وزير الزراعة الأسبق يكشف سر عدم عودته للوزارة مرة أخرى.. الدكتور صلاح يوسف لـ”فيتو”: غير المتخصصين أضروا بالقطاع.. والتفريط في “البحوث الزراعية” جريمة بحق الأمن الغذائي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ مصر الحديث، تولى الدكتور صلاح يوسف حقيبة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في يوليو 2011، بعد ثورة 25 يناير، وسط حالة سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة التعقيد، ولم تستمر تجربته الوزارية سوى عدة أشهر انتهت مع أحداث محمد محمود في نوفمبر من العام نفسه.

لكن قصر المدة لم يمنع الرجل من اتخاذ قرارات تركت أثرًا في ملفات القمح والأسمدة والتقاوي والمبيدات والبحث العلمي والتعاونيات، كما خاض معركة قانونية لاستعادة شركة «نوباسيد» لصالح الدولة، وأطلق قناة «مصر الزراعية» باعتبارها ذراعًا للإرشاد الزراعي.

اقرأ أيضا: الدوري الأوروبي| قناة مفتوحة تنقل مباراة طرابزون ضد فيرينتسفاروشي

في هذا الحوار مع «فيتو»، يتحدث الدكتور صلاح يوسف عن كواليس تلك المرحلة، وأسباب تراجع محاصيل استراتيجية مثل القطن والقمح، وأزمة الأسمدة والمبيدات، ومستقبل الأمن الغذائي، ودور مراكز البحوث الزراعية، كما يكشف رؤيته لما يجب أن تفعله الدولة لإنقاذ القطاع الزراعي، وموقفه من إسناد وزارة الزراعة إلى غير المتخصصين..وإلى نص الحوار:

في البداية.. كيف رأيت وضع الزراعة المصرية قبل توليك وزارة الزراعة؟
قبل تولي مسؤولية الوزارة كنت رئيسًا لقطاع الخدمات الزراعية والمتابعة، وكنت أشرف على الحجر الزراعي وشؤون المديريات وفحص واعتماد التقاوي والتعاونيات، وهذا القطاع يمثل المخ الفني لوزارة الزراعة، وبالتالي كنت أرى المشكلات بصورة مباشرة.

ومن هنا بدأت التفكير في إعادة رسم السياسات الزراعية، وكنت خلال فترة الدكتور أمين أباظة وزيرًا للزراعة أعمل على تطوير السياسة الزراعية وإعادة صياغة منظومة التعاونيات والخدمات المقدمة للمزارعين.

وأرى أن بداية إهمال المزارع المصري ارتبطت بصورة مباشرة بإهمال التعاونيات، لأنها الأداة الأساسية التي تساعد الفلاح في الحصول على مستلزمات الإنتاج والتقاوي والإرشاد والتسويق.

وهل كانت اتفاقية التجارة الحرة نقطة تحول في الزراعة المصرية؟
أؤكد أن اتفاقية التجارة الحرة غيّرت منهج الزراعة في مصر. قبلها كانت هناك دورة زراعية سنوية تنظم المساحات والمحاصيل والأماكن التي تزرع فيها المحاصيل الاستراتيجية، وهو ما كان يحقق قدرًا من الاستقرار.

بعد ذلك أصبح المزارع أكثر حرية في اختيار المحصول، فحدث أحيانًا أن يزرع الجميع محصولًا واحدًا في موسم معين، فتزيد الكميات وتنخفض الأسعار، ثم يعزف المزارعون عن زراعته في العام التالي، فتحدث أزمة في السوق، المشكلة لم تكن في الاتفاقية نفسها، وإنما في أننا طبقناها بحذافيرها دون أن نمتلك سياسة واضحة لحماية مصالحنا الزراعية والاقتصادية.

هل تتذكر موقفًا جسد هذه الرؤية خلال مفاوضات الشراكة المصرية الأوروبية؟
نعم، كنا في بلجيكا ضمن وفد يضم وزارات الزراعة والتموين والصناعة، وكان الجانب الأوروبي يطالب بإعادة تصدير الأرز إليهم، وقتها قال الدكتور سيد البوص، مستشار وزير الصناعة والتجارة، جملة أعجبتني جدًا: «أنا مسؤول عن إطعام الشعب المصري قبل الشعوب الأوروبية» ليصفق له جميع الحاضرين بمن فيهم ممثلو المفوضية الأوروبية، وهنا أؤكد على أن المسؤول الذي يحترم دولته وشعبه يحترمه العالم كله، أما التخاذل في المسؤولية فلا يمكن تحميله للخارج.

ماذا فعلت عندما توليت وزارة الزراعة في يوليو 2011؟
عندما عرض عليَّ الدكتور عصام شرف تولي الوزارة رحبت، لكن بعد دقائق أدركت حجم المسؤولية. أنت أمام مسؤولية ملايين المصريين، وكل قرار يتعلق بالغذاء والزراعة له تأثير مباشر على حياة الناس، كان هدفي الأساسي تحسين حياة الفلاح، وإعادة الاعتبار للتعاونيات، ودعم البحث العلمي، وبناء منظومة مؤسسية سليمة.

وفي أول يوم تعهدت أمام الباحثين بتحسين دخولهم وتهيئة الظروف التي تمكنهم من التفرغ للبحث العلمي، وبالتعاون مع وزير التعليم العالي وقتها الدكتور معتز خورشيد ووزير المالية الدكتور حازم الببلاوي، حصلنا على موافقة مجلس الوزراء على بدل الجودة، وكان نحو 1700 جنيه للأستاذ بما يمثل 50% زيادة في دخول الباحثين، وصُرف بأثر رجعي، كما زادت دخول العاملين والحوافز، ورفعنا حافز العاملين في الحجر الزراعي بنسبة وصلت إلى 200%.

وكيف تعاملت مع ملف القمح؟
كان القمح أحد أهم الملفات التي تحركنا فيها، حيث كان نحو 70% من المزارعين يعتمدون على التقاوي الذاتية «الكسر»، وهي أقل جودة من التقاوي المعتمدة، فأعدنا توزيع التقاوي من خلال الجمعيات التعاونية.

لكي يقتنع المزارع بزراعة القمح وتوريده للدولة، كان لا بد من سعر عادل، وبالتنسيق مع وزير التموين وقتها الدكتور جودة عبد الخالق، رفعنا سعر توريد القمح المحلي إلى نحو 150% من السعر العالمي، فبعد أن كان سعر الأردب يتراوح تقريبًا بين 150 و185 جنيهًا، وصل إلى نحو 350 جنيهًا في تلك الفترة بينما كان السعر العالمي 250 جنيها.

كما رفعنا أسعار توريد الذرة من 185 إلى 300 جنيه للأردب والأرز قمنا بزيادة سعر الطن لـ 1600 جنيه، بهدف تحقيق ربح مناسب للمزارع، والنتيجة كانت واضحة؛ إذ ارتفع توريد القمح المحلي إلى 4.2 مليون طن بعدما كان أعلى توريد سابق في حدود مليوني طن، وارتفعت المساحة المزروعة بالقمح إلى نحو 3.3 مليون فدان.

وماذا عن أزمة الأسمدة؟
كانت هناك فجوة كبيرة، وصلت إلى نحو 700 ألف طن يوريا و325 ألف طن نترات نشادر، اجتمعت حينها مع مصانع الأسمدة الحرة وطلبت منها المشاركة في حل الأزمة، لكنني رفضت سياسة الإجبار؛ لأنني لا أريد خلق أعداء للدولة، واتفقنا على توفير كميات من النترات واليوريا، وتتحمل الوزارة فارق السعر، بهدف توفير السماد للمزارع وحماية الإنتاج.

وأرى حتى اليوم أن منظومة الأسمدة تحتاج إلى إعادة بناء علمية ومنهجية، لأن الاعتماد الكامل على الأسمدة الكيميائية له آثار بيئية وصحية، ويجب التوسع في الأسمدة الطبيعية والحيوية، وإنشاء مصانع للمركبات الحيوية تحت إشراف وزارة الزراعة ومراكز البحوث.

هل تؤيد إلغاء الدعم عن الأسمدة لبعض المحاصيل؟
الدعم يجب أن يُنظر إليه من زاوية اقتصادية متكاملة وأتذكر مقولة الدكتور كمال الجنزوري: «إزاي بدعم حاجة أنا بنتجها أصلًا؟»

في 2011 كان طن اليوريا يباع بنحو 1500 جنيه، واطلعت على ميزانيات شركات الأسمدة ووجدت أن لديها أرباحًا كبيرة، فكنت أفكر في خفض السعر إلى نحو 1100 جنيه لصالح المزارع، أما اليوم نحن أمام دائرة تضخمية؛ ارتفاع أسعار الغاز ومستلزمات الإنتاج وانخفاض قيمة العملة يرفع تكلفة السماد، ثم ترتفع تكلفة الزراعة والإنتاج، نحن ندور في دائرة تضخمية لا نهائية، ولذلك لا بد من إعادة النظر في المنظومة بالكامل.

وماذا عن أزمة المبيدات؟
كانت المشكلة في أمرين: سوء الاستخدام وتأثير المبيدات على الصحة العامة، شكلنا لجنة من الكفاءات العلمية بقيادة الدكتور الراحل محمد عبد المجيد، وأعدنا صياغة منظومة المبيدات، وكان أول توجه هو تطبيق المكافحة المتكاملة للآفات لتقليل الاعتماد على المبيدات.

وقررنا أن يتم تحديث كتاب المبيدات بصورة دورية بدلًا من تركه سنوات طويلة، وأن يتم حظر المبيد في مصر إذا ثبت حظره من جهات دولية مرجعية مثل منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية.

وأرى أن الرقابة تبدأ بالمعرفة والإقناع قبل العقاب. يجب أن نعلم المزارع ماذا يستخدم ومتى وكيف، ثم نطبق القانون على المخالف، ولا بد من منح المهندسين المؤهلين والمتخصصين الأكفاء في الرقابة صفة الضبطية القضائية وفق ضوابط واضحة لمنع الاتجار بالمبيدات المحظورة.

تحدثت عن الدكتور يوسف والي ودافعت عنه في أزمة المبيدات.. لماذا؟
أقول ذلك كشهادة للتاريخ فالدكتور يوسف والي تعرض لحملة كبيرة بشأن المبيدات، لكن القول إنه كان ينفذ مشروعًا لنشر المبيدات المسرطنة في مصر غير صحيح على الإطلاق.

يوسف والي كان صاحب خبرة وحكمة سياسية وعلمية كبيرة، واتخذ قرارات مهمة لصالح القطاع والمواطن ومنها حظر مبيدات مسرطنة وفق جداول دولية، المشكلة أن بعض القرارات لم توفر بدائل كافية للمزارعين، وظهرت استثناءات لبعض الزراعات التصديرية، وهذا كان خطأ في التطبيق.

هل تعارضت مع سياسات الدكتور يوسف والي؟
أنا كنت معترضًا على السياسة التي أدت في عهده إلى انهيار المساحات المزروعة بالقطن، عندما تراجعت المساحة من نحو مليوني فدان إلى مئات الآلاف، خسرنا القطن نفسه، وخسرنا زيت القطن، كما خسرنا «الكسب» الذي يدخل في أعلاف الحيوانات، وفوق ذلك خسرنا محصولًا يتمتع بميزة نسبية عالمية، فالقطن المصري طويل التيلة لا يزال من أفضل الأقطان في العالم.

المشكلة ليست فقط في الزراعة؛ نحتاج إلى محالج وغزل ونسيج وتصنيع متكامل حتى نحصل على القيمة المضافة الحقيقية، لكن يجب التأكيد أن تراجع القطن والقمح في تلك الفترة كان سياسة دولة تتحمل مسؤوليتها الحكومة بأكملها، وليس وزيرًا بمفرده.

وما رؤيتك لمكافحة الآفات في مصر؟
على المستوى العلمي، أرى أن مصر متقدمة جدًا في مكافحة الآفات، وأقول ذلك بشهادة علمية وليس باعتباري أستاذ أمراض نبات فقط، في محصول البطاطس مثلًا لدينا منظومة تتابع التقاوي منذ دخولها مصر وحتى إنتاج المحصول وتصديره.

لكن المشكلة في دخول بعض الآفات من الخارج، وهنا يجب أن تكون إجراءات الحجر الزراعي أكثر صرامة، وألا نخضع لضغوط رجال الأعمال أو أي جهات خارجية عندما يتعلق الأمر بالأمن الزراعي المصري.

أنشأت قناة «مصر الزراعية».. لماذا؟
أنشأت القناة خلال فترة تولي الوزارة عام 2011، وقلت يوم افتتاحها إنها ليست لخدمة وزير أو مسؤول، وإنما لخدمة المزارع، كان الهدف أن تكون ذراعًا للإرشاد الزراعي، لأن عدد المهندسين والباحثين لا يسمح بتغطية كل قرى مصر وأراضيها، وأرى أن القناة يجب أن تعود إلى عباءة وزارة الزراعة؛ فمن يقدم الإرشاد الزراعي للمزارع إذا لم تكن الوزارة وباحثوها؟

وماذا عن قضية «نوباسيد»؟
هذه من القضايا التي أعتز بها، حيث كانت شركة «نوباسيد» التابعة لوزارة الزراعة قد تمت خصخصتها، وعندما راجعت الإجراءات وجدت مخالفات تتعلق بالخصخصة والسعر والحقوق المالية للدولة.
قررت التحفظ على حق الدولة وتشكيل لجنة للإشراف على الشركة وإدارتها، ورفعت دعوى قضائية ضدي شخصيًا، قلت وقتها: «اللي له حاجة ييجي ياخدها»؛ لأنني كنت أرى أن القرار يحمي حق الدولة، وفي 2013 أوصت هيئة قضايا الدولة بإلغاء البيع وإعادة الشركة للدولة، ثم صدر قانون من المستشار عدلي منصور يمنع التحكم، فتوجه محامي المستثمرين إلى مجلس الدولة للطعن على قراراتي، لكن قاضي مجلس الدولة، الذي كان نزيهًا وشريفًا، جمّد القضية لحين الفصل في دستورية القانون، حتى حصلت الدولة على حقها والقيمة المالية المستحقة ثم أعادتها للمستثمر، وأفتخر بهذه القضية التي خضتها دفاعًا عن الوطن، ووقف إلى جانبي محامون مصريون وطنيون وأهالي وشباب النوبارية.

هل ترى أن مشروعات استصلاح الأراضي الحالية مهمة؟
كل فدان جديد يضاف إلى الرقعة الزراعية يعني إنتاجًا جديدًا، أنا مع التوسع الأفقي والرأسي معًا، لكن يجب مراعاة المياه الجوفية حتى لا نستهلكها بصورة تهدد المستقبل، وأرى أن تكلفة استصلاح الأراضي الجديدة تحتاج إلى مراجعة دقيقة؛ فلابد من تقييم حقيقي لتكاليف الإنشاء والاستصلاح ومدى تناسبها مع العائد.

وهل مصر بعيدة عن تحقيق الأمن الغذائي؟
لا توجد دولة تنتج كل ما تستهلكه، لكن الأمن الغذائي بالنسبة لي يعني ألا أعتمد في المحاصيل الأساسية على الخارج.

القمح في مقدمة هذه المحاصيل، وأحيي القيادة السياسية على الانتباه منذ أزمة كورونا إلى خطورة الاعتماد على الخارج، لأن الحروب والأزمات قد تعطل النقل والاستيراد.

نحتاج أيضًا إلى التوسع في الذرة الصفراء، ومحاصيل الزيوت مثل عباد الشمس والسمسم، ويمكن التفكير في زراعة نخيل الزيت في المناطق المناسبة لتقليل الفجوة الاستيرادية.

كما أن تقليل الفاقد يعادل زيادة المساحة الزراعية؛ فإذا قللت فاقد الحبوب 10% فأنت عمليًا حصلت على إنتاج يعادل زراعة مساحة جديدة، ولذلك نحتاج إلى صوامع للقمح والأرز والذرة، وليس القمح فقط، ويمكن إنشاء مخازن صغيرة موزعة في القرى إلى جانب الصوامع الكبرى.

وهل كانت لديك مشروعات لم تكتمل؟
نعم. خلال تولي الوزارة اتفقت مع شركة «بلومبرج» على إنشاء مصنعين لإنتاج الصوامع في مصر، أحدهما في الوجه البحري والآخر في الوجه القبلي، على أن تكون نسبة العمالة المصرية لا تقل عن 70%، ثم يتم التوسع مستقبلًا وصولا إلي التصدير لأفريقيا، المشروع لم يكتمل، وبعد سنوات جاءت الشركة نفسها لتوريد الصوامع إلى مصر بدلًا من تصنيعها هنا وهذا مثال على غياب النظام المؤسسي الذي يحافظ على المشروعات والاستراتيجيات.

ما تقييمك لمراكز البحوث الزراعية؟
لولا نشاط الباحثين في مصر «مكنّاش لقينا ناكل»، منذ عام 1980 وحتى الآن زادت إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية بنسب ضخمة، وهذا نتيجة مباشرة للبحث العلمي.                          

إنتاجية فدان القمح ارتفعت من نحو 8 أردب عام 1984 إلى نحو 20 أردب حاليًا، وهناك أصناف تحقق 24 أردبًا، ومع الإرشاد الجيد يمكن الوصول إلى 30 أردبًا.

وفي الأرز ارتفعت الإنتاجية وتراجعت مدة الزراعة واستهلاك المياه، كما استنبط مركز البحوث الزراعية أصنافًا من الذرة الصفراء تتجاوز 30 أردبًا للفدان، لكن الباحثين يعملون اليوم بأقل من طاقتهم بكثير، وأقدر أن ما يقدمونه لا يتجاوز 20% من قدراتهم الحقيقية.

وما أبرز مشكلات البحث العلمي الزراعي؟
أولًا: ضعف دخول الباحثين.
ثانيًا: نقص الإمكانيات والمعامل الحديثة.
ثالثًا: تقليص الأراضي المخصصة للبحث العلمي وتحويل بعضها لاستخدامات أخرى.
رابعًا: توقف تعيين أعداد كافية من شباب الباحثين وأوائل خريجي كليات الزراعة.
نحن أمام مدارس علمية عمرها عشرات السنين، وإذا خرجت أجيال كاملة إلى المعاش دون وجود جيل جديد يتعلم منها، ستنقطع حلقات نقل المعرفة، البحث العلمي لا يمكن إدارته بمنطق الحضور والانصراف؛ الباحث قد يعمل 24 ساعة متواصلة في المعمل أو الحقل، العلم هو الذي يبني الدول، وكل جنيه ينفق على البحث العلمي الزراعي سيعود على الاقتصاد بأضعافه.

وماذا عن الإرشاد الزراعي؟
لدينا أزمة حقيقية، كيف نطالب بوجود منظومة إرشاد زراعي قوية في الوقت الذي لا نمتلك فيه العدد الكافي من المهندسين الزراعيين؟ آخر دفعة من المرشدين الزراعيين تم تعيينها كانت دفعة 1984، وكان أصغرهم من مواليد 1963، بينما خرج آخر مرشد زراعي إلى المعاش عام 2022، كيف يمكن بناء منظومة إرشاد فعالة دون وجود مهندسين زراعيين في الأساس؟ الباحث أصبح يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في الإرشاد بسبب نقص الكوادر، بينما المفترض أن يتفرغ الباحث للبحث العلمي، ويقوم المرشد الزراعي بنقل نتائج البحث إلى المزارع.

كيف ترى مستقبل الصادرات الزراعية؟
الصادرات الزراعية المصرية جيدة، ولدينا إمكانات كبيرة، لكن يجب أن ننتقل من تصدير الخام إلى التصنيع الزراعي والقيمة المضافة، في الماضي كانت شركتا «قها» و«إدفينا» تصدران منتجاتهما إلى مختلف دول العالم، لكن تم إهمالهما واتباع نهج خصخصة «مريض» منذ عهد الدكتور عاطف عبيد، ومنذ ذلك الوقت بدأ التراجع بدلًا من التطور والتحسن.

اقرأ أيضا: وزير الخارجية يؤكد رفض مصر المساس بحرية الملاحة في الخليج

إذا صدرنا البرتقال طازجًا فقط فنحن معرضون للخسارة إذا تعطلت حركة النقل، لكن إذا امتلكنا مصانع للعصائر والمركزات يمكن تحويل المحصول إلى منتج صناعي، حتى قشر البرتقال والرمان يمكن أن يدخل في صناعات مختلفة.

وأرى أن مصر تحتاج إلى معاهد بحثية متخصصة لمحاصيل استراتيجية مثل القمح والموالح، وأن نستنبط أصنافنا محليًا بدلًا من دفع حقوق ملكية للدول المنتجة للأصناف الأجنبية.

ما المناطق التي تراها واعدة للتوسع الزراعي؟
الوادي الجديد والفرافرة وتوشكى والعوينات، إضافة إلى سيناء، كما أرى أن منطقة الجنوب الغربي لمصر يمكن أن تشهد خلال العقود المقبلة توسعًا كبيرًا في الاستصلاح والزراعة، بشرط الإدارة العلمية للمياه والتربة.

