فهيد الدوسري
علاقتي بالعمل التطوعي تمتد لسنوات، وخلال هذه السنوات تعاملت مع أعداد كبيرة من المتطوعين في مبادرات وفعاليات ومناسبات مختلفة، وشاهدت كيف تغير مفهوم التطوع في المملكة، وكيف تغير معه المتطوع نفسه.
اقرأ أيضا: الجماز: قرار الاستغناء عن محرز وكيسيه صائب.. فيديو
في السابق، كان الحديث عن التطوع يرتبط غالبًا بعدد المشاركين والساعات التي قدموها، أما اليوم فأعتقد أن السؤال الأهم أصبح: ما جودة هذه المشاركة؟ وما القيمة التي أضافها المتطوع؟
فالعدد مهم، لكن الجودة أهم.
والمتطوع الجيد ليس مجرد شخص حضر في الوقت المحدد ونفذ مهمة كلف بها، بل شخص يمكن أن يضيف للمكان، ويقترح، ويبادر، ويتعامل مع المستفيد أو الزائر بصورة جيدة، ويصبح في كثير من الأحيان أحد أفضل من يمثل الجهة أمام المجتمع.
ومن أجمل التحولات التي ألاحظها اليوم في المملكة أن مشهد التطوع لم يعد مقتصرًا على السعوديين فقط. في كثير من الفعاليات والمبادرات أصبحنا نشاهد مقيمين ومن جنسيات وثقافات مختلفة يقفون إلى جانب أبناء وبنات الوطن، يقدمون وقتهم وجهدهم لخدمة المجتمع والمشاركة في أحداث تقام على أرض المملكة.
وهذا المشهد بالنسبة لي يدعو للفخر.
لأن التطوع هنا يتجاوز تقديم الساعات، ليصبح تعبيرًا عن الانتماء للمكان والمشاركة فيه، وعن مجتمع يستطيع أن يجمع أشخاصًا من ثقافات مختلفة حول قيمة واحدة هي العطاء.
ومع الأحداث الكبرى التي تستضيفها المملكة، خصوصًا الرياضية منها، ستزداد أهمية المتطوعين أكثر من أي وقت مضى. لكن الفرصة الحقيقية ليست فقط في قدرتنا على استقطاب آلاف المتطوعين لهذه الأحداث، وإنما في قدرتنا على صناعة متطوعين ذوي جودة، والمحافظة عليهم والاستفادة من خبراتهم بعد انتهاء الحدث.
فالمتطوع الذي شارك في حدث كبير اكتسب معرفة وخبرة لا ينبغي أن تبدأ من الصفر في المناسبة التالية. والاستثمار الحقيقي أن نوثق هذه الخبرات، ونقيم الأداء، ونطور المتميزين، ونمنحهم فرصًا متدرجة ومسؤوليات أكبر، بحيث تتراكم خبراتهم من حدث إلى آخر.
فالاستمرارية تصنع الجودة، والجودة تصنع الخبرة.
ومن واقع تجربتي، أرى أيضًا أن هناك جانبًا آخر لا نعطيه دائمًا حقه عند الحديث عن التطوع، وهو علاقته بالولاء والصورة الذهنية والتسويق.
فالمتطوع الذي يعيش تجربة جيدة داخل منظمة أو جهة أو نادٍ رياضي لا يغادرها بالطريقة نفسها التي دخل بها. يصبح أكثر معرفة بها، وأكثر ارتباطًا برسالتها، وفي كثير من الأحيان أكثر حديثًا عنها ونقلًا لتجربته إلى الآخرين.
اقرأ أيضا: فابينيو ينضم إلى طرابزون سبور ويجدد شراكته مع محمد صلاح
وهنا يصبح المتطوع أحد أهم سفراء المنظمة.
ليس من خلال إعلان مدفوع أو رسالة تسويقية مكتوبة، وإنما من خلال تجربة حقيقية عاشها بنفسه. وما يقوله الإنسان عن تجربة عاشها غالبًا أكثر تأثيرًا مما تقوله المنظمة عن نفسها.
وفي الأندية الرياضية تحديدًا، يمكن للعمل التطوعي أن يكون إحدى أدوات بناء العلاقة مع الجماهير. فالمشجع الذي تمنحه فرصة ليشارك في خدمة ناديه وتنظيم فعالياته ومبادراته المجتمعية، لا تمنحه مهمة فقط، بل تمنحه مساحة ليكون جزءًا من النادي الذي يحبه. وهذا يصنع مستوى مختلفًا من الانتماء والولاء.
ولهذا أعتقد أن المرحلة القادمة تحتاج منا إلى النظر إلى المتطوع باعتباره شريكًا وليس مجرد مورد بشري مؤقت.
نستقطبه بعناية، وندربه، ونمنحه تجربة تستحق وقته، ونقيس جودة عطائه، ونستفيد من خبرته، ونفتح أمامه فرصًا جديدة، ونحافظ على العلاقة معه حتى بعد انتهاء المناسبة.
لدينا في المملكة طاقة تطوعية كبيرة، والأجمل أنها أصبحت أكثر تنوعًا وحضورًا. ومع ما ينتظر المملكة من أحداث ومشروعات كبرى، فإن أمامنا فرصة لاستخدام هذه الطاقة ليس فقط لإنجاح حدث، وإنما لبناء ثقافة مستدامة من المشاركة والانتماء والعطاء.
فنجاح العمل التطوعي لا يقاس فقط بعدد من حضروا، بل بجودة ما قدموه، وبما تركته التجربة فيهم، وبعدد الذين اختاروا أن يعودوا مرة أخرى.
اقرأ أيضا: الرزيحان: ما نشاهده من فسخ عقود للاعبي الهلال هو عمل احترافي.. فيديو
