iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
تختصر مأساة عائلة المرحوم مرتضى ياغي في بلدة زوطر الغربية في قضاء النبطية، مآسي غالبية العائلات وأهالي بلدات محافظتي الجنوب والنبطية وأوجاعهم، والتي كانت في الحرب الإسرائيلية الأخيرة والمستمرة حتى اليوم، عرضةً للاحتلال ولأعنف الغارات من الطيران الحربي والمسير وللقصف المدفعي الثقيل وأعمال التفخيخ والتفجير، مما أدى الى نزوح قسري جماعي، إضافة الى سقوط مئات الضحايا وألوف الجرحى من المقاومين والمدنيين من كل الأعمار والأجناس، وتدمير البنى التحتية والمنازل والمحلات التجارية والصناعية والاقتصادية والمراكز والصروح الدينية والتربوية والصحية، وكل ما يمت بصلة الى مقومات البقاء والحياة.
اقرأ أيضا: فوز فاراج في كلاكتون يثير جدلا.. وحزب العمال يقلل من شأنه

قصة عائلة ياغي في زوطر الغربية
تبدأ قصة عائلة ياغي من كبيرها المرحوم مرتضى ياغي، الذي أفنى حياته مع زوجته في زراعة شتول التبغ في فصل الصيف، الى جانب إلمامه بالبناء وتلبيس الحجر الصخري، الأمر الذي مكّنه من بناء منزل عائلته في أرض واسعة ورثها عن والده، على تلة عند الطرف الشمالي الغربي للبلدة، تشرف على ساحة البلدة وأحيائها الداخلية وتطل على جارتها زوطر الشرقية وكفرتبنيت ويحمر وأرنون وقلعتها التاريخية شمال نهر الليطاني، وعلى ميفدون وقرى مجاورة جنوبه. ومثلما روى أحد أبنائه لـ”النهار” أن والده كان ينقل الحجر الصخري على “الدابة”. وبعد صقله بإزميله، كان يعمد الى بناء المنزل حجراً على حجر.

3 صبيان و3 بنات
وفي الوقت نفسه، استطاع الوالد تربية أولاده الستة 3 صبيان و3 بنات وتوفير تعليمهم الى أن نالوا شهادات جامعية في اختصاصات مختلفة. عباس متزوج ولديه 4 أولاد، تعلم من والده حرفة تلبيس الحجر الى جانب تحصيله إجازة في ادارة الأعمال. وعلى غرار والده، استطاع بمساعدته ومعاونة شقيقيه بناء منزله الخاص. وفيما حظي الإبن الأصغر صلاح بمنزل العائلة وعمل على تحسينه وتوسعته، بنى علي المؤهل أول في الأمن العام منزله الفخم مستفيداً من قرضٍ خاص من الإسكان ومن بيع أحد العقارات. الأخوة الثلاثة كانوا قلباً واحداً، تعاونوا معاً على استصلاح الأرض المحيطة بمنازلهم وجعلوا منها بستاناً غرسوا فيه بعض الأشجار المثمرة والمنتجة، كما صمموا ملعباً مغطى بالغازون، “لكي لا يلعب أولادهم في الشارع” على حد ما قال علي، يمارسون فيه اللعب والرياضة أيام العطلة ونهاية العام الدراسي.
.embed-kwikmotion-ySoWJixycvHATQwcHg7sA { position: relative; padding-bottom: 56.25%; height: 0; overflow: hidden; max-width: 100%; } .embed-kwikmotion-ySoWJixycvHATQwcHg7sA iframe, .embed-kwikmotion-ySoWJixycvHATQwcHg7sA object, .embed-kwikmotion-ySoWJixycvHATQwcHg7sA embed { position: absolute; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; }
بداية وجع العائلة
بدأت أوجاع عائلة مرتضى ياغي عام 1996 إبان حرب نيسان التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم “عناقيد الغضب”، إذ تعرض المنزل الوالدي لغارةٍ من الطيران الحربي أدت الى تدميره. وأعادوا بناءه من جديد.
وفي الحرب الأخيرة، تعاظمت مأساة العائلة واوجاعها، إذ أدت غارة من الطيران الحربي الى تدمير منزل عباس ياغي. وإثر توغل القوات الإسرائيلية شمال نهر الليطاني، من خلة الراج عند الضفة الجنوبية في زوطر الشرقية، وتمكنها من احتلال الزوطرين ويحمر وكفرتبنيت وارنون، عمدت الى تفجير منزلي علي وصلاح شقيقي عباس، فيما تولت جرافة مع دبابتي ميركافا اقتلاع كل الاشجار في البستان وجرفه، ولم تسلم منه سوى شجرة قشطة. كما خربت أرض ملعب الأولاد والمعدات الموجودة فيه. ومثلما نجت شجرة القشطة، سلمت شجرة صنوبر أمام منزل عباس الذي قال أن أحد أصدقائه كان ينصحه بقطعها لئلا يتأذى منزله، وكان يجيبه “إن الشجرة عمرها 30 سنة، يعني حتى يزرع بدلاً منها يحتاج إلى 30 سنة لتصبح مثلها، والبيت إذا دمر فيمكن أن أعيد إعماره بسنة أو سنتين. وللأسف البيت دمر وما بعرف إذا راح إقدر إرجع عمر مثله بعد اليوم”.

…وأوجاع البنات أكبر بفقدان المسعف الخلوق
لم يقتصر الوجع على الاخوة الثلاثة، بل طاول شقيقاتهم الثلاث أيضاً. إحداهن منزل زوجها في زوطر الشرقية حيث تواصل القوات الإسرائيلية أبشع اعتداءاتها بتفجير المنازل من دون أن تعرف حتى الآن أي شيء عن مصيره. والثانية تصدع منزلها الزوجي في بلدة قعقعية الجسر بعد غارة على محيطه. والوجع الأكبر الثالثة لدى سمية التي فقدت إبنها المدرب الرياضي والمسعف في جمعية “كشافة الرسالة الاسلامية” عادل عاطف قدوح الذي قضى بغارة أسرائيلية على محيط جبانة البلدة، خلال مشاركته في دفن أحد الموتى.
كل يوم يقفون على أطلال بيوتهم المدمرة
منذ دخول الجيش اللبناني الى بلدة زوطر الغربية في 21 تموز الفائت، في إطار المناطق التجريبية التي تضمنها إتفاق الإطار بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية، يأتي اليها الأشقاء عباس وعلي وصلاح من أماكن نزوحهم، يقفون أمام ركام بيوتهم التي تحولت إلى خراب فوق خراب، يحاولون البحث بين أنقاضها عن أي غرض سلم ولو كان صغيراً، حذاء أو لباس أو أي قطعة من مقنيات الأنتيكا التي كان يهوى علي وزوحته جمعها، ولكن من دون جدوى. فيما الأخ الأكبر عباس يحاول بدء حياته من جديد ومن داخل غرفة متصدعة في الطابق الأرضي، قبالة شجرة الصنوبر التي بقيت شامخة.

صرخة وجع… وغضب
بألم وغصة ووجع في القلب تحدث عباس الى “النهار”:
“كنا عايشين عيشة أهل ضيعة، كل متطلبات الحياة موجودة، حالياً مثل ما شايفين لم يبق لدينا أي شيء، بيوتنا راحت، مصالحنا راحت، أنا كنت أعمل بالعمار والتلبيس، ما بقى عندي شيء، الخشب والسقايل جنى العمر راح. بيتي بدأت ببنائه عام 1992 حجراً فوق حجر واستغرقت العمل على إنجازه سبع سنوات بسبب ضعف امكاناتنا المادية. ما بقي إلا هذه الغرفة الصغيرة راح حاول أعمل منها منطلق لحياة جديدة في حال رجعنا وقدرنا نعمر من جديد ونؤسس لحياة جديدة”.
الكل مطالب وعلى الأخص الأطراف المحسوبة علينا
وبنبرة حزينة وغاضبة، شدد على “أن الكل مطالب، ما في حدا سأل عنا أو قدم أي مساعدة، وأكثر من ألوم الأطراف السياسية المحسوبة علينا، أقل شيء كان يفترض أن يأتي أحد ويقول إن شاء الله بتسلموا… 150 يوماً ونحنا مهجرين ما حدا كلف خاطره يسأل عنا”.
ويبقى السؤال الذي يصعب على هؤلاؤء الأشقاء وغيرهم الإجابة عنه، هو متى ستبنى حياتهم من جديد وكيف؟ بعد أن وجدوا أنفسهم مع عائلاتهم نازحين في أرضهم، من دون مأوى إثر فقدانهم في لحظات كل ما بنوه وزرعوه وجمعوه مدى عمر كامل. وقدروا مجمل خسائرهم المادية بما لا يقل عن مليون دولار أميركي.