ما المشروع القومي الذي ترى أن مصر تحتاجه؟
مشروع قومي لتحديد خصوبة التربة على مستوى مصر، وتحديد مصادر وكميات المياه الجوفية ومن ثم معرفة المحاصيل التي يمكننا زراعتها في الأراضي المستصلحة ويكون لها جدوى اقتصادية، لأن التخطيط الزراعي يجب أن يقوم على بيانات علمية دقيقة.

هل تؤيد إسناد وزارة الزراعة إلى شخص غير متخصص؟
أنا ضد ذلك فالنشاط الزراعي في أساسه نشاط فني، ولا يكفي أن يكون الوزير إداريًا جيدًا إذا كان لا يفهم الأرض والمحاصيل والبحث العلمي والحجر الزراعي والتعاونيات.

لدينا باحثون وأساتذة لديهم قدرات إدارية كبيرة، والأصل أن يكون المسؤول غيورًا على القطاع، ويعتبره قضية وليست مجرد وظيفة، وأرى أن تولي غير المتخصصين حقيبة الزراعة، مثل السيد القصير وعلاء فاروق، أضر بالقطاع الزراعي، وهذا رأي مهني وليس موقفًا شخصيًا.

 

ما القرار الذي ترى أنه أضر بالقطاع الزراعي أكثر من غيره؟

بكل تأكيد التنازل عن الممتلكات العلمية التابعة لوزارة الزراعة، لا يجوز أن نقلص الأراضي المخصصة لمركز البحوث الزراعية أو كليات الزراعة لصالح استخدامات بعيدة عن البحث والإنتاج الزراعي هذا جريمة في حق الأمن الغذائي.

كان لوزارة الزراعة في السابق نحو 100 ألف فدان من الأراضي المرتبطة بمهامها المختلفة، وتقلصت مساحات مهمة منها، دور المسؤول هو تنمية قدرات القطاع وليس تقليصها.

ما القرارات العاجلة التي تحتاجها الزراعة المصرية الآن؟

أضع ثلاثة ملفات في المقدمة:

أولًا: البحث العلمي. دعم حياة الباحثين، وتوفير المعامل والأراضي والمحطات البحثية، وإنشاء معاهد جديدة للمحاصيل والتكنولوجيا الزراعية.

ثانيًا: التنمية الريفية. لا بد من إعادة بناء مفهوم التنمية الريفية، وتحسين حياة المزارع في منزله وتعليمه ودخله وإنتاجه وتسويقه، لأن الفلاح لن يستمر إذا كانت الزراعة لا تحقق له حياة كريمة.

ثالثًا: المشروع الزراعي القومي. وهو مشروع عملت عليه مع مجموعة من الباحثين لمدة عامين، ويقوم على إنشاء مدن زراعية عمرانية متكاملة، لكل مدينة برنامج إنتاجي وتصنيعي واضح؛ مثلا مدينة للإنتاج الحيواني والتصنيع، وأخرى تخدم برنامج الخبز والمحاصيل المرتبطة به، مع توفير الخدمات وإعادة توزيع السكان على أراضٍ جديدة.

طرحنا المشروع عام 2015، وكان له بعض الأثر، لكنه لم ينفذ بالصورة المتكاملة التي كنا نطمح إليها.

بعد تجربة الوزارة القصيرة.. لماذا لم تعد إليها رغم ترشيحك أكثر من مرة؟

فترة الوزارة انتهت مع أحداث محمد محمود في نوفمبر 2011، عندما قرر الدكتور عصام شرف إجراء تغيير وزاري، كنت من المعترضين على الاستقالة؛ لأنني كنت أرى أننا قادرون على تحمل المسؤولية، لكنني التزمت برأي الأغلبية.

وأؤكد لك أنني حتى عام 2015 كان اسمي يطرح أكثر من مرة للعودة إلى وزارة الزراعة، لكنني لم أكن راغبًا في ذلك، من يعرف حجم مسؤولية الوزارة لا يسعى إليها بسهولة. كنت لا أنام تقريبًا، وأعمل حتى الفجر، وتحملت إجهادًا غير عادي.

أنا كنت أريد أن أعمل للقطاع، وليس أن أبحث عن المنصب. وفي النهاية، المنصب تكليف ومسؤولية وقضية، وليس وجاهة أو طموحًا شخصيًا.

نقلا عن العدد الورقي

اقرأ أيضا: أوهموا الشباب بوظائف بالخارج، ضبط 13 شركة غير مرخصة للنصب على المواطنين بالقليوبية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً