الذكاء الاصطناعي في التعليم.. أداة دعم للطلاب أم خطر على تعلمهم؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بينما تسود مخاوف من تأثيرات التكنولوجيا المتسارعة على العملية التعليمية، تقدم كبرى المؤسسات الأكاديمية العالمية نموذجًا مختلفًا يبرهن على أن حضور التقنيات الحديثة داخل الفصول الدراسية ليس بالضرورة سيناريو يهدد جودة التعليم.

ومع تركيز معظم قطاع التكنولوجيا على قياس التطور بقدرة النماذج البرمجية على تقديم إجابات فورية، تقود شركة «بيرسون» التعليمية التي يمتد تاريخها لنحو 180 عامًا وتتجاوز إيراداتها 3.58 مليار جنيه إسترليني، تحولًا نوعيًا يعيد تعريف دور الخوارزميات، مرتكزة على إخضاع الأدوات الذكية لعلوم التعلم والمحتوى الأكاديمي الموثوق، بما يضمن تمكين الطلاب من استيعاب المفاهيم وتنمية التفكير المستقل بدلًا من الاكتفاء بتلقي الحلول الجاهزة.

اقرأ أيضا: 6 خدمات توفرها وزارة الحج لكبار السن وذوي الإعاقة في الحرمين الشريفين

وتتعامل معظم المؤسسات التقنية مع قدرة النماذج البرمجية على تقديم الإجابات كمعيار رئيسي للتطور، غير أن هذه الرؤية تفقد قيمتها عندما يتعلق الهدف بجوهر العملية التعليمية، إذ قد تصبح الإجابة الصحيحة سببًا في تعثر الطالب إذا كشفت الخطوات بالكامل أو حلت المسائل دون تمكينه من فهم طريقة الوصول إلى النتيجة.

وعملت بيرسون على معالجة هذه المعضلة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيث أكد رئيسها التنفيذي، أومار عبوش، أن التحول الرقمي داخل المؤسسة رسخ درسًا مفاده أن كفاءة النموذج وحدها لا تكفي لضمان نجاح أي منتج تعليمي.

وأوضح عبوش في حديث لمجلة «فاست كومباني»: «منتجاتنا قائمة على علوم التعلم ومصممة لتكون قوية أكاديميًا بنهج متأصل. وعملاؤنا يدركون جليًا أننا نفهم عمق العملية التعليمية ونبتكر منتجاتنا بالاستناد إلى هذه الخبرة العلمية».

ودمجت الشركة البريطانية، التي بلغت إيراداتها 3.58 مليار جنيه إسترليني – ما يقارب 4.85 مليار دولار – في عام 2025، الأنظمة الذكية في منصات يستفيد منها ملايين الطلاب، ومنها منصتا «ماي لاب» و«ماسترينج» المخصصتان للمناهج الدراسية والتقييم في مؤسسات التعليم العالي بالولايات المتحدة، إلى جانب طرح معلم آلي لمادة الرياضيات موجه لاختبارات معادلة الثانوية العامة، وتوفير أدوات ذكية عبر مدرسة كونكشنز أكاديمي الحكومية المجانية المخصصة لمراحل الروضة حتى الثانوي.

وبدأت بيرسون دمج تقنيات التوليد الذكي في منظومتها عام 2023، لتصبح في عام 2024 أول دار نشر كبرى تدمج تلك الأدوات ضمن محتواها الأكاديمي، قبل أن تؤسس في عام 2025 مركز التمكين للذكاء الاصطناعي لتنسيق الحوكمة والأمن وتقييم الأداء، معتمدة على بنية تحتية تشمل منصات «أمازون بيدروك» و«مايكروسوفت» و«جوجل كلاود» و«آي بي إم واتسون إكس».

معايير توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم وتجربة بيرسون

ويشير أومار عبوش إلى أن التكيف والتطوير المستمر قادا مسيرة المؤسسة لعقود، مؤكدًا رغبتها في «أن تظل البنية التحتية التي تساعد المؤسسات وأصحاب العمل على التحقق من المهارات والمعرفة»، بدلًا من الاقتصار على مطاردة المنتجات الاستهلاكية السريعة.

وتتعامل بيرسون مع النماذج بصفتها أداة ضمن بيئة تدريسية أوسع، معتمدة على خبرتها الطويلة والمحتوى الموثوق وبيانات ملايين الدارسين لتحديد نقاط الصعوبة ومتابعة تطور المستويات بمرور الوقت.

ودفعت الاستخدامات الميدانية الشركة إلى تعديل برمجياتها؛ فبعد أن صُمم مولد الدروس الذكي لمساعدة المعلمين في التحضير المسبق، أظهرت التجربة لجوء المدرسين لاستخدامه أثناء الحصص لتعديل الشروح بشكل فوري بحسب تفاعل الطلاب، ما دفع الشركة لإعادة تطويره ليتيح إنشاء أنشطة تفاعلية أصغر حجمًا وأسرع تنفيذًا.

ويؤكد عبوش أن التجربة الناجحة ترتكز على مزج التكنولوجيا بالمحتوى الأكاديمي الرصين وإشراك المعلمين، مع تفادي الاعتماد على مزود رقمي واحد، من خلال الموازنة بين نماذج كبرى من أمازون ومايكروسوفت وجوجل وآي بي إم، وأخرى متخصصة ذات تكلفة تشغيلية أقل بحسب احتياج كل مهمة.

ويرى ديفيد برودينيل، الشريك التنفيذي لشركة الذكاء الاصطناعي التشغيلي «ديسيدر» في سيدني، أن البنى التحتية الأساسية ستستوعب مع الوقت معظم التقنيات الملحقة، موضحًا أن التميز القائم على خطوط استرجاع البيانات الذكية يمنح أصحابه مهلة تنافسية لا تتجاوز 18 شهرًا، بينما تكمن الميزة الحقيقية في سجل آليات اتخاذ القرارات داخل المؤسسة وليس في تراكم البيانات غير المفصلة.

ومن جهتها، تؤكد كافيتا غاي، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة نكتير في لوس أنجلوس، أن القيمة المستدامة تكمن في العلاقات المؤسسية والخبرة الميدانية والتراخيص الأكاديمية، مشيرة إلى أن إتاحة النماذج المجردة داخل الجامعات لا يغني عن البرمجيات المتخصصة التي تضمن الربط بأنظمة إدارة التعليم وتدريب الكوادر الأكاديمية وتوفير الضوابط الرقابية.

حوكمة منظومة الذكاء الاصطناعي في التعليم وأدلة قياس الأثر

وعملت بيرسون على تنظيم وظائفها التقنية من خلال مركز التمكين لتوحيد أطر الحوكمة ومعايير الأمن وضوابط الاستخدام المسؤول عبر وكيل آلي لمراقبة الجودة، مع منح فرق التطوير مرونة تكييف الأدوات لخدمة فئات طلابية محددة.

اقرأ أيضا: روبي تغني برفقة ابنتها طيبة على المسرح.. فيديو

ويحذر برودينيل من التغاضي عن تتبع أذونات الأنظمة المستقلة ذاتيًا عند نقلها من البيئات التجريبية إلى منصات الإنتاج الفعلي، تفاديًا لمنح البرمجيات صلاحيات واسعة تفوق حاجتها التشغيلية.

وفي إطار قياس النتائج، حللت بيرسون نحو 80 مليون تفاعل لحوالي 400 ألف طالب في التعليم العالي، ورصدت ارتفاعًا ملحوظًا في سلوكيات القراءة النشطة لمستخدمي أدوات الدراسة الذكية، كما أظهر فحص شمل أكثر من 62 ألف دارس أن التدريب التكيفي جعل الطلاب أكثر قدرة بنسبة 90% على الوصول لمرحلة الاستيعاب الأولى دون استهلاك وقت إضافي، فضلًا عن استخدام 97% من أصل 128 ألف طالب للأدوات وفق الأهداف المحددة لها.

ويعلق موتلو شوكوروفا، أستاذ التعلم والذكاء الاصطناعي في جامعة كوليدج لندن، بأن هذه المقاييس ترصد السلوك داخل المنصة ولا تقدم بالضرورة دليلًا حاسمًا على حجم المعرفة المكتسبة، موضحًا: «زيادة البيانات أمر جيد ولكنها تساعد غالبًا في الدقة وليس الصلاحية. فعشرات الملايين من التفاعلات تمنحك فترات ثقة ضيقة ومحددة حول كميات قد لا تكون هي الكميات ذات الأهمية الحقيقية».

وردًا على ذلك، يؤكد أومار عبوش استمرار بناء قواعد الأدلة من خلال ربط البيانات باختبارات الطلاب الفعلية ونتائجهم الدراسية، إلى جانب بناء شراكات بحثية مع الجامعات والمحاضرين لتقييم النتائج بدقة.

آليات تطبيق الذكاء الاصطناعي في التعليم بمسؤولية وموثوقية

وتعتمد الشركة مبدأ المسؤولية المباشرة عن مخرجات أنظمتها، حيث تبدأ بتحديد الأهداف التعليمية ثم تضع الضمانات الوقائية بالتوافق مع قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي وإطار إدارة المخاطر الصادر عن المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويوضح موتلو شوكوروفا أن المعيار الفعلي لنجاح المعلم الآلي يقاس بقدرة المتعلم على حل المسائل بصورة مستقلة واسترجاع المعرفة وتطبيقها في سياقات جديدة عند غياب الأداة الرقمية.

ويؤكد عبوش التزام الشركة بالتدقيق الصارم في خطواتها الرقمية بالتوازي مع تجاربها التطويرية، لضمان تحويل التقنيات إلى أدوات تحقق تقدمًا ملموسًا ومقاسًا في مسيرة التعلم.

اقرأ أيضا: حريق غابات ضخم يهدد أكثر من ألف منزل في ولاية نيفادا الأمريكية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً