براغ.. حين تقودنا الكتب إلى مدينة كافكا وهافل

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أحمد السماري

كاتب وروائي سعودي

اقرأ أيضا: الأسهم الأوروبية تتحرك بحذر قبل صدور بيانات التضخم الأمريكية

ثمة مدن نزورها لأن القدر قادنا إليها، ومدن نصل إليها وقد سبقتنا إليها الكتب. وبراغ من النوع الثاني؛ مدينة يعرفها القارئ قبل أن تطأها قدماه، من روايات فرانز كافكا ورسائله، ومن سيرة ميلان كونديرا، ومسرحيات فاتسلاف هافل، ومن تاريخ طويل تعاقبت فيه الإمبراطوريات والحروب والتحولات، فيما ظلت المدينة تحتفظ بذلك الجمال الغامض الذي جعلها واحدة من أكثر مدن أوروبا حضورًا في الأدب والفن والذاكرة.

وها هي الكتب تقودني هذه المرة إلى براغ، عبر دعوة للمشاركة في معرض الكتاب العربي والكردي الذي تحتضنه العاصمة التشيكية يومي 15 و16 أغسطس 2026، بالتعاون مع نادي القلم التشيكي، وبمشاركة دور نشر وكتّاب ومثقفين مغتربين من بلدان أوروبية مختلفة.

غير أن السفر إلى براغ من أجل الكتاب يصعب أن يبقى رحلة إلى المعرض فقط؛ فالمدينة نفسها كتاب مفتوح. هنا يمكن للمرء أن يمشي بين قرون متجاورة، وأن ينتقل من عمارة قوطية إلى أخرى باروكية، ومن قصر إمبراطوري إلى مقهى كان ملتقى للكتّاب، ومن شارع يعج بالسياح إلى زقاق صغير يوحي بأن كافكا خرج منه قبل قليل.

مدينة يمر التاريخ من شوارعها

إنها مدينة تُقرأ سيرًا على الأقدام؛ لذلك قررت السكن في وسط المدينة، بالقرب من «ساحة فاتسلاف» الشهيرة، في موقع مركزي في وسط براغ. وأظن أن هذا أحد أسباب ارتباط المدينة بالأدباء؛ فالمدن التي تسمح للإنسان بالمشي تمنحه فرصة للتأمل، والمدن التي تحتفظ بذاكرتها تمنح الكاتب مادة لا تنفد.

وقد عاشت البلاد تاريخًا معقدًا، من تأسيس تشيكوسلوفاكيا عام 1918، إلى الاحتلال النازي ثم الحكم الشيوعي، وصولًا إلى «الثورة المخملية» عام 1989 التي أنهت الحقبة الشيوعية وفتحت الطريق نحو الديمقراطية.

ومن قلب ذلك التحول برز الكاتب المسرحي فاتسلاف هافل، الذي تعرض للمنع والسجن بسبب مواقفه، ثم أصبح في ديسمبر 1989 أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا بعد سقوط الحكم الشيوعي، وفي عام 1993 أول رئيس لجمهورية التشيك بعد الانفصال السلمي بين التشيك وسلوفاكيا.

وربما تكمن فرادة تجربة هافل في أن الكاتب خرج من عالم المسرح والكلمة إلى موقع القرار، محمولًا على تجربة طويلة من الكتابة والمعاناة؛ في صورة تذكّر بقوة الثقافة وقدرتها على المشاركة في صناعة التاريخ.

كافكا.. الرجل الذي جعل براغ متاهة أدبية

وعندما نقول براغ أدبيًا، فإن الاسم الذي يقفز إلى الذاكرة هو فرانز كافكا.

وُلد كافكا في براغ عام 1883، وعاش القسم الأكبر من حياته فيها، وكتب بالألمانية. وتحولت المدينة في أدبه إلى حضور خفي؛ ممرات وأبواب وسلطات غامضة ومحاكم ومكاتب ومتاهات يعيش الإنسان داخلها باحثًا عن معنى لا يصل إليه بسهولة.

واليوم يستطيع زائر براغ أن يتتبع أثر كافكا في البيت والشوارع والمقاهي والمتحف والأحياء التي عاش فيها. والمفارقة أن الكاتب الذي رحل عام 1924 ولم يحظَ في حياته بالشهرة العالمية التي نعرفها، أصبح أحد أشهر أبناء المدينة وأكثر كتّاب القرن العشرين تأثيرًا، حتى تحول اسمه في لغات عديدة إلى صفة «كافكاوي»، لوصف عالم عبثي مربك يجد الإنسان نفسه محاصرًا داخله.

