التجربة ليست معلماً دائماً

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

د. سعود النداح

يقول الناس عن الرجل إنه ابن الخمسين فيفترضون فيه الحكمة افتراضاً، ويقولون عن آخر إنه لم يجرب الحياة بعد فيسقطون رأيه قبل سماعه. ونحن نمنح السنوات هذه السلطة على أساس واحد: أن من طال عمره لا بد أنه تعلم. والواقع أن العمر لا يعلّم أحداً بذاته؛ هو مجرد مساحة تقع فيها الأحداث. أما التعلم فعملية أخرى لا تحدث تلقائياً وقد لا تحدث أبداً.

اقرأ أيضا: تحذير طبي : استخدام المكيف الخاطئ يؤدي إلى 5 أمراض.. فيديو

فمن الناس من بلغ الأربعين وهو في الحقيقة كرر سنته الأولى بعد البلوغ خمساً وعشرين مرة. يدخل العلاقات بالطريقة نفسها فتنتهي بالنهاية نفسها، ويتعامل مع المال بالعادة نفسها فيعاني الضائقة نفسها، ويربي أبناءه بما ربي به دون أن يسأل يوماً هل نفعه ذلك أم أضره. ثم يجلس في آخر العمر يوزع النصائح باسم التجربة وهي ليست تجربة، هي عادة قديمة طال بقاؤها حتى ظنها صاحبها حكمة.

وهنا مربط المسألة كلها. التجربة مادة خام لا قيمة لها قبل معالجتها والذي يعالجها هو المراجعة. فالإنسان الذي خسر صديقاً وسأل نفسه بصدق عن نصيبه هو من الخسارة يخرج من الموقف أنضج بعشر سنوات، ومن خسر الصديق نفسه واكتفى بلوم الناس يخرج كما دخل ثم يعيد التجربة مع صديق آخر.
والفارق بينهما ليس في الحدث فالحدث واحد، الفارق في ما فعله كل منهما بالحدث بعد وقوعه.

والأخطر من ذلك أن التجربة غير المراجعة لا تقف عند حد العجز عن التعليم. تعلّم دروساً خاطئة. فالإنسان الذي جرحه أحدهم مرة يخرج بقاعدة أن الناس لا يؤتمنون فيغلق قلبه عن الدنيا كلها بسبب موقف واحد. والذي نجح مرة بأسلوب معين في ظرف معين يعمم القاعدة على كل زمان ثم يواجه بها واقعاً تغيرت شروطه فيفشل ولا يشك في القاعدة لحظة. يشك في الناس وفي الزمن وفي الجيل الجديد. صار في يده مسطرة قديمة يقيس بها عالماً جديداً ويتعجب لماذا لا تنضبط القياسات.

اقرأ أيضا: ضبط مخالفين لنظام البيئة في المدينة ومحمية الإمام فيصل بن تركي الملكية

ويزيد الأمر تعقيداً أن ذاكرتنا ليست أمينة في نقل التجربة. نحن نتذكر أثر الحدث لا تفاصيله وننسى الظروف التي رافقته ثم نروي القصة بعد سنوات بصيغة أنظف مما كانت وأشد بطولة فتتحول التجربة من درس إلى حكاية والفارق بينهما أن الدرس يُستعمل والحكاية تُروى. ولهذا تجد بعض من يفاخرون بتجاربهم يقدمون في كل مجلس الرواية نفسها بالتفاصيل نفسها وهذا في ذاته دليل كافٍ على أن التجربة توقفت عن النمو منذ زمن.

والمراجعة التي تحول السنوات إلى خبرة أبسط مما نظن. سؤالان في نهاية كل موقف أو علاقة أو سنة: ما الذي نجح ولماذا نجح؟ وما الذي أخفق ولو أعدته اليوم فما الذي تغيره؟ والسؤال الثاني هو الأثمن لأنه يفتش في موضع لا نحب النظر إليه. ومن هنا كان أكثر الناس تجربة أقلهم مراجعة لأن مراجعة أربعين سنة تعني الاعتراف أن بعضها ذهب في الاتجاه الخطأ وهذا اعتراف باهظ الثمن كلما تأخر.

إن الزمن يمنحنا العمر ولا يمنحنا الحكمة؛ فالحكمة ثمرة وعي بما مررنا به لا ثمرة مروره علينا. حتى الحمقى يكبرون وتتقدم بهم السن وتشيب رؤوسهم ويصيرون في نظر الناس أهل تجربة، والسنوات لم تفعل بهم شيئاً سوى أنها أضافت إلى أعمارهم أرقاماً. وحين تسمع أحداً يقول إن لديه خبرة أربعين سنة فاسأله سؤالاً واحداً هادئاً: ما الذي تغير في طريقتك خلال هذه السنوات؟ فإن وجدت الجواب حاضراً مفصلاً فأنت أمام إنسان عاش عمره، وإن وجدته صامتاً فاعلم أنك أمام رجل حمل السنوات ولم تحمله.

اقرأ أيضا: غرامات تصل إلى 200 ألف ريال.. تفاصيل لائحة كفاءة وترشيد المياه

‫0 تعليق

اترك تعليقاً