عبدالجبار الجفيني
بينما أتابع الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها على خطوط التجارة العالمية وقطاع الطاقة بشكل خاص، سابقتني أصابعي على لوحة المفاتيح للبحث والتقصي حول تأثير ذلك على اقتصاد بلادي المملكة العربية السعودية، ذلك التأثير الذي بفضل الله ثم بفضل حكمة القيادة لم نره كسعوديين في حياتنا اليومية، بل على العكس حققنا أقصى المكاسب، ولا أدل على ذلك من نتائج شركة أرامكو السعودية خلال الربع الثاني، حيث حققت الشركة صافي أرباح يتجاوز 121 مليار ريال بنمو يقترب من 41% على أساس سنوي، ليصل بذلك صافي الأرباح خلال النصف الأول من العام 2026م إلى 241.6 مليار ريال.
اقرأ أيضا: القضاء السوري يصدر حكما غيابيا بالإعدام على الرئيس المخلوع بشار الأسد
في الحقيقة، لم تعد ميزانية المملكة تعتمد فقط على عوائد النفط، فقد شكلت الإيرادات غير النفطية ما يتجاوز نسبته 45% من إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من هذا العام، وهنا أعود لأخبركم بما وقعت عليه يديّ بعد البحث المستفيض الذي أشرت إليه مقدمًا، وهو التقرير السنوي لهيئة تنمية الصادرات السعودية عن العام 2025م، فمعنى أن تتأثر التجارة العالمية هو أن تتأثر سلاسل الإمداد استيرادًا وتصديرًا، وهذا مفتاح لسؤالٍ مهم، وهو ماذا تصدّر بلادنا للعالم غير الزيت الأسود؟
للأمانة، توقعت أن يحوي تقرير الصادرات السعودية على أنواع السلع والخدمات التي جرى تصديرها وأكثر الدول استيرادًا ونحو ذلك من البيانات الجوهرية، لكنه كان يتمحور حول عمل الهيئة وهيكلها الإداري وأعداد المتابعين والمشاهدين على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المبادرات المميزة صراحةً في إزالة معوقات التصدير وتعزيز برنامج “صنع في السعودية” والعديد من المشاركات في المعارض والمؤتمرات الدولية، أو دعني أقول “الانتدابات” حفظًا لوقت القارئ الكريم، عموماً المعلومة الأهم في التقرير بالنسبة لي كانت نمو الصادرات غير النفطية للعام 2025م بنسبة 15%، حيث بلغت قيمتها الإجمالية 624 مليار ريال، يتصدرها قطاع الخدمات بـ260 مليار ريال، ثم الصادرات السلعية بإجمالي 225 مليار ريال، وأخيرًا نشاط إعادة التصدير الذي بلغ 139 مليار ريال، والذي نما بنسبة 54% مقارنةً بالعام 2024م.
كان ملفتًا لي حجم الصادرات في قطاع الخدمات، ولم أجد في التقرير ما يشبع فضولي حول نوع تلك الخدمات، لكن بعد كثير من التمحيص في تقارير الهيئة العامة للإحصاء وبعض التقارير المتخصصة اكتشفت أن 60% من الصادرات الخدمية جاءت من قطاع السفر، أي أن كل ما ينفقه السياح القادمون للمملكة يتم احتسابه ضمن هذا القطاع، وتتوزع النسبة المتبقية على الاستشارات المقدمة من الشركات السعودية للخارج في القطاعات المالية والإنشائية وبعض الأنشطة المصاحبة لها وغير ذلك. أما الصادرات السلعية، فقد جاء في تقرير التجارة الدولية السلعية للعام 2025م عن الهيئة العامة للإحصاء أن المنتجات الكيماوية شكلت 22.5% من هذه الصادرات، تليها الأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزاؤها بنسبة 22.4%، والمثير في التقرير أنه كذلك 29% من واردات المملكة لذات العام جاءت من هذا الأخير، ما قادني بدوره لمحاولة فهم ما يجري هنا، فقطاع الصناعات الكيماوية السعودي يعتمد بشكل كبير على النفط أو اللقيم منخفض التكلفة تحديدًا المتوفر للقطاع، أما قطاع الأجهزة والمعدات الكهربائية فيبدو بالنسبة لي قطاعًا صاعدًا بشكل مفاجئ، وبالمناسبة يتصدر هذا القطاع صادرات المملكة غير النفطية حسب التقارير الشهرية منذ منتصف العام 2025م إلى اليوم، متفوقًا على قطاعات استحوذت على الحصة الأكبر من هذه الصادرات لعقود كالمنتجات الكيماوية ومنتجات اللدائن والمطاط.
هذا القطاع هو الصاعقة الكهربائية السعودية لكل المنافسين عالميًا، ولا أستبعد أن يتسيد صادراتنا غير النفطية لأعوام مديدة، لقد اكتشفت أثناء كتابة هذا المقال أن المملكة أصبحت ضمن كبار المصدرين العالميين للكابلات والمحولات والقواطع الكهربائية ومعدات الطاقة الشمسية لأسباب كثيرة، أهمها التوجه الحكومي لتعزيز هذه الصناعة وتوفر جزء كبير من المواد الخام المستخدمة في الصناعة محليًا كالألمنيوم والحديد والصلب والبلاستيك، ومعظم هذه المواد تأتي من شركات المنتجات الكيماوية، وهنا يتضح حجم الشراكات بين كبار المصدرين السعوديين وضخامة الصناعة السعودية وتطورها بما يتناسب مع احتياجات السوق العالمية.
اقرأ أيضا: اتفاق نهائي لانتقال لوكاكو إلى فناربخشة التركي
ختامًا، شاهدت قبل فترة تقريرًا يشير إلى جمهورية الكونغو الديموقراطية كثاني أكبر مصدّر أفريقي للمملكة بعد مصر، مما أثار استغرابي، الآن بدأت أدرك أن الكونغو أحد أكبر مصدري النحاس والكوبالت والليثيوم والنيكل وغيرها، وتلك المواد هي عصب صناعة المعدات والأجهزة الكهربائية وأجزائها، ولاحظ أنني لم أتطرق لمشاريع الربط الكهربائي السعودية القائمة منها والتي لا تزال تحت التنفيذ والأثر الاقتصادي الكبير لها على صادرات البلاد وميزانها التجاري، ودعني لا أفارقك عزيزي القارئ دون أن أخبرك أن مطار الملك عبدالعزيز في جدة استحوذ على 14.2% من صادرات المملكة السلعية خلال العام 2025م، متصدرًا كافة منافذ التصدير في المملكة برًا وبحرًا وجوًا.
أما الآن فاسمحوا لي بالرد على الشطر الثاني لبيت شعر يستفزني منذ الطفولة للشاعر الكويتي حمود البغيلي عندما قال:
الغرب يصنع طايرات وصواريخ
والشرق الأوسط ضاع نفطه بلاشي
لا يا سيدي، لم يضيع كل نفط الشرق الأوسط بلا شيء، فقد أصبح يقود صناعات غير نفطية مهمة تساهم بشكل رئيسي في نمو الناتج المحلي الإجمالي والتنمية والازدهار، أما الشطر الأول فلا أعتقد أننا سننتظر طويلًا للرد عليه.
اقرأ أيضا: القيادة تهنئ رئيس تشاد بذكرى استقلال بلاده