وهكذا انتصر الأدب بطريقته الخاصة: رحل الرجل، وبقي عالمه حيًا.

من كافكا إلى كونديرا

ولم يتوقف الأدب التشيكي عند كافكا. فقد قدّم أسماء تركت أثرًا عميقًا في الثقافة العالمية، ومن أبرزها ميلان كونديرا، صاحب «كائن لا تحتمل خفته»، الذي جعل الرواية مساحة للتفكير في الذاكرة والنسيان والحب والمنفى والسياسة وخفة الوجود وثقله.

وهناك أيضًا بوهوميل هرابال، أحد أهم الأصوات السردية التشيكية، وياروسلاف هاشيك، صاحب «الجندي الطيب شفيك»، فيما منح الشاعر ياروسلاف سيفرت الأدب التشيكي حضورًا عالميًا بنيله جائزة نوبل للآداب عام 1984.

وحين نجمع كافكا وهافل وكونديرا وهرابال وهاشيك وسيفرت، ندرك أن البلدان لا تُقاس دائمًا بمساحتها، وإنما بما تتركه في ذاكرة الإنسانية.

اقرأ أيضا: ضبط 3 مخالفين وإحباط تهريب 118 كجم من القات والحشيش بعسير وجازان

معرض صغير وفكرة كبيرة

وسط هذا الإرث يأتي معرض الكتاب العربي والكردي في براغ ليضيف نافذة ثقافية أخرى إلى المدينة. وتحمل دورته هذا العام اسم الكاتب الكردي الراحل محمد سيّد حسين (1943–2022)، الذي عاش سنوات طويلة في التشيك وواصل منها نشاطه الأدبي والفكري، بعد مسيرة تجاوزت عشرين مؤلفًا في الشعر والقصة والرواية والمقالة والدراسات.

ويشارك في المعرض عدد من دور النشر، من بينها منشورات رامينا في لندن، بإصدارات عربية وكردية وإنجليزية في الرواية والقصة والفكر والترجمة وأدب الأطفال.

وهنا تكتسب معارض الكتب خارج العالم العربي أهمية خاصة؛ فالكتاب حين يسافر إلى لغة أخرى ومدينة أخرى يؤدي وظيفة إضافية: “يعرّف بنا”. فالترجمة والنشر والمعارض من أكثر أدوات القوة الناعمة بقاءً وتأثيرًا، وقد تظل رواية مترجمة على رف مكتبة في براغ قادرة بعد سنوات على تعريف قارئ أوروبي بإنسان يعيش في الرياض أو دمشق أو بغداد.

من الرياض إلى براغ

وبالنسبة لي، تحمل المشاركة معنى إضافيًا؛ فهي فرصة لأن يصل شيء من الأدب السعودي الحديث إلى قارئ جديد، وللحوار مع كتّاب ومثقفين وناشرين ينتمون إلى تجارب ثقافية مختلفة.

لقد اتسع المشهد الثقافي السعودي خلال السنوات الأخيرة، وأصبح الكاتب السعودي أكثر حضورًا في الملتقيات والمعارض الدولية. والكاتب لا يحمل وطنه في حقيبته، لكنه يحمل شيئًا منه في لغته وحكاياته وشخصياته والأمكنة التي يكتب عنها.

وسأذهب إلى براغ وفي ذهني كافكا الذي جعل من المدينة سؤالًا، وكونديرا الذي جعل الرواية مختبرًا للوجود، وهافل الذي أثبت أن الكاتب قد يغادر مكتبه يومًا ليشارك في كتابة تاريخ بلاده.

وسأذهب بحثًا عن براغ الأخرى؛ الناس في الشوارع، ورائحة المقاهي القديمة، ونهر فلتافا عند المساء، وجسر تشارلز في الصباح، والأزقة التي عبرها كافكا.

أما معرض الكتاب، فسيكون البداية. فالكتاب يأخذنا إلى حكاية، والحكاية إلى مدينة، ومن المدينة إلى ثقافة، ومن الثقافة إلى إنسان لم نلتقِ به من قبل. وهذه زيارتي الأولى لبراغ؛ وربما تكون أجمل أسفار الكاتب تلك التي يبدأها بكتاب، ثم يكتشف في نهايتها أنه عاد ومعه كتاب آخر لم يكتبه بعد.

اقرأ أيضا: القضاء يُنصف ريهانا ضد شركة تركية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً