
مدة ممارسة الرسم الكافية لتحقيق التهدئة
لا يتطلب جني هذه الفوائد المهدئة امتلاك مهارات احترافية أو إنجاز لوحات معقدة.
اقرأ أيضا: قصة كارولين ليفيت من أسرة متواضعة إلى البيت الأبيض
وأكدت سينغوبتا أن النفع المتولد ينبع من التركيز الممتد والحركة المتكررة والتفاعل مع النشاط ذاته وليس من جودة المنتج النهائي، إذ يكفي رسم خطوط أو أشكال هندسية بسيطة للحصول على النتيجة نفسها.
وحتى لو تسبب البدء في الرسم ببعض الحرج لمن يفتقرون للمهارة، فإن التجربة تظل ذات قيمة علاجية من خلال تدريب النفس على تقبل عدم الراحة وبناء القدرة على تحمل الضغوط بحسب رينا لومباردي.
وأضافت رينا لومباردي أن تجنب المواجهة يغذي الضغط المزمن، وبالتالي فإن الانخراط في أنشطة الضبط الذاتي يعزز قدرة الفرد على التكيف.
وأظهرت دراسة نشرت عام 2016 في دورية العلاج بالفن أن ممارسة النشاط الفني لمدة 45 دقيقة خفضت مستويات الكورتيزول لدى المشاركين.
غير أن سينغوبتا أوضحت أن الجلسات القصيرة التي لا تتجاوز 10 دقائق تكفي لكسر نمط التوتر دون تحميل الفرد أعباء إضافية في يومه المزدحم.
ويمكن لممارسة الرسم لمدة تتراوح بين 5 و20 دقيقة أن توقف تسارع الأفكار وتهدئ النفس وتحسن المزاج العام.
وذكرت لومباردي أن كثيرا من الجلسات العلاجية تستغرق ساعة كاملة لا تتجاوز مدة الممارسة الفنية فيها 20 دقيقة، ومع ذلك يلمس المراجعون تحسنا جسديا وعاطفيا واضحا.
ولا ينحصر هذا الأثر في استخدام الورقة والقلم وحدها، إذ يمكن الاستفادة من الوسائط الفنية الأخرى.
وأشارت لومباردي إلى أن بعض الأشخاص يفضلون التعامل مع الصلصال بينما يجد آخرون راحتهم في التلوين، إذ يكمن السر في اختيار الوسيلة التي تحقق الاستغراق المطلوب.
اقرأ أيضا: الأهلي يكثف تحركاته لحسم صفقة لاعب المحور
